news-details
حدث وموقف

العراق.. الى متى يبقى القاتل مجهولاً؟

في مقابل قمع السلطة واستمرار القتل العمد والاعتقالات والاختطافات، تواصل الجماهير المنتفضة إصرارها على المضي قدماً حتى تحقيق مطالبها كافة.

وفي اثناء ذلك يزداد القلق داخلياً وحتى خارجياً بشأن التعامل الفظ والقسوة وانفتاح شهية القتل ضد المنتفضين السلميين، وهو ما يزيد من حالة الانسداد والاحتقان ويدفع الوضع المأزوم الى حافات خطرة.

ويوماً بعد آخر تسعى السلطة الى التنصل من مسؤولية القتل المتصاعد، عبر اطلاق تصريحات ومواقف، منها القول انها منعت استخدام الرصاص الحي وأنواع معينة من الغازات المسيلة للدموع، والحديث عن أن القوات الأمنية تستخدم الحد الأدنى من القوة المسموح بها دولياً قياساً الى ممارسات دول أخرى، كما جاء في حديث لرئيس الوزراء.

يساق كل هذا فيما ارقام الشهداء والضحايا المتزايدة يوماً بعد آخر، تردّ على كل هذه المزاعم التي لا يسندها شيء مما يحصل فعلا على الأرض، وما يقع من قمع وعنف وسعي لفض الاعتصامات والتظاهرات.

وجراء الفشل السلطوي في فض التظاهرات رغم "حمامات الدم"، جرى ويجري الترويج لمفهوم "القاتل المجهول". وبالفعل ظل القناص "مجهولاً" مثلما هو حال حارق الخيم في كربلاء، ومطلق الرصاص الحي على المتظاهرين في البصرة. واليوم يعود قائد شرطة ذي قار الى القول ان وراء الجرائم التي حصلت مساء اول امس وامس في الناصرية ملثمون مجهولون!

لم تعد هذه الأمور تنفع في التغطية على حقيقة الفاعل، فما يحصل تقع مسؤوليته اولاً واخيراً على عاتق الحكومة والقيادة العامة للقوات المسلحة. وسواء كان القاتل مجهولاً ام معلوماً، او كانت الايدي داخلية ام خارجية، فان ذلك لا يغير شيئاً من حقيقة حصول القتل العمد، والتفنن في اختيار طرقه ووسائله.

ان الرهان على العنف كوسيلة لفض التظاهرات رهان خاسر، وتتضاعف يوما بعد يوم تداعياته وما يترتب عليه ويؤدي الى المزيد من التعقيد.

ويتوجب الآن ادراك انه طريق مسدود وخطر، وان لا بد من البدء بالخطوة الأولى الواجبة، المتمثلة في استقالة او اقالة الحكومة، وتلبية مطالب المنتفضين المعلنة الأخرى وفقاً لسقوف زمنية محددة.

***

عاد مجلس النواب الاربعاء الماضي فوجه رسالة صادمة جديدة الى الجماهير المنتفضة والى الشعب العراقي عامة ، تعكس إمعانه في خذلانهم وتخلّيه عن المهمة الاساسية التي يفترض انه مكلف بها ، وهي تجسيد واعلاء ارادة الشعب ، باعتباره مصدر السلطات.

فبدلا عن الاستجابة لطلب اثنتين من اهم الكتل البرلمانية، استدعاء رئيس الوزراء الى المجلس لاستجوابه في خصوص الطريقة القمعية الدموية وغير الدستورية، التي انتهجتها الحكومة في التعامل مع المتظاهرين السلميين منذ اليوم الاول من تشرين الاول الماضي، عمدت رئاسة المجلس الى استضافة المندوبة الاممية في العراق.

واذا كان احد لا يعترض على استقبال البرلمان لهذه الشخصية الدولية، والاستماع الى آرائها في شأن الانتفاضة الشعبية المستمرة وسلوك السلطات الحكومية في مواجهتها ، فان من المنطقي والواجب ان تستدعي رئاسة المجلس رئيس الحكومة قبلها. وذلك ليس فقط لان ملايين العراقيين ظلوا يخرجون دون انقطاع في الاسابيع الماضية الى الشوارع وساحات الاحتجاج، وتوّجوا نضالهم الاحتجاجي هذا يوم بالذات، مطالبين بكشف ومعاقبة القتلة المسؤولين عن اهدار ارواح ودماء المئات من شهداء التظاهرات والآلاف من المصابين، ومشددين خصوصا على اقالة المسؤول الاول عن ذلك كله، وهو بموجب الدستور رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة. فبالاضافة الى ذلك يعرف الجميع ان طلب استجواب رئيس الوزراء في البرلمان، المقدم من طرف كتلتي سائرون والنصر، مطروح منذ اسابيع على طاولة رئاسة مجلس النواب.

ولا ننسى ايضا ان الرئاسة كانت قد دعت رئيس الوزراء قبل اكثر من اسبوعين، الى المثول امام المجلس في جلسة خاصة. وقد التأمت الجلسة وقتها بالفعل، غير ان السيد رئيس الوزراء لم يتجشم عناء حضورها، متجاهلا الدعوة الموجهة اليه، ومهملا مجلس النواب برئاسته واعضائه اجمعين!

وقد تحلت الرئاسة حينذاك بالصبر، وردت على التعامل المستهين والمهين من جانب رئيس الوزراء بسعة صدر تُحسد عليها، حيث اعلنت ان جلسة البرلمان ستبقى مفتوحة الى حين مجيء السيد رئيس الوزراء لحضورها!

وها قد مرت كل هذه الايام الطويلة ولم يأت السيد الرئيس، ولا سمع احد ان في نيته المجيء في يوم قادم!

وكان غريبا بعد هذا كله ان تحرص رئاسة مجلس النواب على عدم "ازعاج" رئاسة الوزراء، لا بتذكيرها بالدعوة القديمة التي اهملتها والتي تجاوز عمرها اسبوعين، ولا بتنفيذ واجب استدعائها للاستجواب، بناء على الطلب آنف الذكر المقدم من جانب الكتلتين البرلمانيتين الكبيرتين.

ثم .. ليت كل شيء انتهى عند هذا الحد. ففي خطوة تعكس بجلاء رضوخ الرئاسة ومن ورائها مجلس النواب للحدود التي رسمتها لها الحكومة ورئيسها، قرر المجلس في جلسته يوم امس القبول باستضافة اثنين من وزراء الوزارات الخدمية ، خلال الايام العشرة الاخيرة من الشهر الحالي!

هكذا وبعد اكثر من اربعين يوما على اندلاع الانتفاضة وعلى إطلاق البطش الوحشي بالجماهير المنتفضة، يبقى مجلس النواب عاجزا عن استجواب وحتى عن استضافة رئيس الوزراء، بل وعاجزا عن استجواب القادة الامنيين الذين كان يفترض ان يدعوهم للمثول امامه، لمساءلتهم في شأن الاحداث الخطيرة التي هزت البلاد وما زالت حتى اليوم تهزها وتغرق اجواءها برائحة الدم.

فهل معقول موقف القبول هذا من جانب اعضاء مجلس النواب بما تفرضه السلطة التنفيذية عليهم وتمليه، والاكتفاء في مواجهتها بالمناشدات؟ واين اختفى البعض "الشجاع" منهم، الذي كان يرفض الاتهامات الكثيرة الموجهة الى المجلس، بدعوى انه "صوت الشعب" الذي لا تجوز المزاودة عليه؟

ينقل اليوم عن بعض هؤلاء الاعضاء تأكيدهم في مجالسهم الخاصة، انهم مقبلون على تحرك في هذا الاتجاه، وان التحرك سيبدأ بهم وينتهي بانضمام آخرين غير قليلين اليهم.

فهل سيسجل المشهد البرلماني حقا مثل هذا التحرك؟

وهل سينطلق عاجلا .. قبل ان يعبر قطار الانتفاضة ويفوت الاوان؟

(جريدة الحزب الشيوعي العراقي)

 

كلام الصورة: احتجاجات الشعب العراقي ومطالبه العادلة متواصلة (رويترز)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب

المزيد..