news
صباح الخير

شهرزاد المغربيّة

… هي امرأة عَصيّة على التّصنيف. يتداخل الفكر في كتاباتها بالأدب، والبحث الأكاديمي بالتّخييل. متعدّدة بطبيعتها، لذلك كانت دومًا ترفض الاختزال.

برزت منذ مطلع الثَّمانينيّات من القرن الماضي باشتغالها الجريء على قضايا المرأة... ففاجأتْها وهي تُغيّر الوجهة باتجاه المجتمع المدني:- "لستُ مناضلة نسوية لأنشغل بالمرأة فقط" قالت، "لقد انخرطتُ في ديناميّة المجتمع المدني لأنّه فضاء لا تقف فيه المرأة بمواجهة الرجل، بل يعملان معًا ويتعاونان"!!!

ولتجسيد هذا الحلم، أطلقت قافلة مدنيّة أرغمت من خلالها عددًا من المثقّفين على النّزول من أبراجهم العاجيّة، للتّفاعل مع ساكنةِ القرى والبوادي في المغرب العميق، المَنْسي، والمُهمّش...

إنّها شهرزاد المغربيّة المعاصرة فاطمة المرنيسي، أحد أبرز أسماء الثقافة العربيّة الحديثة وأكثرها مقروئيّة على المستوى العالمي. وقد تُرجمت أعمالها الى أكثر من ثلاثين لغة، واعتبرت من أكثر كتّاب الوطن العربي تأثيرا في الوجدان العربي... لذلك بِرَحيلها عن سِنّ الخامسة والسبعين فَقَدت الثّقافة العربيّة عالمة اجتماعيّة وأديبة طبق صيتُها الآفاق...

استعارت المرنيسي شخصيّة شهرزاد التي تألّقت في الليالي وهي تواجهُ جبروت شهريار بالحكايا.. ولكنّها، وهي شهرزاد المغربيّة أصرّت على أن تحكي وتجعل الآخرين يحكون لها... وكانت البداية مع خادمات البيوت، وعاملات النّسيج ونساء البوادي... فجاءَت أعمالها الأولى: "نساء الغرب" حول النّساء العاملات في منطقة الغرب شمال الرباط... ثمّ "المغرب من خلال حكي نسائِهِ"(1983).

ولأنّ الحكايات المُرتجلة لا تكفي لمواجهة "شهريارات" هذا العصر، بدأت شهرزاد المغربيّة تُبشِّر بالكتابة. فأطلقت من داخل الجامعة حلقات الكتابة الأولى سنة 1984 في تأسيس أوّل مجموعة للأبحاث حول المرأة والأسرة في المغرب،... كما دعت الى تحرير الصوت، والقلم، واللغة عبر الكتابة...

هذا، وقد أطلقت كذلك من شَقَّتها المتواضعة بِحَيّ "أكدال" في الرباط "ورشات الكتابة من أجل الديمقراطيّة" التّجربة التي منحت من خلالها الفُرصة للنّساء الأُميّات، لنساء الرّوابي، لضحايا الاغتصاب والتحرّش الجنسي، للشّباب من الجنسين، لكي يكتبوا حكاياتهم!!!

واصلت المرنيسي ممارستها على الجميع، إذ بقيت تُفاجئ قُرَّاءَها باستمرار وتُدْهشهم وتأتيهم دوما من حيث لا يحتسبون...

ولكم فاجأت الجميع في الوطن العربي وفي الغرب وهي تَتَقمّص من مُلْهمتها شهرزاد شخصيّة "السّندباد" لتقارن بينهُ وبين الكاوبوي!!!

سندباد الذي اسْتلّتهُ فاطمتنا من "ألف ليلة وليلة" الخارج من بغداد الأسطورة، الذي عَلَّمَتْهُ رحلاتُهُ السَّبْع أنَّ الحوار مع الغرباء بشرًا كانوا أم طيورًا أم غيلان بحار، لا يُمكن إلّا أن يُفيدهُ ويُنمّي شخصيّتهُ وثروتَهُ، ليصير أسعد وأغنى...

كل ذلك كي تُقارنهُ "بالكاوبوي" البطل الذي كرَستهُ أفلام العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، المُسْتغني تمامًا عن السَّفر لأنّ ثروته أمامهُ... قطيع أبقار كلّ ما عليه هو واجب رعايتِهِ وحمايتِهِ من الغرباء...

انطلاقًا من هذين النّموذجين قارنت شهرزادنا المغربيّة بين العولمة العبّاسيّة التي كانت حريصة على الانفتاح على الثقافات الفارسيّة والهنديّة والإغريقيّة وترجمة أعمالها الى العربيّة، وبين العولمة الجديدة التي كان من نتائجها تحويل الجميع الى "رعاة بقر" مدجّجين بالمسدسات... ومستعدّين كل لحظة للقتل، وقد صنّفتها الغارديان من أهم 55 شخصيّة في العالم.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب