news-details

قبل أن تولد بعشر سنين أخ منصور عباس، هتَفَ توفيق طوبي..| هشام نفاع

قبل أن تولد أخ منصور عباس بعشر سنوات إلاّ شهر و 4 أيام، بالضبط، كان الشيوعيّون يخوضون معركة أخرى في مواجهتهم الحكومة وسياستها، بكلّ قوة وقناعة والتزام، دفاعَا عن الأوقاف الإسلامية، مثلما لا زالوا يفعلون اليوم في كل قضية، ولا يهادنون الحكومة، مثلما تفعل أنت اليوم، في أي حق ومطلب.

في ذلك اليوم، 26 أيار 1964، كان القائد الراحل "توفيق طوبي يطالب بتسليم الاوقاف الإسلامية الى أصحابها" (عنوان "الاتحاد"، الصحيفة الصفراء برأي الأخ منصور عباس، 2 حزيران 1964)، و "يدعو الى سن قانون يقيم مجلس اسلامي قطري منتخب.. وقانون آخر يضمن حق الطائفة الارثوذوكسية في املاك الكنيسة".

طوبي "ندد بالتسويف والمماطلة التي تنتهجها الحكومة في هذه القضية في معرض كلمته في المناقشة التي أجرتها الكنيست حول وزارة الاديان. وقال أن القضية لم تعد مجرد إعادة حق مسلوب يجب أن يعود الى أصحابه، بل أصبحت أيضا ملحّة لتأمين الخدمات الدينية لجمهور المسلمين، فكثيرة هي القرى التي تطالب بإقامة مساجد فيها وأهاليها غير قادرين على ذلك، بينما يذهب دخل الاوقاف الى مسارب لا يعرفها أحد".

قبل أن تولد بعشر سنين أخ منصور عباس، هتَفَ توفيق طوبي..

تفضّل أخ منصور ووسّع معرفتك وثقافتك عمّن كان يناضل كي تحترم الحكومة الحقوق الدينية لجميع طوائف شعبنا، بما فيه إقامة المساجد. كن جريئًا واروِ هذه الحقائق للجمهور بدلا من تسميم وعيه بالديماغوغيات الرخيصة والتلاعب بالمشاعر. إحترمِ الناس بواسطة عرض هذه الحقيقة، والحقائق التالية، عليهم.

وبالتفصيل الدقيق: "انتقد توفيق طوبي المبالغ الزهيدة التي دفعتها وزارة الاديان لمساعدة بناء مسجد السلام في الناِصرة، ومسجد كفر ياسيف والجديدة. وقال ان دفع 80 ألف ليرة لبناء مسجد يكلف حوالي نصف مليون ليرة هو مهزلة واستهتار بحقوق المواطنين"..

وها هو التاريخ يكشف أن آباء الليكود الحالي، من حزب "حيروت"، كانوا يتحدثون بلغة الإسفاف والديماغوغيا نفسها التي يتحدث بها الأخ منصور اليوم ضد الشيوعيين. فقد "قاطع أحد نواب الحيروت النائب توفيق طوبي قائلا: وأنتم (أي الشيوعيون) من أجل بناء مساجد؟ فأجابه طوبي أننا كشيوعيين نحترم عقائد جميع الناس الدينية ونحن نقاوم بكل شدة كل تمييز وغبن بحق حرية العبادة، وكشيوعيين نحن أشد المناضلين ضد كل غبن وكل تمييز ولذلك نقاوم الغبن والتمييز اللاحق بجمهور المسلمين في هذه البلاد".

توفيق طوبي، الشيوعي الملتزم بكل جوارحه بحقوق شعبه، كل شعبه، "ندّد بإهمال الحكومة المقابر المتروكة والتسامح بتدنيس حرمتها، وقال إن قلب التراكتورات لمقبرة عبد النبي في شمال تل ابيب ودحرجة الجماجم واقامة فندق هيلتون هناك هو لطخة عار في جبين السلطات لا يمكن السكوت عنه. وطالب طوبي بسن قانون لإقامة مجلس اسلامي قطري منتخب تسلم اليه الاوقاف ويدير شؤون المسلمين الدينية".

الرفيق طوبي واصل قيادة النضال من أجل الأوقاف الإسلامية لسنين وعقود، وحين كان الأخ منصور عباس صبيًا طيّبًا عمره 3 سنوات و5 شهور و 6 أيام، كان "طوبي يطالب رئاسة الكنيست بأن تضع على جدول اعمال الكنيست مشروع قانون خاص بالأوقاف الاسلامية. وذكر في شرح الطلب ان الحكومات الاسرائيلية، منذ قيام الدولة، تعتبر الأوقاف الإسلامية أملاكا متروكة أي "املاك غائب". ولذلك فقد شملها قانون أملاك الغائبين لعام 1950. وحتى يومنا هذا يجري التصرف بهذه الأملاك حسب هذا القانون. ومنذ قيام الدولة والطائفة الاسلامية تعارض وبحق اعتبار أوقافها املاك غائبين، لأن صاحبها هو الطائفة الاسلامية نفسها. لذلك فمن الطبيعي أن تكون هذه الاملاك تحت إشرافها وإدارتها، أسوة ببقية الطوائف الدينية في هذه البلاد. ولهذا طالبت الطائفة الإسلامية، منذ قيام الدولة، بتحرير الاوقاف الاسلامية ونقل إدارتها الى أيدي أوساط شعبية إسلامية منتخبة، ليصرف ريعها على شؤون الطائفة. ولكن الحكومة تجاهلت هذه المطالب".

هذه كانت محورًا مركزيًا في معركة الحزب الشيوعي والجبهة وصحيفة "الاتحاد". وتفضّل أخ منصور عباس بقراءة ما كتبه المناضل في قضية الأوقاف وغيرها، المربي والكاتب فتحي فوراني، في مقال نشرته "الاتحاد" (2 أيلول 1985) وكانت نشرته مجلة "فلسطين الثورة"، مجلة منظمة التحرير الفلسطينية، حين كان مجرد التعبير عن دعمها جريمة يُعاقب عليها القانون بنظر السلطات الإسرائيلية، ويوم كان للموقف ثمن يُدفَع وليس سعرًا يُقبض، فتفضل واقرأ الكلام الشجاع لرجل شجاع:

"إن الجماهير العربية الفلسطينية من أبناء المسلمين في حيفا والبلاد ومعها كافة القوى التقدمية والدمقراطية، تطالب بتحرير جميع الاوقاف الإسلامية التي صادرتها السلطات الإسرائيلية حسب قانون املاك الغائبين، لأن الاوقاف لا تصادر ولا تباع وهي ملك للمسلمين الذين يشكلون اكثر من 70% من الجماهير العربية الباقية في وطنها ولم تترك هذا الوطن، لأن مصادرة هذه الأوقاف، واعتبار أصحابها الموجودين "غائبين" يشكل انتهاكا فظا للشريعة الاسلامية، ويعتبر تدخلا سافرا ومهينا في شؤون المسلمين الداخلية، وبتسليم هذه الأوقاف الى لجان منتخبة انتخابا دمقراطيا مباشرًا، تمثل المصالح الحقيقية للمسلمين، وتشرف على شؤون أوقافهم، وتديرها بأمانة، لما فيه خيرهم أسوة بالطوائف العربية الأخرى في البلاد".

أما القائم بأعمال تحرير هذه الجريدة، حينذاك، الرفيق الراحل الصحفي علي عاشور، فقد كتب تحت عنوان "الأوقاف الاسلامية في اسرائيل قضية عربية لا يجوز السكوت عليها" (9 أيلول 1985): "على الرغم من مرور أكثر من 36 عاما على إقامة دولة إسرائيل فلا تزال السلطات الاسرائيلية تصر على الاستيلاء على أوقاف المسلمين في كل مكان في هذه الدولة، وتواصل نهب ريعها الضخم الذي يقدر بمئات الملايين من الدولارات، وتستمر في محاولة التخفي من وراء لجان "أمناء" إسلامية تختارهم من أعوانها لتسويغ طغيانها بحرمانها اكبر طائفة عربية في البلاد من ادارة شؤونها اسوة بسائر الطوائف العربية التي تشرف على أوقافها وأملاكها وشؤون دينها وتقيم هيئاتها بصورة مستقلة بدون تدخل. وواضح أن حرمان الطائفة الاسلامية في إسرائيل من الإشراف على اوقافها ومقدساتها وشؤون دينها هو جزء من سياسة الاضطهاد القومي والتمييز العنصري ازاء الاقلية العربية القومية في هذه البلاد على اعتبار ان اذلال الاسلام هو اذلال للعرب جميعا."

هذه المواقف كانت تُترجم في الفعل النضالي بأداة البرلمان، حيث، على سبيل المثال، قدّم القائد الراحل عضو الكنيست توفيق زيّاد مجددًا مشروع قانون "الوقف الاسلامي" باسم كتلة "الجبهة" (10 تموز 1985)، والذي أحبطه الائتلاف اليميني بقيادة الليكود (الليكود نفسه، أخ منصور عباس). كان في صلب مشروع القانون: "تحرير أملاك الوقف الاسلامي وإعادتها الى المسلمين، أصحابها الشرعيين * تحويل إدارة ورعاية الشؤون الدينية للمسلمين الى المسلمين انفسهم وهيئاتهم * اقامة هيئات اسلامية (مجلس عام ولجان محلية) ينتخبها المسلمون، بشكل دمقراطي، تكون مسؤولة عن املاك الوقف وادارة الشؤون الدينية للمسلمين، تماما كما هو الامر بالنسبة للطوائف الاخرى في الدولة".

هذه مجرّد أمثلة. وهذه هي الحقيقة. هذا هو موقف وأداء ونضال الشيوعيين والجبهويين، مع سائر الوطنيين، دفاعًا عن مقدّسات أبناء وبنات جماهيرنا في وطنهم. هذا يسمى نضالا من أجل الحقوق الدينية للمسلمين. أما الديماغوغيات الرخيصة والفيديوهات المنحطّة ومحاولة غسل أدمغة الناس بالقذارات الآسنة، والتحريض الذي تفوح منه روائح العنصرية الكريهة الآسنة، فليس انتصارًا لا للمسلمين ولا للمؤمنين ولا لسواهم. هذه متاجرة رخيصة ومُعيبة بالدين، ومحاولة مرفوضة ومفضوحة وفاشلة لاحتكاره لغايات المصلحة الأنانية والمنفعة الضيقة.

للتاريخ، لقد اعتادت المخابرات الإسرائيلية قديمًا، خلال الحكم العسكري وما بعده، إشاعة تحريضها على الشيوعيين بقوالب واضحة وحادة ومسطحة، وكاذبة طبعًا: "الشيّوعيه ضد الدين". كان هذا تحقيرًا للناس أولًا لأنه يستخف بعقولهم. لكن هذا الجزء من شعبنا الذي بقي في وطنه رغم جرائم النكبة كان أوعى، ولا زال، لأنه رأى من هم الشيوعيون حقًا بالموقف وبالممارسة، حين رفعوا صوته ودافعوا معه عن حقه وأرضه لأنهم جزء حيّ أصيل بار منه. فحذار حذار الذهاب في دروب المخابرات الملوّثة.

بالمناسبة، أشرتُ أعلاه الى أنك، أخ منصور، اعتبرت صحيفتنا هذه، "الاتحاد"، "صحيفة صفراء". تعال واصغِ الى ما قاله المرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش، مؤسس الحركة الإسلامية في البلاد: "لولا بعض المجلات والصحف، الغد والجديد وصحيفة الإتحاد، على الرغم من أنني أخالفهم، لفقدنا لغتنا العربية". هذا كلام لرجُلٍ عرف كيف يختلف وكيف يحترم وكيف ينصف وكيف يجمع ويوحّد، وأستغرب لماذا لست على خطاه. (يمكن الاستماع الى هذا التصريح في مقابلة مسجلة ومصورة ضمن برنامج "بلا حدود"، قناة الجزيرة، 28.4.1999، في إجابة على سؤال تبدأ حوالي الدقيقة 40).

أخيرًا، هل تعلم، أخ منصور عباس، ما هي أولى الكلمات التي كتبتها هذه الصحيفة، "الاتحاد"، في أوّل أعدادها في 14 أيّار 1944؟ تفضّل اقرأ واعتبرْ وكاشف الناس لو كنت شجاعًا بهذا:

تحت العنوان "جريدتنا" في صدر صفحتها الأولى من عددها الأول كتبتْ:

"فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض (قرآن كريم)".

نحن لسنا زبدًا. بل مقتنعون حتى أعماقنا بألاّ معنى لنا، ولا خير فينا، ولا تسويغ لوجودنا ما لم نظلّ ننفع الناس. وانظرْ، ها قد اكتمل قرنٌ من الزمان على عمرنا السياسي العريض الطويل، ولا نزال على العهد. إنفعْ شعبك وأهلك، أخ منصور عباس، انفعه ولا تضربه بالتحريض ولا بالتزييف ولا برسم الأوهام على صفحات ماء الليكود الآسن. لا تكن زبدًا، عُد الى الصواب.

العدد الأول من صحيفة الاتحاد.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب