كتب المحلل العسكري لصحيفة هآرتس، عاموس هرئيل، في تحليل نشر اليوم الجمعة، أنه مع اقتراب انتهاء المرحلة الأولى من صفقة التبادل مع حماس، فإن نتنياهو وحكومته يسعيان إلى عرقلة المرحلة الثانية من الصفقة، واستئناف الحرب دون قيود مستندين إلى دعم إدارة ترامب، لكن يقول في المقابل إن مواقف ترامب المتقلبة قد تشكل ضغطًا على نتنياهو لاستكمال الصفقة، كما أن خطة تهجير غزة التي أعلنها الرئيس الأمريكي ويلوح بها نتنياهو قد تصدم بالخطة العربية التي تتم بلورتها بشأن غزة والتي قد تلقى قبولاَ لدى الادارة الأمريكية.
وكتب هرئيل: "مع اقتراب المرحلة الأولى من صفقة تبادل الأسرى والجثث من نهايتها، يبدو أن بنيامين نتنياهو وشركائه اليمينيين المتطرفين يمهدون الطريق لاستئناف الحرب في غزة. وفقًا لوعودهم المعلنة، فإن الجولة القادمة من القتال ستكون بلا قيود، وسط تجاهل للمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، خاصة مع دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإسرائيل في التصرف كما تريد. الأحداث الأمنية الأخيرة، مثل سلسلة التفجيرات في الحافلات الفارغة في بات يام، التي أعادت للأذهان أيام الانتفاضة الثانية، ستزيد التوترات. وفي ظل ذلك، عزز الجيش الإسرائيلي قواته في الضفة الغربية بثلاث كتائب إضافية، فيما يواجه نتنياهو ضغوطًا متزايدة لتوسيع العمليات العسكرية في شمال الضفة".
وتابع: "لكن يبقى موقف ترامب غير واضح ومتقلب بين التصريحات والتغريدات، لكن مبعوثه للمنطقة، ستيف ويتكوف، ينقل صورة مختلفة، حيث يعكس رغبة أمريكية في الانتقال إلى المرحلة الثانية من الصفقة وإتمام الإفراج عن جميع المختطفين. على عكس تعامل الإدارة السابقة بقيادة جو بايدن، يبدو أن البيت الأبيض الحالي قادر على فرض رؤيته على الأطراف المتصارعة. ورغم أن نتنياهو يتصرف وكأنه يحظى بدعم غير مشروط من ترامب، فإن تعامل ترامب المتغير مع الأزمة الأوكرانية وتخليه عن أوكرانيا بهذه الطريقة قد يثير شكوكًا حول مدى موثوقية هذا الدعم الذي يثق به نتنياهو".
وقال: "إتمام المرحلة الأولى من الصفقة، المتوقع غدًا، جاء نتيجة تراجع حماس عن بعض شروطها بضغط الوسطاء. كما أن الحركة أعربت عن استعدادها لتسريع تنفيذ المرحلة الثانية عبر إطلاق جميع الأسرى دفعة واحدة. وفي المقابل، سمحت إسرائيل بإدخال معدات هندسية وكرفانات وخيام إلى غزة، وقد يكون ذلك جزءًا من ضمانات قدمت لحماس لاستكمال المرحلة التالية. غير أن التنفيذ الكامل للمرحلة الثانية لا يزال مرهونًا بمطالب الحركة، وأبرزها الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع والشروع في إعادة الإعمار، مع سعي حماس للحفاظ على نفوذها السياسي هناك".
وأضاف: "من ناحية أخرى، يواجه نتنياهو تحديات كبيرة، إذ تتضمن الصفقة إطلاق سراح عدد كبير من الأسرى الأمنيين، بعضهم مدانون محكومة عليهم بالسجن مدى الحياة، إضافة إلى إخلاء محور فيلادلفيا والالتزام عمليًا بإنهاء الحرب. في هذا السيناريو، قد يسعى نتنياهو إلى طمأنة قاعدته السياسية بأن الاتفاق مؤقت، وأن إسرائيل ستستأنف القتال لاحقًا بمجرد أن ترتكب حماس "خطأً جديدًا"، مع تأكيده أن إعادة إعمار غزة لن تبدأ إلا بعد نزع سلاحها. بالتوازي، قد يحاول تهدئة معسكره اليميني من خلال تسريع تشريعات الانقلاب القضائي وربما اتخاذ خطوات لضم أجزاء من الضفة الغربية".
وكتب: "ترامب يواصل التذكير بخطته للهجرة "الطوعية" لسكان غزة، لكن مدى جدية الإدارة الأمريكية في تنفيذها لا يزال غير واضح. في المقابل، يحرص نتنياهو على التلويح بهذه الخطة كدليل على أن تحقيق تطلعات اليمين الإسرائيلي في غزة بات قريبًا، خاصة بعد أن أزالت الحرب أي تمييز بين اليمين المتطرف واليمين التقليدي. حتى الآن، لم تؤدِّ مبادرة ترامب إلا إلى أمر واحد: إجبار الدول العربية على التعامل بجدية مع الأزمة في القطاع واقتراح حلولها الخاصة. وللمرة الأولى، يبدو أن هناك مبادرة مصرية بديلة قيد التبلور، بدعم من دول الخليج. وتتضمن الخطة العربية تقليص دور حركة حماس في إدارة قطاع غزة، وإدخال السلطة الفلسطينية تحت غطاء "حكومة خبراء"، إلى جانب دعم دولي واسع في مجال فرض النظام والقانون، في وقت يُتوقع فيه أن تبدأ جهود إعادة الإعمار، التي قد تستمر لعقد من الزمن وتصل تكلفتها إلى مئات المليارات من الدولارات. ومن المتوقع أن تُعرض هذه الخطة خلال قمة جامعة الدول العربية، المقرر انعقادها في القاهرة مطلع الشهر المقبل".
وأضاف: "كل ذلك بعيد تمامًا عن مطالب نتنياهو، التي تتمثل في القضاء التام على حركة حماس ومنع أي دور للسلطة الفلسطينية، لكنه قد يكون أكثر انسجامًا مع الرؤية الأمريكية. على أي حال، لا ينبغي الانبهار بالمراسم التي تقيمها حماس حول إطلاق سراح الأسرى وإعادة الجثامين، فمكانة الحركة تراجعت بشكل واضح. في الوقت الراهن، يبدو أن غياب أي بديل حقيقي—وهو الأمر الذي تعزز بفعل الإصرار الإسرائيلي—هو ما يسمح لها بالبقاء في الحكم".
وكتب: "يُظهر نتنياهو للخارج أن العقبات التنفيذية لا تهم كثيرًا. من وجهة نظره، تغييرات تاريخية على الأبواب: تهجير قسري للفلسطينيين، إفراغ غزة من سكانها، اتفاقيات غير مسبوقة مع السعودية، والقضاء على المشروع النووي الإيراني. أما قضية الرهائن، فهي مجرد تفصيل صغير مقارنة بهذه الرؤى الكبرى. لذلك، ليس من المستغرب أنه لا يكلف نفسه عناء معرفة أسمائهم أو قصصهم الشخصية، أو حتى إظهار أي تعاطف حقيقي مع مشاعر عائلاتهم. ورغم ذلك، تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن الرأي العام الإسرائيلي لا يزال يعارض توجهات الحكومة في ثلاث قضايا رئيسية: دعم إتمام صفقة التبادل رغم الثمن الباهظ، المطالبة بإجراء انتخابات مبكرة، والدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية حول الحرب. وهذا يعني أن نتنياهو قد يواجه معركة سياسية داخلية ضد إرادة الشعب. وإذا حاول عرقلة تنفيذ المرحلة الثانية عمدًا، فقد يجد نفسه أخيرًا في مواجهة الغضب الشعبي المتراكم منذ السابع من أكتوبر".




