news-details

الخازوق الإسرائيلي ما زال في بدايته: الحريديم | برهوم جرايسي

تضج وسائل الإعلام الإسرائيلية، ومعها الحلبة الإسرائيلية ككل، بحالة تمرد جمهور المتدينين المتزمتين "الحريديم" على الأنظمة وتعليمات الوقاية، بأوامر مباشر من كبار الحاخامات. وهؤلاء الأخيرون منهم من يستخدم أذرعه في حكومة نتنياهو- غانتس، بكتلتي "يهدوت هتوراة" أساسا، وأيضا "شاس"، لغض النظر عن استمرار "الحياة العامة" لدى الحريديم، الذين باتوا يشكلون أكثر من 50% من المصابين بالكورونا، وفق تقديرات ليست رسمية. كل التقارير تبث حالة من الأزمة السياسية والمجتمعية مع جمهور الحريديم، الذي يتنامى بوتيرة قد تكون الأعلى عالميا، بقرابة 4% سنويا، بفعل معدل الولادات الأعلى.   

ففي موجة انتشار فيروس الكورونا الأولى، التي شهدتها البلاد ابتداء من منتصف آذار الماضي، اعترف قادة الحريديم، ومنهم وزير الداخلية آرييه درعي، بأن نسبة الحريديم من اجمالي المصابين بلغت 70%، رغم أن نسبتهم من اجمالي السكان تجاوزت بقليل نسبة 13,5% فقط. يومها كانت نسبة العرب من اجمالي المصابين حوالي 5% إلى 6%. ولكن نسبة المصابين الحريديم يومها لم تشمل نسبة الإصابات التي تسبب بها حريديم لدى شرائح أخرى.

وفي الموجة الثانية، فإن ما قلص نسبة الحريديم، كان الارتفاع الحاد في نسبة المصابين العرب، التي تجاوزت في شهر أيلول 24% من اجمالي المصابين، رغم أن نسبتهم من بين السكان 18%. إلا أنه مع فرض الإغلاق مجددًا وتراجع ظاهرة الأعراس الجماهيرية، شهدنا تراجعا حادا جدا في نسبة المصابين العرب حاليا، حوالي 9%، أي نصف نسبتهم من اجمالي السكان، وهذا ما أبرز من جديد نسبة المصابين الحريديم، من اجمالي المصابين حاليا.

لا مجال للمقارنة بين حالة الجماهير العربية، رغم الانفلات الذي شهدته، وتم لجمه بسرعة نسبيا، وبين حالة التمرد لدى الحريديم، فهناك يتم التمرد بقرارات من كبار الحاخامات، زاعمين أن "الرب حاميهم"، تماما مثل الأديان الأخرى، ولكن في حين تراجعت هذه الظاهرة في المجتمعات الأخرى في شعوب العالم، فإنها ما تزال قائمة لدى الحريديم، وخاصة عند أكثرهم تشددا، الحريديم الأشكناز.

لقد ظهرت السلطات الإسرائيلية وأجهزة تطبيق النظام عاجزة في معظم الأحيان، عن فرض أنظمة الوقاية في فترة الأعياد اليهودية التي استمرت 3 أسابيع، بين الشهرين الماضي والجاري. وأحد التقارير قال إن نسبة المصابين من بين الذين خضعوا لفحوصات وصلت الى نسبة 80%، وهي نسبة لا يمكن أن يتصورها العقل.

يحاول الحريديم الظهور بمظهر "المظلومين" وأنهم ملاحقون، ومميز ضدهم. والغريب أن هذه المزاعم المثيرة للسخرية، تجد من يساندها لدى جهات علمانية، وحتى جماعات مدافعة عن حقوق الانسان، تحت يافطة "عدم تذنيب جمهور بأكمله". ولكن هذه هي الحقيقة القائمة. وآخر جمهور ممكن أن يكون مظلوما لدى المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، هم جمهور الحريديم، الذين أثبتوا خاصة في العقدين الأخيرين، أن لا حكومة ثابتة من دونهم. 

يضاف إلى هذا، أنهم لم يعودوا الكفة المرجحة لهذا الجناح أو ذاك، بل باتوا في صلب اليمين الاستيطاني المتطرف، وهم يشكلون حوالي 40% من اجمالي المستوطنين في الضفة، من دون القدس المحتلة، ونواب الكتلتين في الكنيست، يشاركون في أشرس قوانين الاضطهاد والاحتلال والاستيطان.

