قبل يوم واحد من مناقشة مشروع قانون تطبيق عقوبة الإعدام على من تصفهم إسرائيل بـ"الإرهابيين" في القراءة الثانية والثالثة داخل لجنة "الأمن القومي"، تبيّن لنقابة الأطباء أن الصيغة المقترحة للقانون تنصّ على تنفيذ الحكم عبر حقنة قاتلة. وخلال النقاش، أوضح ممثل النقابة، د. ألبرتو أولتشوفسكي، أن الالتزام بالاتفاقيات الدولية يحظر تمامًا مشاركة الأطباء الإسرائيليين في أي مرحلة من مراحل تنفيذ الإعدام، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وقال: "المنظمة العالمية لنقابات الأطباء تعتبر مشاركة الأطباء في الإعدام أمرًا غير أخلاقي في كل المراحل، بما فيها التحضير والاستشارة. لا يجوز استخدام المعرفة الطبية لغير تعزيز الصحة والرفاه".
وبحسب مشروع القانون، سيصدر الحكم بواسطة قاضٍ منفرد من دون إمكانية الاستئناف، ويُنفّذ بعد 90 يومًا. بينما ينصّ القانون الحالي، الموروث من عهد الانتداب، على تنفيذ الإعدام بالشنق أو الرمي بالرصاص، فإن المشروع الجديد يشترط استخدام حقنة سامة، ما يفرض تدخلًا طبيًا لا يقتصر على الحقن، بل يشمل اختيار نوع السم، تحديد الجرعات، والإجراءات الطبية المسبقة، أي مهام لا يمكن أن يؤديها سوى أطباء.
وفي أعقاب الجلسة، وجّه رئيس لجنة الأخلاقيات في نقابة الأطباء، د. يوسي فولفيش، رسالة لرئيس لجنة "الأمن القومي" تسفيكا فوغل، قال فيها: "موقف لجنة الأخلاقيات يحظر كليًا مشاركة الأطباء في تحديد أو التحضير أو تنفيذ عقوبة الإعدام. مهمة الطبيب هي العلاج، وتخفيف الألم، واستعادة الصحة. لذلك يُمنع تمامًا على الأطباء المشاركة في أي خطوة، بما في ذلك تقييم اللياقة الطبية أو المشاركة التقنية".
وأكد أن هذا المبدأ مستند إلى قسم الطبيب العبري وإلى القاعدة الأخلاقية العالمية التي ترى أن الطب مخصص لإنقاذ الحياة لا إنهائها.
وقال في حديثه لصحيفة هآرتس: "الأطباء الإسرائيليون لن يتحولوا إلى جلادين في خدمة الدولة، بغض النظر عن مواقفهم السياسية. حتى أكثر الأطباء يمينية يدركون وجود خطوط حمراء واضحة." ورفض تصريحات ما يسمى وزير "الأمن القومي" التي ادعى فيها وجود أطباء قد "يتطوعون" للمشاركة في الإعدامات.
وأشار فولفيش في رسالته الى فوغل إلى أن موقف النقابة منسجم مع موقف منظمة الأطباء العالمية (WMA)، التي تحظر على الأطباء أي مشاركة في الإعدام، بما في ذلك الإشراف، تحديد الجرعات، الحضور لضمان "موت سريع"، أو إعلان الوفاة.
وأشار فولفيش إلى أن حتى مشاركة الأطباء في إعلان الوفاة بعد تنفيذ الإعدام موضع خلاف أخلاقي عالمي. فهناك من يرى أن أي ارتباط بعملية الإعدام يشكّل وصمة أخلاقية، وهناك من يرى أن التدخل الطبي يمكن أن يكون وسيلة للرحمة.
من جهته، يرى البروفيسور غيل سيغل، طبيب وخبير في الأخلاقيات الطبية ورئيس مركز القانون والأخلاق والسياسات في "أونو"، أن إعلان الوفاة من قبل طبيب بعد الإعدام ليس مخالفًا للأخلاق الطبية، بل ينسجم مع مبدأ عمل الطبيب على تحسين حال المريض. وقال: "الطب مخصص لإنقاذ الحياة، ولا مكان لمشاركته في إجراءات قضائية أو عقابية. إعلان الوفاة يضمن فقط عدم دفن شخص حي. هذا يختلف جوهريًا عن طلب إعداد المحكوم للإعدام."
ويضيف سيغل: "إذا أصيب محكوم بالإعدام بنوبة قلبية وهو في طريقه إلى المشنقة، لا يجوز أخلاقيًا للطبيب إنعاشه فقط ليتم إعدامه بعد دقائق. لكن إذا أصيب بنوبة هلع قبل أسبوع من الإعدام – فهل لن نعالجه؟ بالتأكيد سنعالجه، ليس لتنفيذ الحكم بل لتخفيف معاناته. الأطباء موجودون في الدنيا لفعل الخير".
على الرغم من موقف منظمة الأطباء العالمية، ما تزال دول "ديمقراطية" تطبق عقوبة الإعدام، ومنها الولايات المتحدة التي تنظر إليها إسرائيل كمثال. فالعقوبة ما تزال معمولًا بها في 20 ولاية أمريكية، وأكثر طرق التنفيذ شيوعًا هي الحقنة القاتلة. ومن بين نحو 50 دولة في العالم تُطبق عقوبة الإعدام، فقط حوالي 20 تطبّقها فعليًا، وغالبية هذه الدول ذات أنظمة سلطوية.
ويقول البروفيسور يحيائيل بار إيلان، طبيب ومسؤول عن تدريس الأخلاقيات في كلية الطب بجامعة تل أبيب: "التعذيب محظور تمامًا في كل مكان، لكن عقوبة الإعدام ليست منبوذة في كل مكان؛ فهي تُمارس في بعض الولايات الأمريكية وفي اليابان، رغم أن غالبية دول العالم والأمم المتحدة تعتبرها انتهاكًا لحقوق الإنسان."
ويضيف: "أيضًا طريقة تطبيق عقوبة الإعدام في دول مختلفة بعيدة عما يطرحه أعضاء الكنيست والوزراء المؤيدون للقانون. وفق تصور بن غفير، كل فلسطيني يقتل يهوديًا أو يشارك في قتله سينتهي بحقنة سامة. أما في الواقع، ففي ولاية مثل تكساس مثلًا، ليس كل من يُدان بالقتل يُحكم عليه بالإعدام، وليس كل من يُحكم عليه بالإعدام يُنفذ فيه الحكم. هناك سلسلة طويلة من الاستئنافات، ويتركز الاهتمام على المحكوم بالإعدام وليس على ضحاياه".
وبحسب موقف جمعية الأطباء الأمريكية (AMA)، يُسمح للطبيب بالحضور أثناء تنفيذ الإعدام لضمان أن "يموت المحكوم بطريقة إنسانية". ويمكن للطبيب إعلان الوفاة، لكن يُحظر عليه المشاركة الفعلية في الإجراء.
غير أن كبرى المنظمات الطبية الدولية تعارض بشدة أي تدخل طبي في الإعدام، وتعتبر أي وجود للطبيب في العملية خرقًا فاضحًا للأخلاقيات.
ونظرًا لأن معظم عمليات الإعدام في الولايات المتحدة تتم بحقن سامة تتطلب معرفة طبية، فإنه في بعض الولايات يتولى التنفيذ أشخاص غير أطباء، مثل المسعفين أو الفنيين الطبيين، للتحايل على هذا الحظر.
أما في مشروع القانون الإسرائيلي، فلا يوجد أي ذكر لاحتمال تنفيذ العملية بغير الأطباء.
وعلى مر السنوات، قُدمت في إسرائيل مشاريع قوانين لفرض عقوبة الإعدام على "الإرهابيين"، لكنها جميعًا رُفضت.







