تقرير| غوستافو بيترو أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا: سقوط معقل اليمين الرجعي في القارة اللاتينية

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

بات غوستافو بيترو أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا، بعد حصوله أمس الأحد على 50,47% من الأصوات في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية وفقا لنتائج رسمية تشمل 99% من الأصوات التي تم فرزها. وحصل خصمه المليونير رودولفو هيرنانديز، المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، على 47,27% من الأصوات، بحسب النتائج التي نشرتها الهيئة الوطنية المكلفة بتنظيم الانتخابات.

وهذه هي المرة الثالثة التي يخوض فيها بيترو (62 عاما) انتخابات رئاسية ويرى العديد من الناشطين في ائتلافه اليساري "الميثاق التاريخي" الذي تصدر الانتخابات التشريعية في آذار الماضي، أن هذه الانتخابات ستكون فاصلة.

وكولومبيا هي دولة أخرى، من عدة دول من أمريكا اللاتينية التي تتمرد على أتباع واشنطن، وتتجه نحو أحزاب اليسار ومرشحين ذوي توجهات يسارية، لصد الهيمنة الأمريكية على المنطقة.

 

"إسرائيل أمريكا اللاتينية"

لكن نصر اليسار في كولومبيا يحمل أهمية تاريخية خاصة، وهي الدولة التي كانت تاريخيا معقل اليمين الرجعي والفاشي في القارة اللاتينية وقاعدة واشنطن الأوفى في المنطقة التي تعتبرها "باحتها الخلفية".

في آذار من عام 2008، نعت الرئيس الفنزويلي الراحل، هوغو تشافيز، الحكومة الكولومبية بـ"إسرائيل أميركا اللاتينية"، بعد أن قام جنود حكومة بوغوتا بالتوغّل في الأراضي الإكوادورية المحسوبة يومها على المحور اليساري في جنوب القارّة الأميركية. لاحقاً، عبّر الرئيس الكولومبي، خوان مانويل سانتوس، أثناء زيارته لإسرائيل عام 2013، عن أنه يفتخر بأن تقارَن بلاده بإسرائيل، وأنه يعتبر ذمّ قائد الثورة البوليفارية لدولته المُدمنة على شراء السلاح الإسرائيلي، إطراءً.

تاريخياً، يتمتع اليمين الكولومبي بنفوذ كبير، ناجم عن تماسك مؤسسات النظام والجيش ومؤسسة الكنيسة الكاثوليكية، الذي أرسى مفهوماً غير عادل لتوزيع الثروات والأراضي، مساهماً في نشوء حركات تمرّد يسارية، مثل "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك).

أما اليسار فتمّت شيطنته أيام الحرب الباردة (1947 ـ 1991)، في ظلّ موالاة السلطات الكولومبية للولايات المتحدة وحصول الحركات اليسارية على دعم الاتحاد السوفييتي وكوبا.

 

مقاتل متمرد سابق يصعد للرئاسة على رأس حركة احتجاجية

ويأتي صعود اليسار بقيادة بيترو على رأس حركة احتجاجية شعبية في عهد الرئيس الكولومبي السابق دوكي، والتي سبقتها سبقتها حملة احتجاجات بين تشرين الثاني 2019 وشباط 2020، تُطالب بالتصدي لعمليات تهريب المخدرات وأعمال العنف وتحسين أوضاع العمال، ودعم التعليم الرسمي، وحماية السكان الأصليين والمدافعين عن الحقوق، واحترام اتفاق السلام مع "فارك". وبين تشرين الأول 2018 وكانون الأول من العام عينه، اندلعت احتجاجات طلابية رافضة لرفع الدعم عن الطلاب.

ولد غوستافو بيترو، في أبريل 1960 في منطقة مستنقع الذهب التابعة لمقاطعة قرطبة في شمالي كولومبيا. سياسي وخبير اقتصادي ومناضل مشهور انتسب منذ شبابه إلى حركة "19 نيسان "، وهي فصيلٌ مقاتل شارك في الصراع الداخلي المسلح بين عامي 1974 و1990 إلى أن حلت الحركة في سياق عملية السلام. 

انطلاقته الفعلية كانت مع "حركة 19 نيسان"، التي وُلدت نتيجة للتزوير الذي شاب الانتخابات الرئاسية في عام 1970، ورفض المرشح الخاسر غوستافو روخاس بينيلّا الاعتراف بفوز ميسالي باسترانا بورّيرو.

تحولت الحركة إلى ثاني أكبر تنظيم مسلّح في كولومبيا بعد "فارك"، واشتهرت بسرقة "سيف بوليفار"، وهو سيف مؤسس كولومبيا، الملقّب بـ"محرّر أميركا الجنوبية"، سيمون بوليفار، في 17 كانون الثاني عام 1974، بغرض التأكيد على ولادة "انتفاضة مدنية ضد نظام يُنظر إليه على أنه غير عادل". وقاد "حركة 19 نيسان" العديد من السياسيين، أبرزهم كان ألفارو فياض، وهو من أصول لبنانية، الذي ساهم في تفعيل دور الحركة فكرياً وميدانياً، قبل مقتله على يد الشرطة في عام 1986. وقادت الحركة هجوماً على المحكمة العليا في بوغوتا في 6 و7 نوفمبر 1985، أدى إلى مقتل المهاجمين الـ35 جميعهم و25 قاضياً.

ثم انتسب بيترو إلى حزب التحالف الديمقراطي المنبثق من حركة "19 نيسان "، وأصبح ثاني أهم قوة سياسية في الجمعية التأسيسية عام 1991، انتخب ليكون عضواً في مجلس النواب في انتخابات العام نفسه.

شغل منصب عمدة مدينة بوغوتا بين عامي 2012 و2015. وكان قد تخرّج في جامعة كولومبيا إكسترنادو، وتخصّص بالإدارة العامة والبيئة والتنمية السكانية. يحمل شهادة الماجستير في الاقتصاد ودكتوراه في الاتجاهات الجديدة في إدارة الأعمال.

عمل ملحقاً دبلوماسياً لحقوق الإنسان في سفارة كولومبيا في بلجيكا عام 1994، وهو منصب بقي يشغله حتى عام 1996.

في عام 1998، عاد مرّة أخرى إلى مجلس النواب بتأييد من حركة "المسار البديل" التي أسسها مع أعضاء سابقين آخرين في حزب التحالف الديمقراطي، واختاره زملاؤه والصحافة الوطنية، في هذه الفترة، أفضل عضو في الكونغرس لإدانته الفساد ومناقشاته في السيطرة السياسية.

شغل منصب عضو مجلس الشيوخ عن الجمهورية بين عامي 2006 و2010، وفي تلك المرحلة كشف النقاب عمّا يسمى الفضيحة شبه السياسية، التي أظهرت صلات بين السياسيين والجماعات شبه العسكرية، وهو ما دفع إلى اختياره ليكون الشخصية السياسية لعام 2010.

ترشّح في الانتخابات الرئاسية عام 2018 عن "الحركة الكبيرة - كولومبيا الإنسانية"، وحصل على أكثر من ثمانية ملايين صوت، وبحكم قانون المعارضة، من خلال الوصول إلى ثاني أعلى عدد من الأصوات في الانتخابات الرئاسية، أصبح عضواً في مجلس الشيوخ، وهو المنصب الذي يشغله حالياً.

 

التحول تجاه فنزويلا

 

وأكد بيترو أنه في حال نجاحه في الانتخابات الرئاسية سيعيد العلاقات الدبلوماسية المقطوعة مع فنزويلا منذ عام 2019. على عكس الإدارة السابقة التي شغلت دور رأس الحربة في المعركة الأمريكية ضد القيادة الاشتراكية لفنزويلا، وكان آخر الخدمات للسيد الأمريكي عندما قبِل الرئيس الكولومبي المشرفة ولايته على الانتهاء، إيفان دوكي، بأن تكون بلاده رأس حربة محاولة خوان غوايدو الانقلابية، التي قادها رجال واشنطن على الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو.

وعلى عكس التاريخ الصدامي في ربع القرن الأخير بين كولومبيا وفنزويلا، إلا أن بترو يبدو قريباً من كاراكاس، خصوصاً أنه زار الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، حين كان مسجوناً بين عامي 1992 و1994 بسبب محاولة انقلاب فاشلة. كما انتشرت صور للرجلين وهما يقفان مع خمسة أشخاص آخرين قبالة تمثال بوليفار في بوينتي دو بوياكا، في كولومبيا.