تحاول المؤسسة الإسرائيلية الرسمية دائما، التلاعب بنسبة الحريديم، وجعلها أقل من الواقع. ولكن نسبتهم ممكن أن نكشفها من خلال قوتهم البرلمانية. ففي الانتخابات الأخيرة حققوا 17,8 مقعدا، وأقل من 3 مقاعد جاءت من جمهور من خارج الحريديم، خاصة شاس. ولكن نسبة التصويت لديهم أعلى بنحو 28% من نسبة التصويت لدى باقي الجمهور. ما يعني في حسابات أخرى، أنهم يشكلون 10% من ذوي حق التصويت.

ولكن في حين أن نسبة من هم دون سن 18% لدى الجمهور العام 32%، فإنهم بين الحريديم 49% على الأقل، بفعل نسبة التكاثر بالولادات ما بين 3,8% وحتى 4%. ومعدل الولادة للأم من الحريديم باتت تتجاوز 7 ولادات، ولدى نساء الحريديم الأشكناز المعدل الأعلى، ولكنه أقل لدى الحريديم السفراديم الشرقيين.

على أساس هذا، فإن نسبة الحريديم من بين المواطنين في إسرائيل، تجاوزت 13,5%، وبين اليهود وحدهم، باتت قرابة 16%، وهذه نسب في تزايد مستمر. يشار هنا إلى أن كل هذه النسب المئوية لإجمالي السكان، لا تشمل القدس والجولان المحتلين.

وجمهور الحريديم، هو الأقل انخراطا في سوق العمل، بدوافع دينية متخلفة، حوالي 50% من الرجال في جيل العمل 25- 64 عاما، منخرطون في سوق العمل، مقابل نسبة 82% في الجمهور العام، من دون الحريديم. بينما لدى نساء الحريديم فإن نسبة انخراطهن في سوق العمل أكثر من الرجال، تتجاوز نسبة 63%، رغم عبء كثرة الأولاد عليهن. وهذا أيضا بسبب مفاهيم دينية مختلفة تجاه النساء، لا مجال الآن لعرضها.

كذلك فإن جمهور الحريديم يفرض على نفسه حياة تقشفية إرادية، ونسبة عالية جدا من الفقر الغارق فيه هذا الجمهور، هو فقر إرادي، بسبب الامتناع عن الانخراط في سوق العمل، وقبله، الانخراط في جهاز التعليم العصري، والانخراط في الحياة العامة.

بمعنى أنه من ناحية إسرائيل، فإن جمهور الحريديم هو عبء على الاقتصاد الإسرائيلي، لأنه ليس منتجا، وليس مستهلكا بمفاهيم الاستهلاك العصري، ويحصل على مخصصات اجتماعية فوق العادة، كي يبقى الرجال في معاهدهم الدينية، يدرسون التوراة. 

يضاف إلى كل هذا، أن السلطات الإسرائيلية تغض الطرف عن الاقتصاد الأسود، الذي يدار في مجتمع الحريديم بعيدا عن السجلات الرسمية، ويقدّر بالمليارات، منها ما يصل من الخارج، وهذا يشمل دفع رواتب ومخصصات للعائلات. ولكن هذه الأموال لا تدخل في حسابات تقارير الفقر، لأنها محجوبة عن السجلات الرسمية. 

لا يختلف اثنان في إسرائيل، من خارج الحريديم، حول أن جمهور الحريديم المتنامي بسرعة، هو الأزمة الأشد للمجتمع الإسرائيلي، وأيضا للمؤسسة الإسرائيلية، وبالذات الاقتصاد الإسرائيلي. وتحاول إسرائيل منذ ثلاثة عقود اقتحام جمهور الحريديم وتفتيته من الداخل، بعدة مشاريع، وأبرزها محاولة فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الحريديم بالكامل، اعتقادا من المؤسسة، بأن دخول الحريديم للجيش يقرّب شبانهم للعالم المفتوح، ويفسح المجال لتركهم مجتمعهم لاحقا.

وهذا اعتقاد صحيح، ويدركه كبار الحاخامات ولهذا يقاومون قانون التجنيد. وهم ينجحون طالما هم بيضة القبان لحكومات اليمين الاستيطان، وهم باتوا السند الأشد متانة لحكومات اليمين الاستيطاني.

إسرائيل تقرأ مستقبلها المجتمعي من خلال تزايد الحريديم. وفي السنوات الأخيرة بات يضاف لهم التشدد الديني في التيار الديني الصهيوني، إضافة الى تطرفه السياسي أصلا. وهذا مشهد يرعب الجمهور العلماني، الذي ما يزال صامتا نوعا ما، أو أن الصرخة الصادرة عنه ليست بالمستوى الكافي، ولكن مسألة الصدام بين الجمهورين هي مسألة سنوات، لا أكثر.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب