news-details
صباح الخير

"التين اقطع واطيه والزتون اقطع عاليه"

منذ كنت صبيًا وأنا أسمع الفلاحين الكبار في مواسم تقليم الشجر يردّدون هذا القول مرّات عديدات: "التين اقطع واطيه والزتون اقطع عاليه".

كنت قاعدًا عند أخي حين جاء شابّ في الثلاثينات من عمره ليشتري تنكتين زيت جديد. قعد الشاب وشعرت أنّ في نفسه حديثًا كثيرًا يتقافز ويتدافع على رأس لسانه. "كيف حالك يا أستاذ؟" سألني الشابّ. "الحمد لله".. "وين سافرت السنة يا أستاذ؟".. وما كدت أفتح فمي حتى قاطعني الشابّ وصار يحدّثني أنا وأخي عن سفرته لأسبوعين كاملين، هو وأسرته، إلى ثلاث دول أوروبية تنقّل بينها بسيّارة سكودا استأجرها من مطار فرانكفورت. أدركت عندها أن سؤاله كان مجرّد فتوحية حكي. فهو لا يعنيه أصلا إلى أين سافرت وكيف ولماذا. كلّ ما في الأمر أنه يريد أن يباهي أمامنا بسفراته وجولاته في أوروبا.. كلّفته السفرة أكثر من عشرة آلاف دولار. حتى في مطعم عادي في سويسرا، انتبه في مطعم عادي وليس في مطعم فخم، كانت الوجبة العادية لكلّ العائلة تكلّف أكثر من 100 يورو!! استرسل الشابّ وهو يشرح بالتفاصيل كم كلّفته الرحلة في السفر والمبيت والأكل والسيّارة والبنزين... كان يشرح بالتفاصيل المملّة وإن كان هو نفسه يحكيها بكثير من الحماس والانبهار والافتخار.

أحضر أخي تنكتين زيت جديد وقال للشابّ: "1200 شاقل". نطّ الشابّ من مكانه كالمقروص، وقال: "الببور سعّر التنكة ب 500". بدأت المساومة بينهما عادية ورقيقة. وأنا أسمع ولا أتدخّل وأستحضرُ ما مررتُ به في موسم قطف الزيتون هذا العام وكلّ عام. والعمر من سنة إلى سنة صار يترك أثره على قدراتي الفلاحية. بدأنا بالموسم هذا العام بعد مؤتمر عرابة مباشرة واستمرّ إلى نهاية الأسبوع. كنت كلّ ليلة ما أن أضع رأسي على المخدّة حتى أرى كلّ أجدادي في القبور. أجدادي من جهة أمي وأبي. حتى أجداد جيراني صرت أراهم في القبور. كنت أنام على جنب واحد كالقتيل حتى الفجر بدون هزّ أو تهليل. والحقيقة أنني في كلّ عام بعد الموسم أتوعّد بمقاطعة الزيتون والزيت وأحلف أغلظ الأيْمان ألا ألتفت إلى شجرة زيتون أينما كانت،  ثمّ لا أتوب!

الفلاحة كار شاقّ لا يرحم. يخرج الفلاح من بيته عند الفجر ولا يعود إليه إلا بعد المغرب. لا تمنعه حرارة الشمس  ولا برودة الشتاء. لا تلهيه مشاغل الناس عن فلاحته. حتى صحّته لا تلهي الفلاح الوفيّ عن أرضه. وفي الأخير لا يجني إلا ما يتركه له التاجر الكبير من فتات. يمصّون دمه بدون مبالغات. كنت أسمع هذا الكلام من الشيوعيين وكنت أظنّ أنها شعارات. صدق الشيوعيون في هذه المسألة.. وهذا الشابّ المتبرجز صورة مصغّرة ومشوّهة لهؤلاء التجّار!!

غرقت في أفكاري للحظات ولم أنتبه إلى المساومة التي دارت بين الشابّ وأخي إلا حين ارتفع صوت أخي وهو ينظر إليّ، وليس إلى الشابّ، ويقول لي: "قول لهذا الشابّ بطلنا نبيع زيت. ومن اليوم وطالع بدّي أدهن كلّ شعر بدني بالزيتات. خلّصنا بيع!". للأمانة هو لم يقل "كلّ شعر بدني" بل قصد شعرًا في منطقة معينة في البدن من شدّة غضبه.. خرج الشابّ وهو يتمتم بكلام غير مفهوم وذيله بين ساقيه.

دعوني استسمح الفلاحين حتى أعدّل من صيغة القول المأثور. الزتون إن قطعت واطيه أو عاليه يقطع عمرك، أقصد شغله ولمّه، ويقطع النسل والباه ويكسر الظهر والرقبة ويهدّ الحَيل ويعمي العيون التي في المحاجر... وأنت أيها الشاب الغرّ لا تعنيني في سفراتك ولا مصروفاتك فهذا حقّك وشأنك. لكن عفوك، إن كنت تصرف أكثر من 100 يورو على ساندويشات تأكلها بعشر دقائق، في مطعم عادي في سويسرا، أتستكثر على فلاح أنهكه التعب 600 شاقل ثمن تنكة زيت جديد تكفيك أنت وكلّ أسرتك أكثر من ثلاثة أشهر!

عيب عليك!

(إبراهيم طه)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب

المزيد..