إنهاء دور كولومبيا في عمليات زعزعة استقرار فنزويلا، وتطبيع العلاقات معها، هما من بين التوجّهات الثابتة لتحالف بيترو الـ"ميثاق التاريخي" ضمن رؤية تهدف إلى رفع العقبات أمام اندماج قاري أكبر بين بلدان أميركا اللاتينية. قيادة هذا الحزب ترى أن نجاحه في ترجمة برنامجه، منوط بتحقيق ا اندماج وإقامة فضاء اقتصادي إقليمي يتيح تطويراً للصناعة، وإعادة النظر في اتفاقيات التجارة الحرّة مع الولايات المتحدة، وأخذ أجندة دول القارة الخاصة بمكافحة الفقر والفوارق الاجتماعية والتغيّر المناخي في الحسبان.

 

كسر الحلقة الكولومبية في منظومة الهيمنة الأمريكية

ويتكلم الكاتب وليد شرارة الكاتب في صحيفة "الأخبار" اللبنانية عن صعود اليسار في كولومبيا في سياق الصعود اليساري في القارة اللاتينية: "تحوّلت كولومبيا، بفعل السياسات التي اعتمدتها قوى اليمين الحاكمة فيها لعقود طويلة، إلى ركيزة أساسية في ما اعتبرته الولايات المتحدة "حديقتها الخلفية" منذ أواخر القرن التاسع عشر. وما قد يزيد من حنق الإمبراطورية الجامحة والمنحدرة، ومن احتمال لجوئها إلى تدبير محاولة اغتيال ضدّ المرشّح بيترو، أو انقلاب ضدّه بعد فوزه، هو أن صعوده يأتي في سياق قارّي حافل بتطوّرات تسرّع انحسار هيمنتها عن أميركا اللاتينية".

وأضاف: فصمود الأنظمة الوطنية في كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا في مواجهة الحرب الهجينة التي تشنّها الولايات المتحدة عليها، معطوفاً على وصول قوى يسارية إلى السلطة في الهندوراس وبيرو والتشيلي، وترجيح عودة مرشّح حزب العمال إلى الرئاسة في البرازيل بعد الانتخابات التي ستَجري في أواخر 2022، هي بمجملها وقائع تعزّز من قدرة بلدان وسط وجنوب القارة الأميركية على الخروج من أسْر التبعية لواشنطن، وإنجاز اندماجها الإقليمي الذي طالما مثّل تطلّعاً تاريخياً لشعوبها ولقواها الوطنية.

وتابع حول الأهمية الخاصة لانتصار بيترو في كولومبيا: "ولا شكّ في أن كسر الحلقة الكولومبية" في منظومة السيطرة الأميركية، هو خطوة حاسمة في الاتجاه المذكور. وما يرسّخ هذه القناعة أيضاً هو أن برنامج حزب "الميثاق التاريخي"، الذي يقوده غوستافو بيترو، يقطع مع النموذج  النيوليبرالي داخلياً، ويدافع عن خيارات استقلالية على المستويات الإقليمية والدولية".

قد يهمّكم أيضا..
featured
الاتحادا
الاتحاد
·19 كانون ثاني/يناير

رئيس أركان جيش الاحتلال: نستعد دائما لإمكانية اندلاع حرب مفاجئة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·19 كانون ثاني/يناير

إصابة فتى برصاص الاحتلال في بلدة بيت فوريك

featured
الاتحادا
الاتحاد
·19 كانون ثاني/يناير

المغرب يعلن قبول دعوة ترامب للانضمام لـ"مجلس السلام"

featured
الاتحادا
الاتحاد
·19 كانون ثاني/يناير

بعد رد المستشارة القضائية: العليا توسّع هيئة القضاة في قضية لجنة التحقيق الرسمية

featured
الاتحادا
الاتحاد
·19 كانون ثاني/يناير

تعيين يسرائيل أيخلر من "يهدوت هتوراه" نائبًا لوزير الاتصالات

featured
الاتحادا
الاتحاد
·19 كانون ثاني/يناير

"الأونروا": البرد وغياب اللقاحات يفاقمان انتشار الأمراض في غزة إلى مستويات قياسية

featured
الاتحادا
الاتحاد
·19 كانون ثاني/يناير

بسبب إرهاب المستوطنين: تهجير قسري لـ20 أسرة من تجمع شلال العوجا

featured
الاتحادا
الاتحاد
·19 كانون ثاني/يناير

مركز "عدالة": إسرائيل تُسرّع وتيرة تمرير مشروع قانون عقوبة الإعدام