البعنة – من رفيق بكري - بقلوب يعتصرها الألم فقد حزبنا الشيوعي أحد رواده في البعنة، الرفيق العريق حسن علي بكري (ابو شادي)، وشارك في تشييع جثمانه الطاهر الثلاثاء الماضي 6.9.2022 الألوف من المشيِّعين وصفها الكثيرون بالجنازة الصامتة الحزينة وقد ارتسمت على وجوه المشيّعين تعابير الحزن والأسى وذرف أصدقاؤه ومعارفه ورفاقه الدموع غير مصدِّقين أنهم يودِّعون حبيبهم للمرّة الأخيرة. وتوالت الوفود لتقديم التعازي وألقيت كلمات الرثاء التي تشير إلى أخلاقه الدمثة وحسن السيرة وانتمائه القوي لبلده وشعبه.
رحل الرفيق الدمث الأخلاق، المعروف برقته وتواضعه وإخلاصه، أحب الناس جميعا وبادلوه المحبّة بالمثل، تميّز بمخاطبة من يخالفه الرأي بابتسامته العريضة وبثقافة اكتسبها هو وأشقاءه على السليقة تمشيا مع الحديث القائل، "وجادلهم بالتي هي أحسن".
هكذا كان رفيقنا الحسن ابو الشادي، إنساناً ودوداً، قريبا من القلب والروح، امتلك قدرة مكتَسبة على التقرُّب من قلوب الناس، ونزل خبر رحيله كالصاعقة على أهل بلده ورفاقه وكل محبّيه.
عاش ابو الشادي حياته بطولها وعرضها في خدمة بلده وشعبه وانتمى في سنوات الستينيات والسبعينيات إلى الشبيبة الشيوعية، ثم التحق لصفوف الحزب الشيوعي وتبوّء المواقع القيادية، وكان بيته مقرّاً للحزب في كل المعارك المصيرية حتى يومنا هذا. لم يتوانى ابو شادي عن المشاركة في أية مناسبة وطنية أو اجتماعية في القرية وفي كل مكان قريب أو بعيد، كان له حضور دافئ مميّز في كل جلسة أو اجتماع أو حلقة تجمعه مع الرفاق والأصدقاء والعائلة وفي أي تواصل مع أهل بلده ومعارفه. صحيح أنه كان هادئا وقليل الكلام، لكن في نفس الوقت كان شفافاً بالإمكان قراءة موقفه وأحاسيسه في عينيه وبملامح وجهه، وعندما يغضب لا يدوم عبوسه طويلا وما هي الا لحظات لتنفرج أساريره وتعود ابتسامته المعروفة لتملأ وجهه.
نشط ابو شادي في كل مهمّة تُلقى على عاتقه، وكان من أوائل المحافظين والمدقِّقين في احترام الوقت بل يوجه الانتقاد لمن يتأخر عن الموعد، ومنذ نعومة أظافره شارك في توزيع مجلّة الشبيبة الشيوعية "الغد"، وصحيفة الحزب الشيوعي "الاتحاد" ومجلتي "الجديد" و "الدرب"، واتّسع نشاطه مع رفاقه في البعنة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ليشمل توزيع صحف ومجلات الحزب في دير الأسد ومجد الكروم ونحف وكان له وللرفيق الدكتور هشام بكري واحمد قاسم بكري وصالح حجير بدران وغيرهم من الرفاق الدور المركزي بإقامة فروع للحزب الشيوعي في قرى الشاغور، وفي إحدى القرى مثلا، تعرّض ابو شادي ورفاقه الى اعتداءات جسدية وملاحقات من قبل أذناب السلطة وعملاء المخابرات خلال نشاطهم المثابر وخاصة عند توزيعهم لصحيفة "الاتحاد".
ضمن حملة الملاحقات المخابراتية لأعضاء الشبيبة الشيوعية في تلك المرحلة استدعي فقيدنا الراحل حسن بكري للتحقيق من قِبَلْ المخابرات وتمّ اقتياده الى مكان وعر في الجبال وتهديده بفصل شقيقه ياسين بكري من عمله وطالبوه بالتعاون معهم مقابل عروض مغرية، وما كان من أبي شادي إلا أن نشر في صحيفة "الاتحاد" عن محاولة الشاباك الفاشلة التي وصفها بعملية اختطاف ترهيبية لإخضاعه، لكنه فضحها وأعادها إلى جحورها، وهكذا كان الشيوعيون يجابهون سياسة التركيع والترهيب.
حظي فقيد البعنة الرفيق حسن علي بكري باحترام وتقدير من كل أهل بلده وبشعبيّة غير مسبوقة وخاصة من عامّة الناس الفقير قبل الغنيّ ولم يحدث أن أزعل أو أغضب إنسانا لسِعة صدره وتسامحه وطيبة قلبه، فانتخبه أهل بلده لعضوية المجلس المحلي، وكان له بصمة ومشاركة في كل مناسبة تخصّ القرية في السرّاء والضراء.
نعاه رفاقه من مختلف البلاد ووصفوه بالرفيق الكادح المتفاني، فكان يلتقيهم دائما في النشاطات الكفاحية وخاصة في مظاهرة الاول من ايار في الناصرة وكفرياسيف وإلى جانبه رفيقة دربه وحياته أم الشادي، وربّى أولاده وبناته شادية وشادي، فادية وفادي، وياسين ورامي أفضل تربية فاختاروا المضيّ على طريق والدهم ووالدتهم الصابرة.
التحق ابو شادي عام 1968 لدورة سياسية فكرية لمدّة ستّة أشهر في مدرسة الحزب في موسكو، ورافقه في الدورة رفاق دربه سهيل ذياب، سناء ذياب، عبد الرحمن عواودة، خير خير، خالد مصاروة، يحيى متاني واحمد عوده، وفي بيت العزاء روى أحد رفاقه من مجموعة موسكو بعض الذكرايات عن رفيقه الراحل قائلاً: "كان الرفيق حسن بكري قلب المجموعة النابض، الرفيق الموحِّد المقرِّب للقلوب، وعندما يعلم بأي مشكلة تواجه أحد الرفاق لا يغفو له جفن حتى يصلح ذات البين ويعيد الأمور إلى طبيعتها، وكان همّه الأساسي الحفاظ على الهرمونيا والنسيج الاجتماعي الرفاقي فأحبه الرفاق وكان بالنسبة لهم الرفيق المخلص الأمين الحافظ للسر، يبغض القيل والقال ويمتاز بفهمه الفطري للعلاقات الاجتماعية الصادقة ويعرِّف مفهوم القائد الحقيقي بمدى صدقه وشفافيته ومتابعة هموم وقضايا الناس وبقدرته على كسب ثقة كل من حوله، لذلك كان ابو شادي القائد الحقيقي".
وقد ذكّر أحد الرفاق من المجموعة أيضا، أنه يعرف أبو شادي من خلال المناسبات الحزبية في البلاد، لكنه تعرّف عليه بعمق أكثر في المدرسة الحزبية وأضاف: "اكتشفتُ الكثير من الصفات المميّزة بأبي الشادي التي نادرا ما تجدها عند بني البشر، يبني علاقته الرفاقية الحميمية الصادقة في قلبه ويبثّها لكل من يعرفه، كان إسما على مُسمّى، حسن، حسن المعشر معروف بصدق تصرفاته وسلوكه ورحابة صدره وكرمه وكرم أخلاقه ومبادر لفعل الخير ومٌتقِن لفن العلاقات الشعبية الصادقة وأسُس وموازيين فهم المجتمع، فكان شيوعيا قلبا وقالبا وصادقا بانسانيته، وديموقراطيا يتسع صدره للاختلاف بالرأي وصلب في مواقفه في آن واحد، كان مثالا يحتذى به، أخ وأب ورب عائلة وصديق ورفيق وإنسان، هذا هو فقيدنا الذي نودِّع لروحه سلام".
(الصورة: الرفيق الراحل حسن بكري ورفاق من البعنة خلال توزيع الاتحاد)








.png)