بعد أسبوع على الانتخابات البرلمانية في لبنان، لا زالت مختلف القوى السياسية حذرة في التعاطي مع النتائج التي يُجمع مراقبون أنه على الرغم مما حملته نتائج الاقتراع من تغييرات، فإن المشهد العام بقي على حاله تقريبًا في سياق الحسم، وقال مراسل وكالة "شينخوا" إن الانتخابات أسفرت عن خريطة برلمانية جديدة للقوى الحزبية والسياسية بغياب أية أكثرية وازنة لأي فريق.
ويتألف برلمان لبنان الذي ما زال محكوما بتقسيمة طائفية رجعية، كما يؤكد التقدميون اللبنانيون وأولهم الشيوعيون، من 128 نائبا مناصفة بين المسلمين والمسيحيين بواقع 34 نائبا للموارنة و27 للسنة و27 للشيعة و14 للروم الأرثوذكس و8 للروم الكاثوليك و8 للدروز و5 للأرمن الأرثوذكس ونائبين للعلويين ونائب واحد لكل من الأرمن الكاثوليك وللإنجيليين والأقليات. وتتوزع الحصص في البرلمان على المناطق، إذ يبلغ عدد النواب في جبل لبنان 35 نائبا، وفي الشمال 28 وفي الجنوب 23 وفي بيروت 19 وفي الشرق في البقاع 23 نائبا.
ويضمّ البرلمان الجديد عملياً كتلاً غير متجانسة لا يحظى أي منها بأكثرية مطلقة، بعد فوز 13 نائباً من الوجوه التي أفرزتها التحركات الاحتجاجية التي شهدها لبنان لأشهر بدءاً من 17 تشرين الأول 2019.
وقال مراقبون إن نتائج الانتخابات التي أعلنتها السلطات اللبنانية تكشف عن برلمان مشتَّت من دون أكثرية واضحة فيه، خصوصاً بعد فقدان حلفاء "حزب الله" العديد من المقاعد، ليفقدوا الأكثرية في مجلس النواب (61 نائباً من أصل 128).
وجاءت النتائج وفقا للكتل السياسية كما يلي:
حزب الله 13
حركة أمل 14
أحزاب ومستقلون حلفاء المقاومة 17
التيار الوطني الحر 18
أحزاب وشخصيات من خصوم المقاومة 14
حزب القوات اللبنانية الموالي لواشنطن وتل أبيب 18
حزب الكاتب وحلفاؤه 5
مستقلون مختلفون معروفون بقوى التغيير 13
الحزب التقدمي الاشتراكي 9
آخرون 7
وقال مراسل "بي بي سي" إن "الغائب الأساسي هو الكتلة السنية. فتلك لم تعد مجموعة سياسية أساسية واحدة كما كان عليه الأمر مع الحريري الأب ومن ثم الابن. فتيار المستقبل لم يُشارك في الانتخابات بعد إعلان رئيس الوزراء السابق سعد الحريري تعليق نشاطه السياسي. وبالنتيجة، لم يتمكن أي طرف لوحده من تحويل رصيد الحريري الشعبي إليه أو من أن يكون وريثه السياسي على الساحة السنية" على حد تعبيره.
هذا وشكر الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله كل الذين شاركوا في الانتخابات وخصوصا الذين اعطوا اصواتهم للمقاومة وحلفائها واصدقائها في كل لبنان. ورأى ان عدم مشاركة تيار المستقبل والرئيس الحريري في الانتخابات تحتاج الى مقاربة هادئة وموضوعية ومسؤولية ويبنى عليها.
واشار الى ان المقاومة وحلفاءها واصدقاءها لهم حضور قوي في المجلس النيابي، و نحن امام مجلس نيابي متكون من كتل نيابية ومستقلين ولا يوجد فريق سياسي اليوم في البلد لديه الاكثرية النيابية. وتابع لا يستطيع اي فريق ان يدعي ان الاغلبية في هذا الفريق او هذا الفريق بل نحن امام كتل سياسية ومستقلين، مشيراً الى انه قد تكون مصلحة لبنان والشعب اللبناني فيما حصل اي ان لا يحصل اي فريق على اكثرية في المجلس النيابي، لافتاً الى ان حجم الازمات الموجودة في البلد المالية والنقدية والحياتية والبطالة وارتفاع سعر الدولار وهبوط سعر الليرة اللبنانية لا يستطيع فريق ان يعالجها لوحده حتى لو حصل على اكثرية، وبما ان لا احد لديه اكثرية فبالتالي الجميع مسؤول ونتيجة الانتخابات تقول ان المنتخبين يجب ان يطالبوا بالمعالجة وانقاذ البلد معتبراً ان التخلف عن تحمل المسؤولية هو خيانة للامانة وتخلف عن الوعود التي اطلقت خلال الحملات الانتخابية.
ودعا نصرالله لتهدئة السجالات الاعلامية والسياسية وقال ان السجال لن يؤدي الى نتيجة سوى توتير البلد ولا يساعد على معالجة الاوضاع القائمة، والمطلوب ان يهدأ البلد واعطاء الاولوية للملفات التي كانت قبل الانتخابات والتي هي موضع آلام الناس وهذا لا يعالج الا بالشراكة والتعاون بمعزل عن الخصومة، كما ودعا سماحته الى الشراكة والتعاون حتى من موقع الاختلاف. وامل ان يأتي يوم ويصبح لدينا قانون انتخابي عادل ومنصف ويعبر بحق عن خيارات الشعب اللبناني، متوجهاً الى الحلفاء الذين لم يحالفهم الفوز نحن نمثلهم ونحن معهم والى جانبهم ونكمل في خدمة شعبنا وقضيتنا، وسنعمل على كل ما وعدنا به وسنحضر اکثر سواء في حضورنا بالدولة او بامكاناتنا الذاتية ولن نبخل بشيء وخصوصا على الناس التي لم تبخل لا بالصوت ولا بالدم .
ودعا رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، القوى السياسية والكتل في البرلمان المنتخب إلى حوار جدي للتأسيس من أجل الانتقال بلبنان من دولة المحاصصة الطائفية إلى الدولة المدنية. وقال بري في كلمة إن الحوار يجب أن يتناول عددا من الموضوعات "أولها نبذ خطاب الكراهية وتصنيف المواطنين"، مشددا على أنه "لا توجد طائفة تريد أن تلغي طائفة أخرى". ودعا إلى البدء في البرلمان الجديد بحوار جدي بالشراكة مع قوى المجتمع المدني من أجل إلغاء قانون الانتخابات الحالي الذي وصفه بأنه "مسيء للشراكة ويمثل وصفة سحرية لتكريس المحاصصة وتعميق الطائفية والمذهبية". واعتبر بري أنه "آن الأوان لقانون خارج القيد الطائفي وخفض سن الاقتراع لـ18 سنة وكوتا نسائية وإنشاء مجلس للشيوخ تمثل فيه الطوائف بعدالة". وشدد على ضرورة إقرار البرلمان قانون استقلالية القضاء وإقرار خطة للتعافي المالي والاقتصادي تحفظ حقوق المودعين في المصارف دون أي مساس بها. وأكد بري أهمية إنجاز كافة الاستحقاقات الدستورية في موعدها وقطع الطريق على أي محاولة لإغراق البلد أو أي سلطة في الفراغ.
أما رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي كان احتفل بفوز كتلته بما يسميه الموقع الأول في الشارع المسيحي قبل أن يتبين غير ذلك، فرأى أن التغيير الذي أفرزته الانتخابات البرلمانية الأخيرة يحتّم تغييراً في الأداء السياسي، تصبح بموجبه الدولة اللبنانية صاحبة القرار الاستراتيجي في السلم والحرب وفي السياسة الخارجية. وكعادته كرّر تهجمه على المقاومة، بما يشكل تبعيّة تامة للخطابين الإسرائيلي والأمريكي، وقال إنه "لا يمكن لأحد أن يُقدم على حرب 12 تموزجديدة أو أن ينقل صواريخ من مكان الى آخر إلا بموافقة ومعرفة الجيش اللبناني"، علمًا بأن المقاومة والجيش يعملان بتوافق لافت في لبنان.
من جهته رأى رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي، النائب السابق وليد جنبلاط، أنّ "حزب الله وحلفاءه فقدوا الأغلبية"، سائلاً في الوقت عينه "كيف ستتصرّف هذه الأغلبية بعد تشكّلها؟"، وقال إنّه "يجب ألا تأخذنا نشوة النصر، وأن ننتبه إلى أن يكون ردّنا موحداً وعقلانياً فوق العصبيات المناطقية والحزبية من كلّ نوع". وعن قول رئيس مجلس النواب نبيه بري إن معادلة الجيش والشعب والمقاومة هي التي تضمن حماية لبنان من إسرائيل، اعتبر أن "هذه المعادلة أوصلتنا إلى الأفق المسدود، وإلى هذه الازدواجية". وقال: "لا نستطيع أن نكمل تحت شعار جيش وشعب ومقاومة». ورأى أن البديل في «دولة مقاومة، وفي نهاية المطاف الدولة لديها أدوات للمقاومة".
وأقرّ جنبلاط، في حديثٍ إلى "إندبندنت عربية"، بأنّ السعودية تدعمه وتقف معه سياسيّاً، سائلاً: "ما المشكلة في ذلك؟" مشيراً إلى أنّ "الفريق الآخر تحميه إيران وسوريا".
وفي تعليق له، قال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، خالد حدادة: " هذه الانتخابات، رغم نجاح عدد من الوطنيين والديموقراطيين، الذين أكتفي بذكر عدد منهم على سبيل المثال وليس الحصر: أسامة سعد وإلياس جرادة وعبد الرحمن البزري، الذين أهنئهم جميعاً، لكنها بالمقابل أفرزت واقعاً خطيراً سيستمر معه الانهيار المالي والاقتصادي، وربما تضاف إليه مخاطر أكبر، إذ إن الانقسام الحالي يذكّر، ولو شكلاً، بأجواء سادت انتخابات الـ 1972 ومهّدت للحرب الأهلية".
وأضاف: "أوّلاً، أظهرت إلى حد كبير، ومن خلال التدخلات المباشرة وجولات السفراء على المرشحين، خطورة المشروع الأميركي على لبنان والمنطقة والدور الحاسم في رسم الأزمة الاقتصادية وتنفيذها، بالتكامل مع فساد قوى النظام الطائفي".
وقال: "ثانياً، أبرزت حدّة التعبئة المذهبية، إلى جانب المال السياسي، وبشكل خاص الدور الخطير لرجال الدين في كل الطوائف، في مساندة قوى النظام، ما يضع البلد أمام احتمالات خطيرة لن نخوض فيها الآن. وثالثاً، أكدت الانتخابات عقم النظام الحالي وانهياره سياسياً واقتصادياً، وعدم جهوزية البديل، والتأكيد أن البدائل المطروحة والممكنة هي بدائل خطيرة تتواتر مع البدائل التي يعمل لها المشروع الأميركي والتي تضع لبنان مجدداً بديلاً في الصراع (التآمر) الإقليمي وعلى أبواب حروب أهلية جديدة".
وتابع: "رابعاً، أفرزت إلى جانب الانقسام السابق مجموعة تسمى تغييرية، تحمل الشعارات ذاتها، تهمّش السعي إلى تغيير النظام الاقتصادي والسياسي، كما تهمّش هموم المواطن المعيشية وتحمل شعارات تركز على "سلاح المقاومة"، وتضع قوى "التغيير" في خانة تغيير ثوب النظام وليس النظام نفسه".


.jpeg)




