news-details

مصيبتان متزامنتان: الكورونا وسياسة السلطة.. عدد الاعتداءات الجنسية ارتفع وعدد لوائح الاتهام انخفض!

التقرير السنوي لاتحاد مراكز مساعدة ضحايا العنف الجنسي:

في أعقاب أزمة كورونا، قفز عدد التوجهات والبلاغات المقدمة لمراكز المساعدة والدعم بنسبة 24% مقارنة بالعام 2019

تم توجيه لائحة اتهام في 20% فقط من الجرائم خلال العامين السابقين

شكّلت أزمة كورونا، عبئًا تجاوز نهش الدولة الرأسمالية وأذرعها الحكومية للمواطنين، على صعيد اقتصادي على وجه الخصوص إثر الإجراءات والتعليمات غير المدروسة والتي تنتشر بعبثية وغموض، أو حتّى نفسيًا، اجتماعيًا وصحيًا، في الوقت الذي تفضل فيه بشكل قمعي ومدروس هذه المرة مراكمة عبء العمل على سبيل المثال على قوى أقل من المطلوب وفقًا للاحتياجات عامةً.

من الجانب الآخر، في الأماكن المهمشة والمغلقة، في الدوائر التي يتم تحييدها عن النقاش الرئيسي، تركزت عدّة احصائيات وتقارير من قبل مراكز مساعدة ضحايا العنف الجنسي والجسدي، عرضت كنه وإسقاطات الأزمة التي أدت بدورها لزيادة حادة ومرعبة في الاعتداءات الجنسية، في حين شكّل الإغلاق والحجر المنزلي أرضًا خصبة للعنف والاعتداء الجنسي ضد النساء على وجه الخصوص، حين يتحوّل المنزل، هذا المكان الآمن الّذي يأويهنّ، إلى صراع بقاء في نار جهنم، ما يشكل خطرًا على حياة الضحايا، ويضيق الخناق عليهن ويهددهن طوال الوقت كجزء من واقع يومي يُعاش دون توفير أي حلول.

 وفي الوقت الّذي كان من المتوقع أن يحافظ الإغلاق على الحياة والسلامة والصحة، أصبح سلاحًا مهددًا يوجّه ضد الضحايا، بل كان أكثر خطورة من أن يقدم حماية حتى على المستوى الصحي مع انتشار الفيروس، وكان سببًا مباشرًا في فتح فوهة كبيرة لتدفق صدمات متتالية لدى النساء والرجال الذين تعرضوا لاعتداءات، أو حتّى في ازدياد العنف ضد الأطفال بشكل تراجيدي.

بالأمس ناقشت لجنة النهوض بمكانة المرأة والمساواة الجندرية في الكنيست، التقرير السنوي الرسمي الذي أدلى به اتحاد مراكز مساعدة ضحايا العنف الجنسي عن الاعتداءات التي وقعت في فترة الكورونا وكذلك في عام 2019، في جلسة تحت عنوان "في ظل الكورونا: تداعيات الأزمة على ضحايا الاعتداء الجنسي". وفي ملخّص التقرير الأوّلي الذي عرض في الجلسة، هناك قسم من المعطيات تتطرق إلى الشكاوى المقدمة للشرطة، النيابة العامة، ومعطيات أخرى خاصة بسلطة السجون الإسرائيلية. وتجدر الإشارة الى أن التقرير الكامل يتضمن أيضًا بيانات من محاكم العمل وجيش الاحتلال.

 

زيادة بنسبة 103% في التوجهات لمركز النقب

يتضح من معطيات التقرير، أنه في أعقاب أزمة كورونا، قفز عدد التوجهات والبلاغات المقدمة لمراكز المساعدة والدعم بنسبة 24% مقارنة بالعام 2019. في حين حدثت معظم هذه الزيادة في الموجة الأولى من انتشار الفيروس، أي مع الإغلاق الأوّل ما بين نيسان وحزيران 2020، إذ تم تسجيل 16515 توجهًا خلال هذه الأشهر بالذات، بزيادة قدرها 37% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، وبشكل دقيق أكثر، فإنّ زيادة حادة طرأت في حزيران وكانت بنسبة 43%، وهذا على ما يبدو يعود للانفراجة الأولى ما بعد الإغلاق، أي إعادة فتح مرافق الحياة عمومًا ما سهّل التوجّه عمليًا لهذه المراكز.

وتبين، أن أكبر الزيادات سجلت في مركز مساعدة ضحايا الاعتداء الجنسي والعنف في النقب "مسلان"، إذ بلغت نسبتها 103% في فترة الموجة الأولى، وفي خدمة الطوارئ العامة في البلاد، المقدمة عبر الواتساب بنسبة 95% لنفس الفترة، و78% بشكل عام خلال هذه السنة. كما حدثت زيادة كبيرة في عدد الشكاوى المقدمة للشرطة فيما يتعلق بابتزاز، نشر وتوزيع مقاطع فيديو وصور ذات إيحاءات جنسية.

وفي التفاصيل، يعرض التقرير مقارنة بنسبة التوجهات بين الأشهر نيسان حتّى حزيران 2020، أي خلال الموجة الأولى من الكورونا، والتي لها تفسيرات ومنطلقات عدّة، تعود كما أسلفنا لحلّ الإغلاق وإتاحة المجال لتلقي المساعدة بل بالأساس للتوجه لتلقي هذه الإغاثة، ففي حين أن التوجهات في شهر نيسان اقتصرت على زيادة بنسبة 34%، فقد بلغ الارتفاع في شهر أيار نسبة 33%، لترتفع أكثر في شهر حزيران بزيادة تقدر بأكثر من 43%.

وبالعودة للعام 2019، يظهر في التقرير أنه تم تلقي 54 ألف توجه في مراكز المساعدة، من بين هذه التوجهات، كان هنالك 12784 توجهًا جديدًا بزيادة جسيمة تنذر بواقع مرير بالفعل، تبلغ 43% خلال 5 سنوات، أي منذ عام 2014، (ويجب التشديد أن عددًا لا بأس به من التوجهات الجديدة المحتسبة، هي توجهات متكرّرة، أي أنها لم تتلق الدعم المطلوب وما زالت تحت دائرة الخطر وتطلب حلًّا أو إنقاذًا). ويمثل هذا زيادة بنسبة 6٪ مقارنة بعام 2018، حيث تم استلام 12077 توجهًا جديدًا، مقارنة بعام 2014، إذ تم استلام 8938 توجهًا جديدًا.

 ولعلّ الأخطر من ضمن هذه المعطيات للعام 2019، أن 89% من جميع التوجهات تعاملت مع اعتداءات جنسية ضد النساء، في حين أن 62% من هذه الحالات كانت في الاعتداء عليهم بينما كانوا قاصرين وقاصرات، أي دون سن 18 عامًا. كما أنّ حوالي 30% من التوجهات تعاملت مع عنف واعتداءات جنسية من قبل أقرباء درجة أولى أي اعتداءات داخل العائلة نفسها، وهي زيادة قُدرت بـ33% مقارنة بالعام 2018 إذ كانت هذه الجريمة تشكل 22.5% من مجمل التوجهات في عنف واعتداءات من نوع آخر. ففي العام 2019، تقسم هذه النسبة من الاعتداء داخل العائلة على النحو التالي: اعتداء من قبل الأب 9,5%، من قبل الأخ 5,7% و14,8% نسبة الاعتداءات من قبل أقرباء درجة أولى آخرين.

وتشكل نسبة جرائم الاغتصاب الفعلي من مجمل التوجهات، وهي تختلط هنا مع محاولات الاغتصاب والاعتداء الجماعي كذلك نسبة 40%، وهذا يعني إجبار الطفلة، الفتاة أو المرأة على القيام بعملية جنسية كاملة، وقد يرافقها استعمال القوة الفعلية أو التهديد، وفقًا لجمعية نساء ضد العنف. يضاف إلى هذه المعطيات المقلقة، محاولات الإحباط التي تكرس عدم الثقة بجهاز القضاء، إذ أن 92% من ملفات الاغتصاب تم إغلاقها بدون توجيه لائحة اتهام مقارنة بـ91,3% في العام 2018 و-89,9% في 2017.

وبالنسبة للمعرفة القائمة بين الضحية والمجرم الجاني في مجمل التوجهات وليس فقط التي تقتصر على اعتداء داخل العائلة، فإنّ 88% من الاعتداءات نفذت من قبل أناس هويتهم معروفة للضحية، فمن كلّ التوجهات لجميع الفئات العمرية، 32% تم الاعتداء عليهم من قبل أحد أفراد الأسرة، و11% من قبل الزوج، 25% من المعتدين هم أصدقاء أو جيران. فيما وقعت 47% من الجرائم، في سكن الضحية أو المعتدي، أو في سكن مشترك لكليهما مقابل 40% في العام 2018. وفقط 12% من المعتدين لم يكونوا معروفين للضحية، في 9% منها يكون المعتدي غريبًا، وفي 3% يكون مقدمًا لخدمات ما.

 

من 13 ملف تحرّش عبر الشبكة إلى 114 في 6 أشهر فقط

أمّا فيما يتعلق بالشكاوى المقدمة للشرطة، ففي شهري نيسان وأيار 2020، ومع تحوّل الحياة بشكلها غير الروتيني إلى الحيز الافتراضي بشكل شبه تام، فكانت هناك زيادة حادة في الشكاوى والمخالفات المتعلقة بالتحرش الجنسي، والتي غالبًا ما تكون تحرشات من خلال إرسال صور إباحية أو محادثات وتهديدات وابتزاز. والحديث يدور عن فجوة شاسعة جدًا تنضوي تحت إطار "قانون الفيديو"، إذ أنه بالنظر إلى شهر كانون الثاني منذ بداية العام الجاري، نرى أن عدد الملفات في قضايا التحرشات عبر الشبكة بلغ 13 ملفًا، ثم ارتفع في شهر شباط بملفين إضافيين (15 ملفًا) ثمّ انخفض ليصل 9 ملفات في شهر آذار، ولكن تتجلى الشكاوى بعددها الأكبر عندما طرأ تغيّر على نمط الحياة الاعتيادي وأصبح افتراضيًا أكثر خلال الموجة الأولى من انتشار الفيروس، ففي شهر نيسان حدثت قفزة نوعية في عدد الشكاوى الذي بلغ 79، وازدادت هذه الشكاوى في شهر أيار لتبلغ 114 شكوى.

وللتيقن من حجم الكارثة والانزلاق الأخلاقي لتداعيات هذه الأزمة ومن يتحمّل وزرها بالأساس، يعرض التقرير مقارنة واضحة تبين أنه في العام 2019 بأكمله تم تلقي 233 شكوى حول هذا النوع من الجرائم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أي حوالي 19 ملفًا بالمعدل في كل شهر، أما من كانون الثاني حتّى تموز هذا العام هنالك ما يقرب الـ282 شكوى، ولم ينتهِ هذا العام بعد، ما يعني أن تبعات الإغلاق الثاني لم تُرصد بعد، وقد تكون مخيفة أكثر ممّا يتوقع البعض، فكل حالة إضافية تعني كارثة على المستوى الاجتماعي والنفسي لكل ضحيّة لم تتلق الرد المناسب، لا من حيث تقديم المساعدة ولا من جهة تقديم العقاب للجاني نفسه.

 

تراجع في عدد لوائح الاتهام المقدّمة

جدير بالذكر أنه في العام 2019، فتحت الشرطة 5971 ملفًا في جرائم اعتداء وتحرش جنسي.  بانخفاض نسبته 2% مقارنة بالعام 2018، حيث تم فتح 6085 قضية. 81% من الملفات كانت اعتداءات ضد نساء وفتيات، بينما شكلت 19% نسبة الاعتداءات على رجال، أولاد وأطفال. وفي 51% من الملفات المقدمة كان الضحايا قاصرين وقاصرات.

  أما في معطيات المقدمة بشأن تعامل النيابة العامة، ففي عام 2019، فتحت 4715 قضية، 4021 قضية جرائم جنسية، و694 قضية تحرش جنسي. وتم فتح 394 ملفًا في جرائم جنسية داخل العائلة، في ارتفاع يقدر بنسبة 20% مقارنة بالعام 2018 إذ فتح حينها 331 ملفًا. ويكشف التقرير بشكل جليّ أنه تم توجيه لائحة اتهام في 20% فقط من هذه الجرائم. وهذا يعد استمرارًا في سياسة مثيرة للقلق تتمثل بشكل خاص في تراجع عدد لوائح الاتهام المرفوعة بشأن الاغتصاب - سواء بالأرقام المطلقة أو بالتناسب مع عدد حالات الاغتصاب، خاصة مع إغلاق النيابة العامة 67% من الملفات المتعلقة بالاعتداءات الجنسية بحجة عدم وجود أدلة كافية.

 

إخفاق في حماية النساء وإعادة تأهيل الجناة

وفي بيانات سلطة السجون، يتبين أن 938 مجرمًا محتجزًا بسبب جرائم جنسية في العام 2019، وهذا يمثل انخفاضًا بنسبة 18% مقارنة بالعام 2014، إذ كان هنالك 1147 سجينًا، في حين تبين المعطيات بشكل خطير جدًا أن 57% من السجناء في هذه الجرائم والاعتداءات يتواجدون في فترة الحبس الثانية فما فوق، أي أنه على ما يبدو لا يوجد تأهيل للمجرمين قبل تسرحيهم، ما يُعيد المجرم إلى ارتكاب الاعتداء، وما يقلق أكثر هو عدد الضحايا التي يمكن أن تقع فريسةً لهذا المجرم جراء الإهمال الحكومي والمؤسساتي في تقديم خطة شاملة تعاقب الجاني كما ينبغي وتقدم له العلاج قبل انقضاء محكوميته.

تجدر الإشارة إلى أنه في التقرير النصف سنوي لجمعية نساء ضد العنف، والذي يشمل معطيات حول توجهات نساء وفتيات من ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية في الفترة الممتدة ما بين كانون الثاني وحزيران للعام 2020، تبيّن أنّ "هنالك أعدادًا كبيرة من التوجهات لنساء تتعرضن لعنف ولكنهن لا يستطعن البوح لكونهن معرضات للتهديد بالسلاح من قبل أزواجهن". ويقول التقرير إنه "غالبًا ما تشارك النساء بموضوع تهديدهن بالسلاح وخوفهن على حياتهن ولكنهن يرفضن الشكوى لأنهن لا يثقن بجهاز الشرطة لإخفاقه في توفير الأمن والأمان لحياتهن. فقط في 19٪ من الحالات قامت المعتدى عليها جنسيًا بالتوجه للشرطة حيث أن 10٪ من النساء توجهن للشرطة بعد التوجه للمركز و-9% قبل التوجه".

كلّ المعطيات أعلاه تُشير إلى خطر داهم لا يمكن حلّه إلا بخطة شاملة، إلى بلورة سياسة حقيقية تحمي الضحايا، وتضمن أوّلًا عقاب المعتدي قضائيًا وتقديم رادع قانوني واضح من قبل الحكومة التي تهمّش هذه القضايا خاصّة إذا كانت الضحية امرأة، والحديث هنا ليس فقط عن اعتداء جنسي بمعناه وتبعاته الشاملة إنّما عن العنف بنطاقه الأعمّ كحالة مستشرية، وجريمة قتل المغدورة وفاء عباهرة ليست الأولى ولكنها كشرت أكثر عن أنياب الأذرع الحكومية المتساهلة مع المجرم بل التي تتفهم دواعيه وتعمل على ترسيخها وتثبيتها على حساب المرأة المستضعفة ومنها جهاز القضاء، في حين تدعو بعض الجهات أيضًا لإفساح المجال للشرطة العنصرية مثلًا أن تتغلغل بيننا دون أن تقدم أي شيء يدلّ أنّها معنية بحمايتنا والحفاظ على أرواحنا. وهذا ما يعطي شرعية كبيرة لاستمرار الاعتداءات خاصة في ظل انعدام الثقة بين المؤسسة وجهاز القضاء والشرطة من جهة وبين مجتمعنا العربي وحالته المركبة التي لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها هي والسياسة الممنهجة ضده بشكل عام وضد قضايا النساء تحديدًا.

لا بدّ من الإشارة إلى أن هذه المعطيات ما هي إلا قطرة من بحر معاناة الضحايا، ولعلّ الأرقام على ضخامتها وخطورة ما تنذر به إلا أنها لا تبيّن بالفعل حجم الكارثة والمأساة الواقعة على الضحية التي ترى عجز النظام وشرطته عن حمايتها، وهذه الأزمة هي مؤشر صغير على عدم تدارك الحكومة لأزمات وصدمات فُجائية بل وأكثر من ذلك، هذا دليل على عدم دراستها وجهوزيتها لتحديات أكبر من أزمة كورونا، وقد لوحظ هذا الوهن في مرافق عدّة. إن آثار وتداعيات الأزمة الحالية قد كشفت عن سياسة ممنهجة ولا شكّ في ذلك، ولكن يجب النظر إلى ما هو أعمق أيضًا، إلى ما قد يفسح المجال أمام المجرمين للانحدار أكثر، في حين يغيب القانون، تشيع الفوضى، وتتلاشى الثقة بالجهات المسؤولة عن إنفاذه.

 

الصورة: مظاهرة في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء (أرشيف، تصوير: أورن زيف؛ أكتيفستلز)​.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب