news-details

خطتان "فجائيّتان" للطاقة البديلة.. فلماذا وصفتهما جهات ناشطة بـ"مهزلة مُحرجة"؟|  هشام نفاع

استغرب كثيرون من الإعلان المفاجئ لوزارة حماية البيئة عن إشهار اقتراح قانون المناخ، أواسط نيسان 2021 الماضي، خصوصاً أن منظمات وجهات مدنية وأكاديمية وبحثية تنشط وتكتب وتنشر من سنين عن الكوارث البيئية المحتملة، الناجمة عن استمرار دولة إسرائيل الرسمية اعتماد سياسات وتطبيق ممارسات ملوّثة للبيئة فيما يتعلق بأنواع الطاقة المستخدمة، وبالذات عدم تطوير بدائل للطاقة الملوّثة مؤلفة من الطاقة النظيفة أو الخضراء. ومما يتراكم ويظهر حتى الآن، فالإعلان جاء لضرورات "تكتيكية جارية" أكثر منه تعبيراً عن انقلاب مفهومي وسياسي في أروقة الحكم.

تكتب الوزارة على موقعها أن "دولة إسرائيل تنضم إلى عدد من الدول المتقدمة في العالم، حيث تنشر وزيرة حماية البيئة غيلا غمليئيل (الليكود) لأول مرة قانونا مناخيا شاملا يتضمن تحديد الأهداف الوطنية، وتشكيل لجنة خبراء مستقلة لمرافقة معالجة الحكومة للقضية وإنشاء آليات للإبلاغ والمراقبة". وفي تصريح منسوب للوزيرة: "أزمة المناخ والضرر الناجم عنها هي حقيقة لا جدال فيها اليوم بين الخبراء والعلماء. والتغير المناخي الكبير في العقود الأخيرة هو نتيجة ناجمة عن النشاط البشري، وخصوصا حرق الوقود الكربوني". وهي تصف المشروع بأنه "قانون مناخ إسرائيلي يرسخ الأهداف الوطنية للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ويتعامل مع التكيف المطلوب لتغير المناخ، والآثار الناتجة عنه وأضراره. اليوم نحمي الجمهور وصحته ورفاهيته من عواقب أزمة المناخ، ولا سيما الأجيال القادمة. معاً، سنقود إسرائيل إلى الوفاء بالتزاماتها الدولية بموجب اتفاقية المناخ، وأدعو وزراء الحكومة المعنيين لإلقاء نظرة جريئة على الواقع، نفهم أننا في حالة طوارئ وندعو لدعم قانون المناخ الذي نقوده".

وفقا للتصريح الرسمي فإن الغرض من القانون هو إنشاء إطار شامل لمواجهة دولة إسرائيل لأزمة المناخ، مع التركيز على جانبين رئيسيين للرد المطلوب على المستوى الوطني: (1) منع وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري: منع تفاقم عمليات أزمة المناخ ينطوي على انتقال تدريجي إلى اقتصاد منخفض الكربون - وهي خطوة يمكن القيام بها من خلال التنمية الاقتصادية من خلال البدائل القائمة على الطاقة المتجددة. (2) تعزيز التأهب لآثار أزمة المناخ والأضرار: يهدف العمل على هذه المستويات إلى حماية الجمهور وصحته ورفاهه من عواقب أزمة المناخ، ولا سيما الأجيال القادمة التي سيتعين عليها التعامل مع توقع تفاقم التغير المناخي. يهدف التحضير إلى تعزيز التنمية المستدامة للمجتمع والبيئة في إسرائيل، بما في ذلك الموارد الطبيعية والنظم البيئية والتنوع البيولوجي.

يحدد مشروع قانون المناخ الجديد "هدفاً وطنياً لتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول العام 2030، والتي بموجبه سيتم تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 27% على الأقل مقارنة بكمية انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تم قياسها في العام 2015. وفي العام 2050، سيتم تخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 85% على الأقل قياساً بالعام 2015. في العقد المقبل، نظراً لتوافر تقنيات مختلفة، بما في ذلك إنتاج وتخزين الطاقة التي لا تنطوي على انبعاثات غازات الدفيئة، سيكون هناك مجال لإعادة تقييم أهداف الخفض لتحقيق مزيد من التخفيض وتحديد أهداف أكثر طموحاً".

 

سر هذا التوقيت المفاجئ كالرعد في ذروة الصيف

عبّر عن الاستغراب المُشار إليه في صفوف من ينشطون في القضية منذ سنين، أحد الكتّاب المتخصصين والمثابرين في قضايا البيئة، تسفرير رينات. ويقول في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" أن وزارة حماية البيئة، التي تتولاها الوزيرة غمليئيل وزّعت على الوزارات الحكومية والجمهور مشروع قانون المناخ الذي يحدد هدف خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 85% بحلول منتصف القرن. بالتزامن، قدمت وزارة الطاقة، التي يتولاها الوزير يوفال شتاينيتس (الليكود)، خطتها الخاصة والتي بموجبها سيتم خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من إنتاج الطاقة بنسبة 80% بحلول منتصف القرن. لم يكن أي تنسيق أو تعاون بين الوزارتين في الأشهر الأخيرة، مما أسفر عن خطط بدرجة تنسيق جزئية للغاية.

لقد وصف ناشطون من الحركات والمنظمات البيئية إعلان غمليئيل بأنه "مهزلة محرجة" وأضافوا أن الخلاف بين الوزارتين يؤدي "لذرّ الرماد في عيون الجمهور". أما تفسير هذا التوقيت المفاجئ كالرعد في ذروة الصيف، لإشهار خطتين حكوميتين وليس خطة واحدة فقط في قضيّة لم تظهر فجأة بل متقادمة وشديدة التعقيد، فهو أن تعميم مشروع قانون المناخ (من وزارة البيئة) وتقديم خطة وزارة الطاقة، جاءا قبل أيام قليلة من مؤتمر المناخ الذي دعا إليه الرئيس الأميركي جو بايدن بحضور قادة من 40 دولة. عُقد المؤتمر بشكل افتراضي يوم الخميس 22 نيسان الماضي، بالتزامن مع اليوم العالمي للكرة الأرضية. الهدف المعلن للاجتماع هو تعزيز التزام دول العالم بالحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وصولا إلى مؤتمر المناخ العالمي الذي سيعقد بعد نحو ستة أشهر في بريطانيا. رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو كان قد دعي لاجتماع بايدن للتحدث عن سياسة المناخ الإسرائيلية، ولهذا السبب جاء الإعلان عن خطتين فقط قبل أيام من ذلك، كما يُستنتج.

يعلّق الكاتب رينات ساخراً: بدلاً من اتخاذ موقف متماسك ومتفق عليه، تلقى رئيس الحكومة موقفين من وزارتي الطاقة والبيئة اللتين يوجد بينهما عدد غير قليل من الخلافات. ويتابع: فشلت وزارتا الطاقة والبيئة في الأشهر الأخيرة في التوصل إلى اتفاقيات بشأن تحديد أهداف طويلة الأمد لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. حتى الآن، من المتوقع أن تنشأ خلافات بشأن قضايا مثل نطاق توليد الكهرباء من الغاز الطبيعي، والتي تهتم وزارة حماية البيئة في الحد منها، وكيفية تطوير البنية التحتية للطاقة المتجددة. موقف وزارة الطاقة هو أنه لا يكفي استخدام الأسطح والمباني لتوليد الطاقة الشمسية، كما تدعي وزارة حماية البيئة، وستكون هناك حاجة لمئات الآلاف من الدونمات للوصول إلى الأهداف المطلوبة بحلول منتصف القرن. لكن وزارة الطاقة أعلنت وللمرة الاولى الاتفاق المبدئي على شراء الكهرباء من الطاقات المتجددة الأردنية. في هذا البلد، النقص في المساحات المفتوحة أقل حدة، ويمكن استغلالها لتوليد كمية كبيرة من الكهرباء بواسطة الشمس.

