news-details

الوجه الحقيقي لمشروع نتنياهو والمهرولين خلف أوهامه: هل تغيّر اليمين حقًا؟| حسن مصاروة

لخّص ألوف بن المحلّل السياسي لصحيفة هآرتس في حينه، في مقال له في تشرين أول عام 2010، أي بعد أقل من عامين من اقامة حكومة نتنياهو الثانية التي عاد فيها إلى الحكم عام 2009 واستمرّت حتى ربيع 2013، ما اعتقد أنه الـ"الجهد الأساسي" الذي بذلته تلك الحكومة، وهو موجه نحو غاية واحدة: "قمع التطلّعات السياسية للمجتمع العربي في اسرائيل"، واعتقدَ أن الجهود التي تبذلها الحكومة نحو تحقيق هذه الغاية بالذات "لا تقل عن جهودها في إحباط التهديد النووي الإيراني" على حد تعبيره. وأضاف أن جهود حكومة نتنياهو لقمع تطلعات الجماهير العربية "متعددة الجبهات ويتم التعبير عنها من خلال مبادرات سن قوانين واجراء تغييرات في جهاز التربية والتعليم وأنشطة رمزية وخطوات دبلوماسية تهدف إلى تحصين هوية إسرائيل"، مشددًا على أنه في المقابل "تتم مطالبة الأقلية العربية بالتنازل عن مطلبها بالحصول على ديموقراطية وعلى مساواة أكثر مع المواطنين اليهود". ثم يشير الكاتب إلى أنه على الرغم من أن "تصعيد التوتر الداخلي مع المواطنين العرب يقترن بشكل عام بعدد من وزراء حكومة نتنياهو الثانية، ومنهم افيغدور ليبرمان الذي يقف على رأس عملية قمع العرب في اسرائيل ومن خلفه الوزير ايلي يشاي والوزير يعقوب نئمان، لكن هؤلاء ليسوا أكثر من مجرد حمَلة للراية، ويختبئ وراءهم رئيس الحكومة نتنياهو". ويشدد الكاتب أن نتنياهو هو "المبادر والمحرك لهذه السياسة على الرغم من أنه يقلل من الحديث حول الموضوع ومن التحريض ضد العرب"، الا أننا نعرف أنه منذ كتابة هذا المقال تغير الكثير في هذه الصورة، وتسلم نتنياهو مهمة حمل هذه الراية بيده، وشرع في التحريض المباشر والفج على الجماهير العربية من على كل منبر وفي كل فرصة تتاح له من أجل شد عصب قاعدته الشعبية اليمينية ومن أجل نزع الشرعية عن المشاركة السياسية للجماهير العربية مع ازدياد حضورها السياسي وارتفاع قدرتها على استغلال قوتها التصويتية لتهديد استمرار حكمه بشكل مباشر. لكن الآن يجد من بيننا من يروج للتحالف معه ويشرع له الباب على ساحة جماهيرنا لمحاولة خداعها واحباطها، ويروج لـ"تغيير إيجابي" في توجه اليمين بقيادة نتنياهو نحو الجماهير العربية.

وما جرى على لسان نتنياهو من تحريض دموي ومباشر وفج على الجماهير العربية في السنوات الأخيرة، ليس انحرافًا عرضيًا أو تغيرًا طارئًا على جوهر عقيدته السياسية المؤسسة لتصوراته نحو الجماهير العربية، وبالتالي يُمكن أن تتغير الآن إلى الاتجاه الآخر بفضل "مناورات" منصور عباس كما حاول أن يصورها الأخير. بل هي في صلب تصوراته نحو الجماهير العربية في اسرائيل التي ينظر اليها على أنها "تهديد ديموغرافي" لا أقل من ذلك، كما كشف هو بلسانه في مؤتمر هرتسليا للأمن القومي الاسرائيلي في عام 2003، عندما كان وزيرًا للمالية في حكومة شارون، حيث قال: "إننا نواجه مشكلة ديموغرافية ايضًا، لكنها غير مرتكزة في عرب فلسطين وإنّما في عرب اسرائيل... وقد حددنا في وثيقة الاستقلال أننا نقيم دولة يهودية وديمقراطية. دولة يهودية أولا وقبل أي شيء، وبعد ذلك ديمقراطية. وكي لا تلغي الديمقراطية الطابع اليهودي للدولة يجب ضمان أغلبية يهودية.. واذا ما اندمج السكان العرب بشكل رائع في الدولة ووصل عددهم إلى 35 أو 40 بالمئة من مجمل عدد سكان الدولة، عندها ستصبح الدولة اليهودية ملغية وتتحول إلى دولة ثنائية القومية". اذًا هذا الرخاء الاقتصادي والاجتماعي و"الاندماج" الذي يعد به نتنياهو العرب اليوم بـ"حلته الجديدة"-التي يروج لها ويحتفي بها منصور عباس، وفي خضم مسرحية مفضوحة يقوم بها نتنياهو الآن في أزمته ليحصد بعض الأصوات العربية ويخفض التوتر ويحبط الصوت العربي الذي يهز عرشه- هو بحد ذاته أصلاً في عقيدته السياسية وتصوراته المؤسسة تهديدٌ لطابع الدولة وخطر ديموغرافي يعمل على صده. فالرخاء الاقتصادي واندماج العرب الكبير في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للدولة سيؤدي إلى زيادة عددهم ونسبتهم من بين المواطنين وهذا بالنسبة لنتنياهو بحد ذاته تهديد لطابع الدولة اليهودية.
 

لكن لنتذكر أن مسرحية نتنياهو المفضوحة هذه مع المواطنين العرب التي نراها اليوم بشكل أوقح وبطريق ممهدة ومعبدة أكثر بفعل خطاب عباس والجنوبية: أي لعبة خفض التوتر، والتقرب الكاذب وادعاء تغيير الخطاب بهدف عدم استفزاز العرب للخروج للتصويت، لم تبدأ هذه الانتخابات بل عشية الانتخابات السابقة. لكن كان من السهل على الجميع نسيان ذلك ببساطة لأنه بعد ذلك بأيام معدودة في يوم الانتخابات الأخيرة عاد إلى حقيقته الفاشية الأصدق ليحرض على المواطنين العرب وأصواتهم حينما كان يحث قاعدته الفاشية على الخروج للتصويت بتصدير الهلع من نسب تصويت لدى العرب في البلاد والقول أن "نسبة التصويت في مدينة أم الفحم عالية، اذا لم تخرجوا الآن للتصويت فسيرقص الناس فرحًا في أم الفحم ورام الله وغزة وطهران"، وليعود بعد الانتخابات ويحرض على المواطنين العرب مباشرةً ويتهم منافسيه أنهم يسعون لتشكيل حكومة مع "العرب الذي يريدون القصاء علينا". وعشية تلك الانتخابات أعلنت صفقة القرن وتبين ما تضمنته من مخططات ترانسفير للمثلث. ونتنياهو، استكمالاً لمسرحيته وخططه في خفض التوتر مع العرب، قال في المقابلة عن موضوع الترانسفير بحق أهل المُثلث، "هذا مُجرد بالون ولن يحصل ذلك"، مع أننا نعرف جيدًا أنه هو شخصيًا من أدخل هذا البند إلى خطة القرن الأمريكية- بالتأكيد لا الغلام التافه كوشنير ولا الغبي بومبيو يعرفون أين يقع المثلث أصلاً- ونذكر كيف طرح نتنياهو ذاته الموضوع على ترامب قبل سنتين أثناء زيارته الى إسرائيل حينما كانت صفقة القرن قيد الإعداد، أي إذا كان "بالونًا" حقًا فهو الذي نفخه. الا أنه في ذات الوقت أخرج وزيره ياريف ليفين، وكلبه النابح، ومرافقه في الرحلة "التاريخية" إلى البيت الأبيض ليتكلم عن هذا البند في تصريح واضح في فاشيته ومقاصده الترهيبية القمعية، قائلًا بعد المظاهرة التي خرجت ضد صفقة القرن ومساعي الترانسفير في المثلث أن "على أهل المثلث أن يجروا حسابًا مع أنفسهم فهم من يخرجون الى الشوارع ويحملون أعلام فلسطين ويتظاهرون ضد الجيش". أي انه يربط بين مواطنة العرب في الدولة وبين ولائهم لا للدولة ورموزها فقط بل لسياسة الحكومة الرسمية وقيادة نتنياهو والا فإن الترانسفير هو العقاب.

وبدلاً من أن يقوم عباس، مَن يعتبر نفسه ممثلاً للجماهير العربية ويدعي قيادتها السياسية وبطبيعة الحال المؤتمن على وعيها من مناورات من يضمر لها الشر، بالتحريض المباشر تارةً وبالخداع الموهم تارةً أخرى، بأن يبيّن تهافت مسرحية نتنياهو وأهدافها الحقيقية وخطورتها على الجماهير العربية، يقوم على العكس من ذلك، بترسيخ هذه المسرحية والأوهام الكاذبة التي يبثها نتنياهو ويحتفي بـ"تغييرٍ" موهوم طرأ على نتنياهو وسياسة اليمين، ويقول تعليقًا على زيارة نتنياهو الاستعراضية المسرحية لأم الفحم والطيرة: "كنت أول من شخّص وقاد تغيير وجهة نظر وأجندة السياسيين في اليمين الإسرائيلي تجاه المجتمع العربي". ويقول أنه "يفضل رئيس حكومة يسعى لأصوات العرب على رئيس حكومة يحرض عليهم". وطبعًا هل هناك شاهد أكبر على هذا الـ"تغيير" في سياسة الليكود تجاه العرب من قيام نتنياهو ببذل الجهود المضنية لضمان دخول أحفاد كهانا دعاة الترانسفير المباشرين بقيادة بن جفير إلى الكنيست ومن ثم توقيع اتفاقية فائض أصوات معهم وضمان مكان لهم في الحكومة؟ وهل يستطيع عباس ربما، كما فعل مع نتنياهو، بـ"قيادة تغيير في وجهة نظر وأجندة" ورثة عصابة كاخ الارهابية التي يروج أنه سيدعم حكومة تضمها، تجاه المجتمع العربي؟


الا أن المفارقة الحقيقية هي أن خطوة نتنياهو الأخيرة هذه باحتضان عصابة كهانا تشير فعلاً إلى "تغيير" في سياسة اليمين قد جرى في السنوات الأخيرة، لكن ليس التغيير الذي يروّج له ويحتفي به عباس، بل في الاتجاه المعاكس. في سنوات الثمانين حينما دخل الفاشي المأفون كهانا إلى الكنيست وعبر بشكل فج مباشر عن أقصى أشكال اليمينية العنصرية الاقتلاعية الترانسفيرية، كان كل أعضاء الكنيست بمن فيهم أعضاء الليكود يقاطعون خطاباته ويخرجون من القاعة وعلى رأسهم يتسحاق شامير، ليس لأن اليمين الليكودي كان أقل عنصرية وعداءً للعرب في حينه، بل لأنه كان يحافظ على حد أدنى من "الرسمية" والحفاظ على الحد الأدنى من وهم الصورة "الديمقراطية". لكن اليوم وبقيادة نتنياهو يقوم الليكود باحتضان عصابة كهانا وضمان مكان لهم في الحكومة وبذل كل جهد ممكن من أجل ادخال بن جفير، الذي يعلق صورة المجرم الفاشي باروخ غولدشتاين منفذ مجزرة الحرم الابراهيمي في صالون بيته،  إلى حكومته. في تلك السنوات حينما كان يُصرح كهانا بشكل واضح عن مشروعه لتنفيذ الترانسفير بحق العرب مواطني دولة اسرائيل وسلب الجنسية من سكان وادي عارة والمثلث كان يحصد استنكارًا واضحًا حتى من زعماء الليكود وتم صده من كافة الأحزاب حتى اليمينية منها الى أن اختفى المشروع لسنوات من الخطاب السياسي، وكان من الممكن فقط لدى سياسيين متطرفين في هامش اليمين سماع بعض من أصدائه. حتى قام رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في العام الماضي بإحياء مشروع كهانا وإعادة طرح مشروع الترانسفير لأهالي وادي عارة والمثلث كجزء من صفقة القرن التي صاغها مع ترامب. وليتحول اليوم مشروع الترانسفير الذي كان في الماضي من اختصاص سياسي متطرف في هامش الخارطة السياسية تتم مقاطعته من قبل كل الأحزاب وعلى يد نتنياهو إلى جزء مركزي في وثيقة رسمية لحكومة اسرائيل في الوقت الذي يحتضن فيه أبناء دعاتها الأوائل في حكومته القادمة. هذا هو الـ"تغيير" الخطير في سياسة اليمين الحاكم الذي يجب على من يدعي قيادة الجماهير مثل عباس، أن يواجهه ويحذر من خطورته، لا أن يحتفي به ويتفاخر موهومًا أنه "قاده".


والقضية أن عباس واصل تقديم الخدمات المجانية لنتنياهو بالرغم من أن الأخير تنصل بشكل واضح من أي إمكانية بالاعتماد على الجنوبية أو عباس في تشكيل الحكومة، بعد أن أخذ من عباس ما يريد بشق القائمة المشتركة ومن ثم تشريع فتح الباب لليكود للتوجه للصوت العربي بشكل مباشر بتصريح الوزير تساحي هنغبي الذي قال أن الليكود "لم يعد بحاجة الآن لوساطة عباس من أجل الوصول إلى المواطنين العرب مباشرةً". ليتبين أن المعادلة الـ"عبقرية"، غير المسبوقة في السياسة العربية، التي صاغها عباس بالقول بأن "نتنياهو يستغله وهو يستغله بالمقابل" هي معادلة تجري على طرف واحد.  فبعد التنازلات السياسية التي قدمها عباس الواحدة تلو الأخرى والتي بدأت بانتخاب مرشح الليكود متنياهو إنجلمان لمنصب مراقب دولة، وهو ما نسب إلى "انشقاق" أعضاء الجنوبية عن شكل تصويت المعارضة؛ إضافة إلى إلغاء عباس التصويت الذي أجراه حين ترأس جلسة كنيست بالتنسيق مع ياريف ليفين، وهو تصويت كان سيصادق على تشكيل لجنة فحص برلمانية في قضية الغواصات وشبهات تورّط نتنياهو بالفساد فيها. كذلك، تغيب أعضاء الجنوبية عن التصويت على حل الكنيست في كانون الأول الماضي، في إطار الاتصالات مع الليكود؛ ومن ثم مديح الشرطة ووزيرها في مواجهة العنف في المجتمع العربي بحضور نتنياهو، وحديثه عن قربه لليمين في اسرائيل أكثر منه لليسار، والترويج بشكل أو بآخر أن نتنياهو رجل سلام لا يشن الحروب، وإعلانه الاستعداد لإعطاء طوق النجاة من المحاكمة للمجرم الأكبر بحق الجماهير العربية، عن طريق التصويت على القانون الفرنسي، ومن ثم خروجه على قناة المستوطنين للتهديد بشق القائمة المشتركة اذا لم تتبع أسلوبه بالتزلف لنتنياهو، ومن ثم القيام بالفعل بشق القائمة المشتركة هرولةً خلف أوهامه. وأخيرًا في محاولة لإرضاء نتنياهو والتمهيد للتحالف معه ولإمكانية دعم حكومته قام بوصف الأسرى الفلسطينيين بالـ"مخربين" وتنصل من أي لقاء معهم- بالرغم من أن قضية الأسرى ذات أهمية مركزية لدى الاسلامية الجنوبية، مما استدعاها لإصدار بيان تدين فيه تصريحات قائدها-، وبعد ذلك كله يخرج ٔ بنيامين نتنياهو، مساء الاثنين الماضي، في مقابلة مع القناة "12"، ردًا على سؤال يتعلق بمنصور عباس واحتمالية الاعتماد عليه في تشكيل الحكومة، كما يراهن عباس، إنه "لن يعتمد على عباس ابدًا بأي صورة كانت" لأنه لا يمكن أن يتحالف مع من "يعارض الصهيونية". وبهذا اتضح أن نهج منصور الذي تلخص بالرهان على نتنياهو وإمكانية انضمامه لحكومته أو دعم ائتلافه وقام من أجله بشق القائمة المشتركة، قد سقط وتبين أنه مجرد وهم بعدما أعلن نتنياهو بشكل واضح أنه غير معني بدعمه بلغة "إما أن تكون صهيونيًا أو لا مكان لك معي".

