news
صباح الخير

حين صرت شيوعيًا ونسويًا في موقف واحد

كنت واقفًا أنتظر دوري في صفّ طويل في أحد مقاصف الجامعة. وعندما طال انتظاري وجدتُني مشغولا بما يحدث حولي، أستمع لما يُقال من أمامي ومن خلفي. كان خلفي شابّ وشابّة من الأجانب يتحدّثون اللغة الإنجليزية باللهجة الأمريكية عن مرض الكورونا في الصين. لا يعنيني الموضوع ولم يلفت انتباهي فأغفلته وانشغلت بالهاتف المحمول لعلّي أجد فيه ما يُعينني على قتل الوقت الضاغط. وظللت في مللي وضجري والحديث بين الشابّ والشابّة يتناهى إلى مسامعي رغم مشيئتي بحكم المسافة القريبة بيننا. قالت الشابّة: "إنّ عدد الوفيات لم يتجاوز المائة رغم الضجّة التي يثيرها العالم حول هذا الموضوع". فردّ الشابّ على قولها: "لا أصدّق الرواية الرسمية الصينية بشأن عدد الوفيات". فسألته الشابّة: "ولِمَ لا تصدّق؟" فقال دون تردّد أو تأتأة أو ارتباك أو خجل: "لأنهم شيوعيون!" صحوت دفعة واحدة والتفتّ إليهما وابتسمت وقلت: "أنا لست شيوعيًا مثلك تمامًا". ارتاح الشابّ واطمأنّ لكلامي فردّ الابتسامة بمثلها أو أحسن منها قليلا. فاستأذنته في بعض الملاحظات فوافق طبعًا بكلّ سرور، ولِمَ لا يوافق فأنا لست شيوعيًا مثله، ولا بدّ أن أكون كارهًا لهم جميعًا من ماركس إلى اليوم.

أولا:  هل كلّ الأمريكيين قد جُبلوا على الصدق، لا تنطق ألسنتهم عن الهوى، لا يكذبون ولا يزيّفون ولا يخادعون ولا يمكرون؟ كانت لهجتي الساخرة قد بدأت تصل إلى عقله ببطء، وبقدر ما كانت تصل كانت ابتسامته تتراجع باطراد.

ثانيًا:  أنا أفترض أنّ هناك من الصينيين من يكذب فعلا، ويتقن فنّ الكذب مثلما يتقنه بعض الأمريكيين والعرب . وما دمتَ هنا في الجامعة، في أعلى مؤسّسة أكاديمية، فلا بدّ أن تكون طالبًا أو مُعيدًا أو أستاذًا. وهل هذه من خُلُق الأكاديميا؟ هل هذا التعميم الفظّ هو ما تعلّمته من الجامعة؟! كان كلامي يمحو بصفة تدريجية آثار ابتسامته التي بدأت عريضة فصارت قليلة عرض.

ثالثًا:  هل موقفك الآيديولوجي، الذي أجهل تفاصيله لكني ألخّصه بجملة واحدة "الحقد الأعمى ضدّ الشيوعيين"، أعماك إلى حدّ جعلك تستهين بعقل محدّثتك، هذه الصبيّة الجميلة، وعقول الذين ساقهم القدر إلى هنا واصطفوا من أجل فنجان قهوة مرّة واضطروا لسماع كلامك المرّ؟ لا أعرف بصراحة كيف يترجمون كلمة "عيب" إلى الإنجليزية بعمقها ومصاحباتها وظلالها العربية، فاسمح لي أن أقولها بالعربية كما هي واذهب وابحث عن معناها... كانت ابتسامته قد تشظّت وتبعثرت تمامًا ولم يبق منها إلا فتات. نظرتُ إلى الفتاة بالصدفة فرأيت أنّ ابتسامتها قد بدأت تكبر بقدر ما كانت ابتسامته هو تصغر بالضبط.

رابعًا:  هل ذاك التاجر الأحمق في البيت الأبيض لا يكذب على نفسه وعليك وعلى كلّ خلق الله من أدم إلى يومنا هذا؟ كانت لهجتي الساخرة قد بدأت تصخب قليلا، وكانت ابتسامته قد اختفت تمامًا وصارت تتحوّل بسرعة إلى تكشيرة تفضح تورّطه في ورطة حقيقية. 

الغريب أنّ هذا الشابّ لم يقل شيئًا  وكأنّ سربًا كاملا من الطيور قد حطّ على رأسه. لم يفتح فمه. تفاجأ الشابّ. ذُهل. انعقد لسانه. قفّل.. نظرت إلى الفتاة كانت ابتسامتها تتّسع قليلا وشعرتُ أنها سحبت كلامي كلّه باتجاه التفكير النسوي... وهكذا ضربتُ عصفورين بحجر واحد وصرت شيوعيًا ونسويًا في موقف واحد دون أيّ تخطيط مسبق.    

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب