news-details

الخطة تقلّصت بـ12 مرة والميزانية بـ9 مرات، وظلّ بند واحد: مئة مليون شيكل.. للشرطة| هشام نفاع

كانت الميزانيّة المرحليّة التي أعلنت وزارة المساواة الاجتماعية في هذه الحكومة، أنها حاجة فوريّة ماسّة للبدء بمكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، هي 900 مليون شيكل. أنوّه: الميزانية المرحليّة الفوريّة، وليس كل الميزانية المطلوبة. حتى أن وزارة المالية المعروفة بتشدّدها التمويلي للأهداف الاجتماعية، تعاطت بإيجابية مع هذا المطلب. ثم جاءت لاحقًا ‏‏"توصيات لجنة المديرين العامّين للوزارات بشأن التعامل مع ‏الجريمة والعنف في المجتمع العربيّ"، التي كتبت تقريرا مفصّلاً، ومهمًا في بعض نقاطه، امتد على أكثر من 85 صفحة، حدّدت فيه مفاصل ومحاور المشكلة، وهي عديدة ومتشعبة.

كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هو من كلّف هذا الطاقم، في تشرين الأول 2019، بإعداد خطّة في غضون 90 يوماً لمعالجة ‏الجريمة الخطيرة ومنع العنف في المجتمع العربيّ. مسوّدة التقرير اكتملت في تموز 2020، وأعلن عنها رسميًا في أيلول 2020، ‏ولكن لم يتم إقرارها في الحكومة. هذا الطاقم أعلن توصيات غير مسبوقة، وبدا أنه تحلّى ببعض الشجاعة في تعاطيه مع القضية. مثلا: رفض جزئيًا الاتهام الاستشراقي-العنصري غير المستند الى أية حقيقة ومعطى واقعي، الذي يؤطّر الجريمة ضمن الثقافة العربية. فكتب:

 "هناك من يحبّذ أن ينسب مسببّات الجريمة والعنف إلى التقاليد الثقافيّة المتّبعة في المجتمع العربيّ، وإلى أعراف السلوك التي تعود إلى سنوات طويلة والتي تفضّل السلوك الخارج عن نطاق القانون. بيد أنّ هذا الاتّجاه يلقي بالمسؤوليّة الحصريّة على عاتق الأفراد من المجتمع العربيّ ولا يأخذ بعين الاعتبار تأثير عوامل الظروف المعيشيّة، والفروق في نوعيّة الخدمات العامّة وعدم المساواة في الحصول على فرص متكافئة في مجال التربية والتعليم، والإسكان والتوظيف. حينما يضاف إلى هذه الظروف البيئيّة الناقصة ظروف الفقر، والاغتراب، والإقصاء وعدم القدرة على الاندماج في المجتمع العام، يشكّل ذلك تربة خصبة لتكوّن بل لازدياد ظواهر الجريمة والعنف المرفوضة".

أو هذا الاعتراف الرسمي مثلا: "في مطلع القرن الـ 21 قرّرت الحكومة مكافحة منظّمات إجراميّة في البلدات اليهوديّة في البلاد من خلال خطوات مشتركة للشرطة وأذرع إنفاذ القانون الأخرى، سواء كانت النيابة العامة، أو سلطة الضرائب أو سلطة حظر غسيل الأموال. وقد حقّق هذا الكفاح نجاحًا، إذا بدأت المنظّمات الإجراميّة تشهد انهيارًا؛ إلاّ أنّ إحدى نتائج هذا النشاط كانت انتقال الأنشطة الإجراميّة واسعة النطاق إلى البلدات العربيّة، حيث قلّ حضور الشرطة فيها واعتبرت إجراءات إنفاذ القانون أقلّ فاعليّة. خلال السنوات الأخيرة راكمت المنظّمات الإجراميّة العربيّة قوّة وثروة بالغة نتيجة نشاطها الجنائيّ والعنيف الذي تضمّن، من بين أمور أخرى، متاجرة الأسلحة القتاليّة، ومتاجرة المخدّرات، والقروض من السوداء الرماديّة وجباية مقابل الحماية".

النص العميق هنا مهم، وهو ان الحكومة (بواسطة الشرطة) تعرف جيدًا، لو كانت لديها الرغبة، كيف تواجه الجريمة المنظمة في المجتمع العربي، إذ أنها حققت نجاحا واضحا بذلك في المجتمع اليهودي. المسألة ليس قدرة بل إرادة سياسية.

توصيات اللجنة لم تُختزل في العمل البوليسي بل رفعت الرؤية نحو مجالات تشكّل أرضية خصبة لتفشي الجريمة. وهكذا كتبتْ:

"يشدّد (طاقم المديرين) على أنه بغياب استمرار النشاط الحكوميّ المكثف للتطوير الاقتصاديّ والاجتماعيّ فلن تكون هناك أي جدوى للأنشطة الرامية إلى القضاء على الجريمة والعنف. وبشكل خاص، لقد اكتشف طاقم المدراء العامّين أنه من بين مجمل الإجراءات للتطوير الاقتصاديّ والاجتماعيّ فإنّ القضايا التالية تحظى بأهمّيّة زائدة في سياق منع الجريمة والعنف في المجتمع العربيّ: تطوير المناطق الصناعيّة في البلدات العربيّة- سواء باعتبارها وسيلة لزيادة فرص العمل المتاحة أمام الشباب العرب أو أساسًا من أسس متانة السلطات المحلّيّة العربيّة؛ المعالجة الشاملة لأزمة الإسكان - تسجيل الأراضي، والتخطيط والقروض".

يجدر الانتباه: هذه التحليلات والمواقف تقولها لجنة فوّضها بنيامين نتنياهو بنفسه. لا يمكنه التنصّل. لكنه طبعًا كالمتوقّع تنصّل منها تماًما، بألاعيبه المعهودة. رغم أن النائب منصور عبّاس يصرّ على نوع عجيب من السخاء بالثقة في مَن لا يثق فيه كلّ من عمل معه.

ودارت الأيام وجاءت انتخابات رابعة، وأعلن طاقم مديري الوزارات عن "مقترح للقرار". أي ملخص سيُقدّم للحكومة كي يتحول الى قرار رسمي. نصَّ المقترح (بند ج) على تكليف مدير عام مكتب رئيس الحكومة بتقديم خطة عمل خماسية مفصلة خلال 150 يوماً لتنفيذ التوصيات والمبادئ لمصادقة الحكومة عليها، وذلك بالتنسيق مع قسم الموازنة بوزارة المالية وهيئة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في "وسط الأقليات" والوزارات ذات الصلة.

150 يومًا هي زمن مُفرط طويل قياسًا بسفك الدم اليومي. وهي زمن بلا نهاية حين يكون بين يدي مدمنٍ على التسويف والكذب.

على المستوى الميداني جاءت البنود كالتالي:

تقوم وزارة الأمن الداخلي والشرطة بإعلان حملتين لجمع الأسلحة غير المرخصة خلال العام 2021، ويكون هذا مرهوناً بموافقة النيابة العامة فيما يتعلق بمنح حصانة من الملاحقة القضائية لحيازة الأسلحة، لمن يقدم هذه الأسلحة. وتكثّف الشرطة القيام بنشاط عملياتي المكثف فيما يتعلق بمصادرة الأسلحة والذخيرة غير القانونية بطريقة تؤدي إلى زيادة حجم ضبط الأسلحة والذخيرة بنسبة 10% في العام 2021.

نحن نتحدث عن نصف مليون قطعة سلاح منتشرة اليوم، والحساب واضح عما سيتبقى منها حتى لو طُبّقت هذه التوصية، وهذا أمر مشكوك فيه بحكم التجربة.

كذلك، يوصي المقترَح بتشكيل فريق برئاسة رئيس قيادة الأمن القومي وبمشاركة ممثلين رفيعي المستوى من الشرطة، وجهاز الأمن العام (الشاباك)، والجيش الإسرائيلي، ووزارة الأمن، ووزارة الأمن الداخلي، ووزارة القضاء (الأقسام الجنائية، المدعي العام)، وزارة المالية ومكتب رئيس الحكومة، للتعامل مع قضية تسرب الأسلحة من الجيش الإسرائيلي، والإنتاج غير القانوني للأسلحة وتهريب الأسلحة غير المرخصة إلى أراضي دولة إسرائيل، مع التركيز على المجتمع العربي.

لماذا يُشتبه ان هذا قد يظلّ حبرًا على ورق؟ القصة كالتالي:

كان مراقب الدولة الإسرائيلية قد توقف في صيف 2018 عند هذه المسألة في تقرير رسمي. ومما جاء فيه أن انعدام التنسيق والتعاون بين وحدات الشرطة وبين قوّات الأمن والشرطة هو بين النواقص الأساسيّة التي خلص اليها حيث أن معظم الأسلحة تصل إلى المجتمع العربيّ من ثلاثة مصادر رئيسة: السرقات من الجيش الإسرائيليّ، التهريب من الأردنّ والتصنيع في الضفة الغربية. كما تصل أسلحة أخرى مصدرها السرقات من المنازل والسيّارات. في حزيران 2017 اتُّفق على تشكيل وحدة مشتركة للشرطة العسكريّة وشرطة إسرائيل للقضاء على ظاهرة سرقة الأسلحة من الجيش الإسرائيليّ. حتّى شباط 2018 لم يكتمل تشكيل هذه الوحدة بعدُ. المراقب يضيف أن التعاون بين جميع الجهات ذات العلاقة في الشرطة في موضوع الأسلحة في المجتمع العربيّ تشوبه النواقص والعيوب.

هذا الكلام الرسمي الواضح كُتب وقُدّم الى رئيس الحكومة نتنياهو قبل سنتين ونصف السنة. وقُدّم للشرطة والجيش والشاباك، رسميًا. ولم نسمع عن أيّ تحرّك.

أمّا الخلاصة الواضحة الفورية فهي التالية: لقد أبقى مقترح القرار من بين حشد البنود والأفكار والمسائل والقضايا، بنداً واحداً فقط ينتظر المصادقة عليه من قبل الحكومة: تخصيص 100 مليون شيكل لغرض إقامة 8 مراكز شرطة في بلدات عربية وتوسيع مراكز أخرى. هذا هو البند الوحيد الذي ابتلع كل الميزانية التي تأتي تحت بند "خطة مكافحة الجريمة". الـ85 صفحة التي تعج بالمعطيات والاستنتاجات تقلّصت الى بضع صفحات ببند فعليّ واحد: زيادة ميزانية للشرطة. لا يوجد فقر ولا بطالة ولا سكن ولا عمل ولا تعليم ولا صناعة ولا سياحة ولا غيرها على جدول البحث الآن. بل زيادة لميزانية جهاز الشرطة كي يفتح محطات جديدة. ومعروفٌ رصيد هذا الجهاز من الثقة والاحترام في مجتمعنا (باستثناء الأخ منصور عباس ومدائحه للوزير اوحانا وشرطته).

حاليًا، ما زال نتنياهو يعلن من زيارة الى أخرى في بلداتنا أنه سيقرّ خطة لمكافحة الجريمة. ولكن حتى لو أقرّها، فهذه هي الخطة: 100 مليون شيكل للشرطة. هذا كل شيء. وكم من جريمة وقعت في بلدات تشمل محطات شرطة؟ وكم جريمة بالضبط منعت هذه المحطات؟ وهل ستنطلي هذه الأكاذيب على أحد؟ وهل سيكفّ من عبّد الطريق لنتنياهو كي يسوّق بضاعته العفنة هذه عن الانحدار من خطأ الى خطأ بحق مجتمعه وأهله ومصالحهم العليا؟ وهل يُعقل كلّ هذا العبث؟ هذه هي أسئلة الانتخابات القريبة، وليس ديماغوغيات خطف العقول وتزييف الوعي وتشويش الأبصار والبصائر، سواء كانت تتم باللغة العبرية او باللغة العربية!

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب