أصدرت المحكمة الإدارية في بئر السبع، اليوم الأربعاء، قرارًا يُلزم وزارة التعليم الإسرائيلية بإعادة تزويد طلاب من قرية بير هدّاج بخدمات النقل المدرسي، وذلك استجابة لالتماس قدّمه مركز عدالة الحقوقي في 23 كانون الأول/ديسمبر 2024.
وجاء في الالتماس أن إلغاء خدمات النقل يقوّض حق الطلاب في التعليم، ويعيق قدرتهم على الانتظام في الدوام المدرسي. وقد يُشكّل هذا القرار سابقة لمئات الأطفال الآخرين المتضررين في النقب من هذه السياسات التعسفية والتمييزية.
وأشار مركز عدالة الى أن قرية بير هدّاج هي قرية بدوية تعترف السلطات الإسرائيلية بها، ويقطنها أكثر من 5 آلاف نسمة، ومع ذلك لا توجد فيها أي وسائل مواصلات عامّة داخل حدودها.
وتابع: "وكحال العديد من القرى الأخرى في النقب، تواجه القرية قيودًا تخطيطية صارمة، حيث يعيش جزء كبير من السكان في منازل تقع خارج ما تُسميه الدولة "الخط الأزرق" (مخطط القرية الرسمي). هؤلاء السكان يُستثنون من الخدمات الأساسية مثل تعبيد الطرق، الكهرباء، المياه، وجمع النفايات – وهي ظروف تستخدمها الدولة لتبرير المزيد من التمييز، مثل حرمان الطلاب من خدمات النقل إلى المدارس".
وأضاف المركز أنه مع بداية العام الدراسيّ 2024-2025 أوقفت وزارة التعليم خدمات النقل لنحو 50 طالبًا وطالبةً من أبناء القرية تتراوح أعمارهم بين ثلاث سنوات والثامنة عشر، رغم أنّ العديد منهم يسكنون على بُعد يزيد عن كيلومترين من موقع المدرسة – وهو الحد الأدنى الذي أقرّته تعليمات الوزارة في السابق للحصول على استحقاق خدمات النقل من وإلى المدارس - ويواجهون صعوبة شديدة في الوصول من والى مدارسهم كل يوم
كما كشفت وزارة التعليم خلال جلسات المحكمة أن هناك 2,500 طفل إضافي في قرى بدوية أخرى يعيشون على بُعد أقل من كيلومترين من مدارسهم، ولا يتلقّون أي خدمات نقل، رغم أنهم يعيشون في ظروف مماثلة لتلك الموجودة في قرية بير هدّاج.
وأشار المركز الى أنه لمدة تزيد عن عقدين، وفّرت الدولة خدمات النقل المدرسي لأطفال قرية بير هدّاج، بما في ذلك لأولئك الذين يسكنون خارج المخطط الرسمي (الخط الأزرق). أما التوقيف المفاجئ لخدمات النقل مع بداية السنة الدراسية الحالية فقد تمّ دون إنذار مسبق أو تقديم أي تبرير رسمي من قبل الوزارة.
وردًا على قرار إيقاف الخدمات، توجّهت المحاميّة سلام إرشيد بالنيابة عن مركز عدالة للسلطات المسؤولة، منها المحليّة والوزاريّة مطالبةً باستئناف خدمات النقل المدرسيّ لطلبة قرية بير هدّاج بشكل فوريّ.
ومع عدم تلقّي توجهاتها لأي إجابات التمست إداريًّا للمحكمة موضحةً بأن هذا القرار يتجاهل بشكلٍ صارخ معايير أساسيّة تتعلق بواقع الحياة في القرية، بالمقابل ادّعت الوزارة بأن الطلبة لا يستوفون شرط تلقي الخدمات وهو مسكن يبعد 2 كيلومتر عن المدارس. فيما أشارت عدالة إلى أن الوزارة تتجاهل عوامل جوهريّة، منها: غياب الطرق المعبّدة، وانعدام الأرصفة والإشارات، وجود كلاب ضالة، وطبيعة الأرض الوعرة والخطرة، وتغيّرات الأحوال الجوية، وهي عوامل تجعل المشي إلى المدرسة خطيرًا ومستحيلًا لبعض الأطفال.
وأوضح بيان "عدالة" أنه خلال هذه المُدة، عقدت المحكمة جلستين في تاريخ 9 كانون الثاني، و7 نيسان من عام 2025، قدّم فيها مركز عدالة ضمن المرافعة اثباتاتٍ تُظهر بأن العديد من الطلاب يقيمون في مسافات تصل وحتى تزيد عن كيلومترين بخلاف ما تدّعيه الوزارة، وعرضت مخاطر مسارات الذهاب والعودة للمدرسة.
في قرارها الصادر يوم 21 أيّار 2025 أكّدت المحكمة أن الغاء خدمات النقل المدرسيّ المفاجئ لأهالي وطلبة بير هدّاج كان دون قرارٍ اداريّ مُبرّر، وغير مُكترث بظروف الأطفال، ممّا يُشكّل انتهاكًا فادحًا بحقهم في الوصول المُنتظم إلى المدارس وتلقي التعليم الإلزاميّ، وبالتالي انتهاكًا لحقهم الدستوريّ في التعليم، خاصّةً في ظل غياب وسائل بديلة أو طرق آمنة للوصول إلى المدارس.
كما شدّدت المحكمة أيضًا على أن الوزارة لم تصدر أي قرار رسميّ مدروس عند إلغاء خدمات المواصلات المدرسية، مُعتبرةً الأمر خرقًا واضحًا لواجباتها القانونيّة والإداريّة. وأكّدت أيضًا على أقوال إرشيد بأن "المسافة" وحدها ليست معيارًا كافيًا لتحديد استحقاق الطلاب لخدمات النقل من عدمه، وبأنه في حالات مثل قرية بير هدّاج، حيث البنية التحتية معدومة والمشي غير آمن، الدولة مضطرة الأخذ بعين الاعتبار ظروف الطريق والسلامة، حتى لو لم تكن المسافة أقل من كيلومترين.
أخيرًا، أمرت المحكمة وزارة التعليم بإعادة تشغيل خدمات النقل اعتبارًا من العام الدراسيّ القادم (2025–2026)، وتوفير المواصلات للطلاب، إضافةً إلى دفع مبلغ 20,000 شيكل كتغطية للنفقات القانونيّة.
وصرّحت المحامية سلام إرشيد من مركز عدالة:
"الغاء وزارة التربية والتعليم خدمات النقل المدرسي يعكس سياسة أوسع من التمييز الممنهج تجاه القرى البدوية؛ فالأطفال يُعاقبون فقط لأنهم يعيشون في مناطق ترفض الدولة الاعتراف بها أو تزويدها بالخدمات الأساسية. هذه القضية أجبرت الدولة على التراجع عن إجراء ضار يُمثّل جزءًا من نمط أوسع من السياسات القائمة على التهميش، الحرمان، والتهجير القسري. تكمن أهمية القرار في كونه ترسيخ لمبدأ أساسي مفاده أن الدولة لا تستطيع تطبيق معايير تقنية – كمعيار المسافة – من دون النظر إلى الواقع الفعلي على الأرض. الحكم يُؤكد حصولنا على ضمان بالتزام الدولة بالحفاظ الحق في التعليم، لا سيّما في الأماكن التي ساهمت سياساتها نفسها في خلق بيئة من الخطر والإقصاء."