وأمام هذا  الانكشاف لزيف وتهافت مشروع الجنوبية بقيادة عباس، وانفضاح خيبة الهرولة خلف نتنياهو، التي تبين أنها سراب حتى بالمعنى البراغماتي الذي يروجون له، لم يبقَ لديهم من مقولة سياسية يخوضون فيها النقاش الا حرف النقاش السياسي-الذي اذا تم خوضه بشكل واضح وعلني وعقلاني سيكشف بشكل أجلى وأوضح تهافت طروحاتهم وتفاهتها- الى مجالات هوياتية وثقافوية ودينية مموهة ومزيفة، وخلق شرخ مزيف في المجتمع العربي في الداخل يحول المواجهة من مواجهة بينه وبين السلطة إلى مواجهة داخلية واحتراب داخلي على أساس قضايا هامشية ليست في صلب النقاش السياسي، تحت حملة أكاذيب تتسم بالحضيض الأخلاقي، في محاولة بائسة للتستر على خيبتهم السياسية، وذلك بترويج ادعاءات إقصائية تحريضية ضد خصومهم السياسيين بشكل عنيف يرمي إلى شيطنة الآخر، لمحاولة اشتقاق الشرعية التي فقدوها سياسيًا عبر اجتراح نقيض، لا على المستوى السياسي بل على المستوى الهوياتي والثقافي المزيف، فيروّجون للتعصب ضده، ويحشدون لمواجهته؛ وإلى تبسيط هذا النقيض وتسطيحه وتسطيح انحيازاته الاجتماعية  ليسهل عليهم إعادة انتاج شرعيتهم المفقودة بشكل غير معقد ومباشر في أذهان جمهورهم، واستسهال تحريضهم ضد الآخر، والتصوير على أن "عدوهم الوجودي" ليس في السلطة الحاكمة التي تقمعهم بل بين أبناء شعبهم، في مسار خطير يمكن أن يؤدي إلى نتائج لا تُحمد عقباها. وليس هناك أخطر من خطاب مأزوم فقد شرعيته السياسية بشق وحدة الجماهير العربية خلف أوهام نتنياهو التي تبين زيفها، ولم يعد أمامه الا التحريض والتشويه واذكاء الاحتراب الداخلي.

إن مشروع نتنياهو والمروجين للتحالف معه والمشرعين أمامه أبواب جماهيرنا العربية يعتمد على مرحلة نشهد فيها عملية متواصلة من تفتيت أي أرضية قيمية سياسية لمجتمعنا في الداخل، وسلبه من أي منظومة "معنى عام" يستند عليها في نشاطه الاجتماعي والسياسي وتعامله وتفاعله مع مؤسسات الدولة ومشاريعها والتغييرات السياسية والاجتماعية المتحركة في داخله ومن حوله، في محاولة لتذرير أفراده وردهم الى جماعاتهم العضوية الاولية الما قبل-قومية وإعادة هندسة ايديولوجية لأفراده نحو أن تكون القيم الناظمة الوحيدة لحياتهم وتفاعلهم الاجتماعي هي: قيم المصلحة الشخصية، الرفاهية الشخصية، الأمان الشخصي، الربح والتربح الشخصي، المحافظة على نمط حياة الاستهلاك الشخصي أو الرغبة نحو تحسينه؛ تقديم التقدم الفردي على المستوى المهني والأكاديمي والتجاري على أنه المخرج الوحيد من واقع عدم المساواة الاجتماعية والقومية البنيوي؛ استدخال وتذويت جمعي للهزيمة وللقهر القومي والدونية الاجتماعية بوصفها "واقعًا" لا أفق لتغييره، يستلزم قبوله والتسليم به والتعايش معه دون أي أفق تغييري ولا منفذ منه الا النجاة الفردية ومحاولة تحصيل مجرد ما يسد الرمق. وهذا بالترافق مع تشويه التقاليد السياسية في معاني الكفاح السياسي الجماعي والشمولي ومحاولة استبدالها بمنطق المقايضة والسمسرة وتذلل العبد للسيد بواسطة الاستسلام لمنطق تسيده وبنيته من أجل بعض الفتات، وتمييع العمل السياسي واستبداله بشبكات مصالح ووظائف وتمويل واستموال واسترزاق، مع هجمة ايديولوجية تحاول تغييب "السرديات الكبرى" بـ"سرديات صغرى"-ان جاز لنا هنا استعارة  توصيفات فرانسوا ليوتار لما بعد الحداثة استعارة أدبية- أي فصلنا الايديولوجي عن قضايانا الكبرى، عن شعبنا الفلسطيني وقضيته وعن دورنا في المعركة ضد الاحتلال وعن تشخيصنا للطبيعة البنيوية للتمييز والعنصرية والافقار والعنف الكامنة في طبيعة دولة العلوية الاثنية اليهودية مقابل القبول بفتات تتعلق بتحسن اقتصادي موهوم. أمام هذا المشروع تجري هذه الانتخابات وعلى هذا الأساس يجب أن تخاض المواجهة السياسية مع نتنياهو والمروجين للتحالف معه على حد سواء.
 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب