شهدت الضفة الغربية في موسم قطف الزيتون هذا الشهر، عشرات الاعتداءات من قبل مستوطنين على فلسطينيين، خاصة في قرى شمال ووسط الضفة، تخللتها اعتداءات جسدية، رشق حجارة، وتخريب للممتلكات، بينما كان يقف جنود الجيش الإسرائيلي في كثير من الحالات متفرجين دون تدخل. هذه المعلومات المعروفة أوردها موقع "واينت" في تقرير واسع يمكن اعتباره نادرًا في الاعلام العبري المركزي حول هذا الإرهاب الاستيطاني.
وفقًا للموقع، هناك تقارير وشهادات متعددة — من متطوعين إسرائيليين، جنود سابقين، ومنظمات حقوقية — تكشف أن بعض عناصر "قوات الدفاع الإقليمي" يشاركون أحيانًا في الاعتداءات، موجهين أسلحتهم نحو الفلسطينيين أو يقيمون حواجز بشكل غير قانوني. وهي وحدات احتياط محلية تابعة رسميًا للجيش الإسرائيلي وتعمل ضمن إطار "قيادات المناطق" في الضفة الغربية، وخاصة في محيط المستوطنات. وتتكوّن عادة من مستوطنين مسلحين يعيشون في المنطقة نفسها، ويُمنحون السلاح والتدريب والإشراف العسكري، لكنهم عمليًا يخدمون في محيط بلداتهم ومزارعهم.
أحد الجنود السابقين وصف في حديث للموقع العبري كيف تتحول وحدات الحراسة المحلية إلى "ميليشيا مسلحة خارجة عن السيطرة"، تمارس العنف والتخويف في قرى جنوب جبل الخليل، وتتصرف وكأنها سلطة مستقلة. كما أشار إلى أن الأوامر العسكرية التي تلزم الجنود بمنع الاعتداءات على الفلسطينيين لا تُطبّق فعليًا، وأن الثقافة السائدة داخل الجيش تعتبر أن سلطته تنحصر في مواجهة الفلسطينيين، لا المستوطنين.
حادثة موثقة في قرية سلفيت توضّح النمط: مجموعة من "زعران التلال" هاجمت مزارعين ومتطوعين إسرائيليين من منظمة "كول رباني" لحقوق الإنسان، بعنف لفظي وجسدي، وبدعم غير مباشر من جنود وصلوا لاحقًا ولم يتدخلوا. المتطوعون أفادوا بأن الجنود اتهموهم هم بإثارة المستوطنين بدلًا من حمايتهم.
منظمة "يش دين" وثّقت منذ مطلع موسم الزيتون 54 حادثة عنف من مستوطنين ضد فلسطينيين ومتطوعين إسرائيليين أو أجانب في أراضٍ صادق الجيش على السماح بقطفها. منظمات حقوقية مثل "كسر الصمت" تقول إن الجيش انتقل من مرحلة مرافقة المستوطنين في أعمال العنف إلى مرحلة بات فيها بعض المستوطنين أنفسهم جزءًا من الجيش، يحملون السلاح والزي الرسمي، ويعملون بمباركة قياداتهم.
مثلا، في قرية دير دبوان، أحرق مستوطنون ملثمون ثلاث سيارات وكتبوا شعارات "انتقام". د. منصور منصور، أحد المتضررين، قال إن الجيش والشرطة لا يأتون إلا بعد ضغط من السفارة الأمريكية، نظرًا لأن غالبية سكان القرية يحملون الجنسية الأمريكية. بعدها سُجلت حوادث مشابهة في قرية عطارة قرب رام الله، تحمل الشعارات ذاتها.
على قنوات "تليغرام" و"واتساب" تُنشر تحديثات ميدانية من مجموعات استيطانية تتباهى بالاعتداءات موثقةً بالصور، وتحصي ما تعتبره "إنجازات": 33 سيارة و12 بيتًا أُحرقت، 25 جريحًا فلسطينيًا، آلاف أشجار الزيتون المقتلعة، ومئات النوافذ المحطمة.
الجيش الإسرائيلي أصدر بيانًا رسميًا زعم فيه أنه "يتعامل بصرامة مع العنف من أي نوع" وأنه "يعمل لضمان موسم قطف آمن"، مشيرًا إلى أن 40% من مناطق القطف التي تتطلب تنسيقًا أمنيًا نُفذ فيها القطف فعليًا تحت الحماية. لكنه في الميدان، وفق شهادات الجنود والمتطوعين، لا يتدخل فعليًا.
جنود احتياط سابقون خدموا في تلك الوحدات رووا لـ"كسر الصمت" أن كثيرين من عناصر تلك الوحدات هم في الأصل من زعران التلال الذين جُنّدوا في الجيش ثم أعيدوا إلى الخدمة في مناطقهم الأصلية، ما جعلهم، كما وصف أحدهم، "قضاة وجلادين في آن واحد". أحد الضباط السابقين قال: "كنا نوزع السلاح والمفاتيح وكأننا نحرس مستوطنة، لكن عمليًا سلّمنا السيطرة لمستوطنين متطرفين يرون كل فلسطيني هدفًا مشروعًا".
وفقًا لمصادر الموقع، مستوطنة يتسهار المعروفة بكونها مركزًا للتيار الكهاني المتطرف، تشمل غرفة عمليات صغيرة، حيث يراقب متطوعو وحدة المستوطنين المسماة وحدة حماية الكاميرات المحيطة بالقرى الفلسطينية المجاورة. إحدى الشاشات تُظهر تحركات المزارعين يوميًا، وتُنقل التقارير مباشرة عبر تطبيق مشفّر إلى مجموعات " على تليغرام تقود لاحقًا عمليات "ردّ سريع" ضد الفلسطينيين.
الشرطة والجيش تبادلا الاتهامات حول الصلاحيات القانونية في مناطق A وB وC، بينما اعترفت مصادر أمنية بأن عام 2025 يسجّل ارتفاعًا غير مسبوق في "الجرائم القومية" (أي الإرهاب) للمستوطنين: 692 حادثة منذ بداية السنة (معدل 70 شهريًا)، بزيادة 25% عن عام 2024. مصدر أمني قال للموقع بوضوح إن: "من يتجاهل إقامة نحو 100 مزرعة جديدة (بؤر استيطانية عشوائية - المحرر) منذ 7 أكتوبر 2023 لا يمكنه أن يتفاجأ من تصاعد الاحتكاكات، الوضع خرج عن السيطرة".
وتحذر منظمات إسرائيلية من "واقع خطير": دولة تسلح المستوطنين وتغضّ الطرف عن تجاوزاتهم، ما يؤدي إلى نظام مزدوج القوانين، يُحرم فيه الفلسطينيون من الحماية، ويتحوّل المستوطنون المسلحون إلى قوة ميدانية شبه رسمية تفرض إرادتها، بينما يتراجع دور الجيش والشرطة إلى حدّ الغياب الفعلي.