 

حقيقة ما تحدّث عنه نتنياهو في ضوء الوقائع

لكن، كالمتوقّع، فإن ازدواجية التخطيط الحكومي لمواجهة قضيّة بحجم الخطر البيئي الناجم عن الطاقات الملوّثة او القذرة، ليست مسألة قادرة على جعل بنيامين نتنياهو يتلعثم! وخلافاً لكافة المعطيات والأبحاث المثبتة والمحكّمة علمياً، زعم رئيس الحكومة الإسرائيلية في اجتماع بايدن، بأن إسرائيل هي من الدول الرائدة في مجال إنتاج الطاقة منخفضة التلوث. وتعهد بوقف إنتاج الطاقة عن طريق إحراق الفحم الحجري في غضون 4 سنوات أي حتى العام 2025، وبزيادة توليد الطاقة الشمسية ليشكل ثلث إنتاج الكهرباء حتى نهاية العقد الحالي (2030)، مشيراً إلى أن إسرائيل زادت من استخدامها للطاقة من هذا المصدر من 2% إلى 10% في السنوات الخمس الأخيرة.

نتنياهو وضع أهدافاً عالية الطموح والتحدّي، فقال إن إسرائيل ستستخدم الطاقة المستجدة فقط بحلول العام 2050، وإن المئات من الشركات الإسرائيلية الحديثة تركز على إيجاد حلول لهذا التحدي وإنه يتم استثمار مليارات الدولارات في هذه الشركات سعيا إلى تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى أدنى مستوى ممكن. ولم ينسَ طبعاً استغلال ما يسميه "اتفاقيتي السلام مع كل من البحرين والإمارات" مشيراً إلى أهمية التعاون مع "الدول الصديقة في الخليج" في تطوير فرع الطاقة البديلة وهذه بشرى خير للمنطقة وللعالم، على حد تعبيره. ملاحظة: لقد ذكر نفس الأقوال تقريباً في كانون الأول 2020، خلال اجتماع تحضيري لمؤتمر المناخ الدولي الذي يُعقد في بريطانيا.

لكن الحقائق تبدو مختلفة بعض الشيء. كما سبق أن كتبتُ هنا، فإن الترويج الدعائي والمديح الذاتي يصطدمان بحقائق أخرى. حقائق لا توردها جهات أجنبية ولا منظمات بيئية ولا حقوقية، بل مؤسسة دولة رسمية هي مراقب الدولة الإسرائيلية. وبالفعل، فقد كتب في تقرير أصدره في خريف 2020، بعنوان "تطوير مصادر الطاقة المتجددة، وتقليل التعلّق بالوقود"، أن "دولة إسرائيل وضعت أهدافاً طويلة المدى لمجال توليد الكهرباء من الطاقات المتجددة ولتوسيع استخدام السيارات الكهربائية. ولكن تظهر نتائج الفحص أن هناك حواجز تجعل من الصعب تحقيق هذه الأهداف. وقد يؤدي الفشل في تحقيق الأهداف إلى إلحاق ضرر لا يمكن تفاديه بمجال الطاقة، والمنافع البيئية والاقتصادية الناجمة عن استخدام الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، بالإضافة إلى الضرر الذي سيلحق بالالتزامات الدولية للحكومة".

وقال: في العام 2010، نشرت وزارة البنى التحتية، الطاقة وموارد المياه الإسرائيلية، ورقة وضعت فيها هدفاً أنه بحلول العام 2020، ستصل نسبة استهلاك الطاقة المستغلة من مصادر متجددة إلى 10% من مجمل الطاقة التي يتم إنتاجها في إسرائيل. لكن الأرقام ما زالت بعيدة عن الهدف. بموجب الاتفاقيات الدولية، تعهدت دولة إسرائيل بالمشاركة في الجهد العالمي لتحقيق الأهداف الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التغير المناخي، وتم التعبير عن التزام إسرائيل، من بين أمور أخرى، في تحديد أهداف لتنجيع الطاقة. ولهذه الغاية، سنّت الدولة قوانين وأنظمة وعدة قرارات تنفيذية تضمنت تخصيص ميزانيات كبيرة. ولكن الدولة، كما يتابع التقرير، فشلت في تحقيق أهداف التنجيع التي حددتها لنفسها، ففي العام 2020 كان معدل تنجيع الطاقة في إسرائيل أقل من نصف الهدف الذي تم تحديده.

 

ناشطون: الوقائع على الأرض تفرضها صناعات الطاقة الملوّثة

أورد المراقب بعض مضامين الرؤى العلمية المعتمدة والتي تتخذها الحكومة، على مستوى التصريح الرسمي على الأقل، مرجعية لها. ومنها أن تنجيع الطاقة هو المفتاح لضمان اقتصاد طاقة في المستقبل يكون آمنا وموثوقا ورخيصا ونظيفا، يساهم في توفير التكاليف وتحسين نوعية الحياة، والحد من تلوث الهواء وتلويث مصادر المياه، وعلى المستوى الوطني - تقليل العبء الاقتصادي والاعتماد على واردات الطاقة وتعزيز استقلال الطاقة في الاقتصاد الإسرائيلي. وجد التقرير، من بين أمور أخرى، أنه على الرغم من أن هدف تنجيع الطاقة المحدد في إسرائيل العام 2008 للعام 2020 كان 20%، فإن التخفيض الفعلي كان 7.5% فقط. كذلك، فإن 47% من الوزارات الحكومية لم تبلغ وزارة الطاقة عن شكل وتوزيعة استهلاكها للطاقة و44% من السلطات المحلية لم تبلغ الوزارة بشكل وتوزيعة استهلاكها للكهرباء في 2018، كما يقتضي القانون والأنظمة القانونية.

وجد التقرير أيضاً أن الزيادة في حجم إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة في اتجاه إيجابي، لكن الفحص المقارن للأهداف المحددة – 5% من إجمالي الطاقة المركبة في 2014 و 10% من إجمالي الطاقة المركبة في 2020 - يظهر فجوات 58% و 50% على التوالي. وعموماً، فيما يتعلق بالخطة الشاملة لاقتصاد الطاقة: هناك وثيقة سياسة حول "أهداف اقتصاد الطاقة" للعام 2030 ولكن لا توجد خطة شاملة لاقتصاد الطاقة نفسه.

الجدير بالتنويه أن هذا التقرير الرقابي لا يتحدث عن ماضٍ بعيد، بل عمّا لا يزال جارياً، وهو صدر أصلا قبل نحو نصف سنة. من هنا، فالنقد الذي توجهه جهات ناشطة يلتقي مع هذا النقد الرسمي. فالفرع الإسرائيلي لمنظمة "غرينبيس"، التي تعرّف دورها بـ"نحن ندافع عن مجتمعاتنا في كافة أنحاء العالم ونحمّل الدول والشركات المسؤولية التي تقع على عاتقهم"، علّق على هذه التحرّكات الحكومية الإسرائيلية بالقول إن "نشر مذكرة قانون المناخ مهزلة محرجة. طالما أن النشاط الحكومي مشلول والكنيست لا يعمل، فإن هذا البيان يصبح خالياً من الأهمية العملية. علاوة على ذلك، فحقيقة أن الوزارات الحكومية تنشر خططاً مختلفة حول الموضوع نفسه، يبدو وكأنه لا أكثر نقاش سياسي بين الوزير شتاينتس والوزيرة غمليئيل. وبينما يذرّ الوزيران الرماد في أعين الجمهور، تفرض صناعة الوقود الأحفوري الوقائع على الأرض وتروّج بالتناغم مع وزارات الحكومة، مشاريع الغاز والنفط المدمرة للبيئة والمناخ والصحة العامة".

أما "الحركة الخضراء" الإسرائيلية فقد عقّبت فيما يتعلق بمشروع قانون المناخ بأنه "فعل علاقات عامة جوفاء وفارغة. الحكومة الإسرائيلية فشلت في معالجة قضية أزمة المناخ وتضعها في آخر سلّم أولوياتها. وفي حين أنه في كثير من البلدان، بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة، تحظى هذه القضية بالأولوية القصوى، يضع مشروع القانون الحالي أهدافاً ذات سقف أقل بكثير من الأهداف التي حددتها الدول الأخرى، ولا توجد هناك خطة منظمة للترويج لها، مما يقود إلى الاستنتاج بأن هذه مجرّد بيانات فارغة". (ملحق "المشهد الإسرائيلي"، مركز مدار، رام الله).

 

الصورة: منشأة لاستخدام الطاقة الشمسية جنوب عسقلان -  مراقب الدولة: فجوات كبيرة بين الأهداف وبين الواقع

 

 

 

 

 

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب