قال المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل، في تقرير مطوّل، إن الحرب التي يصرّ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على إدارتها في قطاع غزة دفعت إسرائيل إلى مأزق سياسي وأمني متفاقم، وأبرزت افتقاد حكومته لرؤية استراتيجية واضحة، حيث باتت معظم خطواتها ارتجالية وصعبة التنبؤ. وأضاف أن الاتفاق الأمني الذي وقّعته الولايات المتحدة مع قطر مؤخرًا بموجب مرسوم رئاسي أصدره دونالد ترامب، يجسد هذا المأزق بأوضح صوره.
وأوضح هرئيل أنّ الاتفاق بين واشنطن والدوحة يعكس عمق الأزمة التي أوجدتها الحرب في غزة لإسرائيل، إذ بينما حققت المؤسسة "الأمنية" بعض النجاحات في مواجهتها لإيران وحزب الله، ما تزال المعركة مع حماس تستنزف الدماء وتعمّق عزلة إسرائيل الدولية.
وأشار إلى أن محاولة اغتيال وفد التفاوض التابع لحماس في الدوحة يوم 9 أيلول/سبتمبر شكّلت "مغامرة جامحة"، جرت خلافًا لتوصيات رئيس الأركان ورئيس الموساد، وانتهت بالفشل، ما أثار غضب ترامب الذي ينظر إلى قطر كحليف استراتيجي ومركز لمصالح أمريكية واقتصادية ضخمة. ونتيجة لذلك، اضطر نتنياهو إلى إجراء مكالمة اعتذار علنية لرئيس وزراء قطر، قبل أن يُعلن عن اتفاق استثنائي تتعهد فيه الولايات المتحدة بحماية قطر حتى عسكريًا من أي هجوم.
ولفت هرئيل إلى أن غضب ترامب كان سيظهر حتى لو نجحت العملية، نظرًا لتشابك مصالحه الاقتصادية وعائلته في قطر، فضلًا عن وجود القاعدة العسكرية الأمريكية الكبرى هناك. وأضاف أن الدوحة حرصت على استرضائه في زيارته الأولى للخليج بعد فوزه بالانتخابات، عندما أهدته طائرة رجال أعمال. الفشل في العملية شجّع ترامب على تكثيف جهوده لفرض صفقة جديدة في غزة، وأعقب ذلك الاتفاق الأمني غير المسبوق الذي نص على اعتبار أي هجوم على قطر تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة.
وبيّن أن ما جرى لم يكن مجرد إذلال سياسي لنتنياهو، إذ حرص ترامب على نشر صورة له من البيت الأبيض وهو يتحدث مع نظيره القطري، إلى جانب النص الكامل لمكالمة الاعتذار، بل مثّل ذلك أيضًا تعزيزًا للحصانة الممنوحة لقيادة حماس الخارجية من محاولات اغتيال أخرى، طالما بقوا في الدوحة.
وأكد أن الاتفاق الأمريكي – القطري يظهر مجددًا أن نتنياهو، خلافًا للصورة التي يحاول رسمها عبر أذرعه الإعلامية، لا يتحرك وفق خطة مدروسة، بل يرتجل معظم خطواته ويجد صعوبة في التنبؤ بما قد يحدث. وعلى الرغم من النجاحات في جبهات أخرى، تبقى غزة بؤرة الحرب وأعقد القضايا. ورغم أن اتفاق ترامب يتضمن مزايا لإسرائيل، فإنه ليس مريحًا لنتنياهو.
وقال هرئيل إن الفجوة الجوهرية هنا تكمن في الفرق بين مصلحة مواطني إسرائيل وبين مصلحة الائتلاف. فمعظم الجمهور، بحسب الاستطلاعات، يمكنه أن يقبل حتى باتفاق جزئي وناقص، شريطة أن يُعاد الرهائن والجثامين وأن يتوقف النزيف في القطاع. لكن ما يقترحه ترامب لا ينسجم بأي شكل مع أوهام اليمين المسياني في الحكومة – حول احتلال، ترحيل قسري، إعادة الاستيطان في القطاع ونصر مطلق.
وفي انتظار رد حماس، أوضح هرئيل أن ترامب منح الحركة مهلة من ثلاثة إلى أربعة أيام للجواب، ملوّحًا في حال الرفض بإعطاء نتنياهو دعمًا كاملًا لتصعيد الحرب. لكنه حذّر من أن نتنياهو قد يبيع ترامب أوهام "الإنجاز العسكري السريع"، فيما الواقع أن حماس لم تعد تقاتل بتشكيلات نظامية، بل بحرب عصابات تمنحها أفضلية في غزة. وتبرز أيضًا عقبة أمام الحركة تتعلق بتسليم 20 رهينة و28 جثمانًا خلال 72 ساعة دون انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي، إضافة إلى صعوبة تحديد مواقع بعض الجثث المدفونة في أماكن مجهولة.
وأضاف أنّ إيران تحافظ على هدوء نسبي، لأنها لا ترغب في إنهاء الحرب ولا في إنجاح مساعي التطبيع بين إسرائيل ودول عربية كبرى. طهران تواجه عقوبات أوروبية جديدة بسبب ملفها النووي، فيما تواصل حكومة نتنياهو تصعيد التهديدات ضدها، ما يشير إلى أن المواجهة مع إيران بعيدة عن نهايتها رغم تصريحات ترامب.
وتوقّع هرئيل أنه إذا مضت خطة ترامب، فقد تتجه إسرائيل إلى انتخابات مبكرة في آذار/ مارس 2026، حيث سيكون من الصعب على نتنياهو الموازنة بين إرضاء ترامب والحفاظ على تحالفه مع بن غفير وسموتريتش. وفي المقابل، يتصدر نفتالي بينيت استطلاعات المعارضة كخيار بديل، رغم ماضيه السياسي، ويحاول استقطاب غادي آيزنكوت لتعزيز موقعه.
وختم هرئيل بالقول إن نتنياهو يقاتل من أجل بقائه السياسي والقضائي؛ فخسارته تعني فتح لجان تحقيق في فشل 7 أكتوبر وفضيحة الغواصات، إضافة إلى استئناف محاكمته الجنائية المعلّقة. لذلك يبدو مصممًا على خوض المعركة حتى النهاية، بينما على خصومه أن يدركوا أن هذه قد تكون فرصتهم الأخيرة لإسقاطه بعد أقل من ثلاث سنوات على حكمه الحالي.






