news-details
عربي وعالمي

"اللعنة على برلمانكم ودستوركم": قصة قصيرة عن الديمقراطية الأمريكية

حدث وموقف//
 

يبدو أن مساعي امريكا في قلب النظام في فنزويلا وصلت إلى طريق مسدود، والآن معركة ادارة ترامب ضد القيادة الفنزويلية وضد الرئيس المنتخب ديموقراطيا  نيكولاس مادورو تفشل بشكل خائب، رغم أن الادارة الامريكية ترفض الاعتراف بذلك. فتحت الحجة الامريكية المعروفة، الحرص على الديمقراطية، فرضت الادارة الامريكية على فنزويلا حصارًا خانقًا، مارست  البلطجة الدولية، خاضت حملة اعلامية تشويهية ضد الحكومة الفنزويلية، نفذت عدة محاولات اغتيال للرئيس ومحاولات انقلاب عسكري، دعمت المعارضة العميلة بكل ما تملك من قوة اقتصادية وسياسية واعلامية واستخباراتية، ونصبت رئيسًا من لدنها في تعالٍ وقح على قرار الشعب الفنزويلي وكل هذا بالطبع من حرصًا على الديمقراطية..

التاريخ يشهد على الحرص الأمريكي الدائم على الديمقراطية في أنحاء العالم، وقصص التدخلات الامريكية "الديمقراطية" الحريصة في دول العالم لا تُعد: انقلابات مدعومة على حكومات منتخبة، سحق لتطلعات شعبية نحو الديمقراطية، تدخلات عسكرية دموية باسم الديموقراطية. لكن ليس هناك أكثر تعبيرًا عن العقيدة الامريكية في الحرص على الديموقراطية من ادارة ليندون جونسون بفجاجتها ووقاحتها المتخلية عن كل المحاذير الدبلوماسية وعن اللغة الخادعة، وبالذات حادثته مع السفير اليوناني عام 1964 بمباشرتها وحرفيتها.

جونسون الذي خلف جون كنيدي في رئاسة الولايات المتحدة كان واضحًا  منذ تسلمه المنصب في تبنيه الكامل  لمذهب توماس مان، الديبلوماسي الامريكي المختص بامريكا اللاتينية، والذي ينص على  التعامل مع بلدان امريكا اللاتينية وفقًا لكيفية حمايتها للاستثمارات الامريكية البالغة 9 مليارات دولار، في حينه، لا بحسب مصالح شعوبها. ولم تعد الولايات المتحدة تعتمد التمييز ضد الديكتاتوريات اليمينية واعتبرت أن المساعدات العسكرية استثمارًا افضل من المساعادات الاقتصادية التي كان يعتمدها كنيدي. وكانت البرازيل، خامس أغنى بلدان العام بالماورد الطبيعية، أول من يعاني من سياسات جونسون ومذهبه، عام 1964 نفذ رئيس البرازيل جواو غولات، المنتخب ديموقراطيًا، اصلاحات اقتصادية واجتماعية تضر بالمصالح الامريكية وسعى إلى وضع تقييدات على رأس المال الأجنبي، واعترف بكوبا كاسترو المغضوب عليها أمريكيًا، وهذا ما اثار حفيظة ادارة جونسون التي لم تكن مستعدة لتحمل نموذج كوبي اخر في باحتها الخلفية.

قام جونسون اولًا بتقليص المساعدات الاقتصادية للبرازيل بنسبة حادة مما رفع نسبة التضخم لحدود غير مسبوقة، كما مولت وكالة الاستخبارات الامريكية، مسيرات كبيرة مناهضة للحكومة، ودعمت الادارة الامريكية بواسطة استخبارتها ضباطًا يمينيين في الجيش لتنفيذ انقلاب عسكري والاطاحة بالحكومة المنتخبة ديموقراطيًا، وفي غضون شهر اعتقل النظام الجديد 50 الف شخص ومارس قمعًا وحشيًا ضد كل المعارضين وفرض مناخًا قمعيًا دمويًا على البرازيل تحت أعين الادارة الامريكية الممتنة. بل ان جونسون أغدق على النظام الديكتاتوري الجديد ملياري دولار خلال الـ6 سنوات التالية من المساعادات الامريكية.

كات الخطوة التالية لجونسون هي الدومنيكان، حيث ارسل جونسون عام 1965 ، 23 ألف عسكري لسحق انتفاضة شعبية تسعى لاستعادة النظام الدستوري بعد انقلاب عسكري ضد الرئيس خوان بوش، أول رئيس منتخب ديموقراطيًا في تاريخ الدومنيكان الذي اثار باصلاحاته الاجتماعية والاقتصادية رجال الاعمال وكبار الملاك المتحالفين مع الولايات المُتحدة. فتم سحق الانتفاضة تحت البنادق الامريكية وتثبيت حكم الدكتاتورية الموالية لامريكيا والقضاء على كل المطالبين بعودة الدستور والديموقراطية، أو كما سمتهم البروباغندا الامريكية، "الموالين للشيوعية العالمية". حيث قال جونسون لمحاميه عنهم: "لا شك أنهم يسعون لتكرار نموذج كاسترو، انهم الان يتحركون إلى أماكن اخرى في نصف الكرة الارضية، وقد يكون جزءًا من نموذج شيوعي مرتبط  بفيتنام".

في اليونان حيث دعمت الولايات المتحدة حكومة يمينية متشددة  ظهر في بداية الستينات حراك شعبي وتوق شديد للديموقراطية التي شكلت اليونان مهدها الأول، أعاد الرئيس الديموقراطي جوجريوس باباندريو إلى رئاسة الوزراء في تحدٍ للمصالح الولايات المتحدة وحلفائها في اليونان، فاستدعى جونسون السفير اليوناني وقال له بالحرف: "أصغ الي يا سعادة السفير، اللعنة على برلمانكم ودستوركم! أمريكيا هي فيل! أما قبرص واليونان فمجرد براغيث، واذا استمرت هذه البراغيث بمضايقة الفيل فسيتم سحقها بواسطة الفيل". وأضاف مهددًا: "نحن ندفع الكثير من الدولارات لليونان يا سعادة السفير، واذا واصل رئيس وزرائك بمحادثتي عن الديمقراطية فهو وبرلمانه ودستوره لن يعمروا طويلاً".

وبالفعل نفذ جونسون تهديده ولم يعمروا طويلاً، اذ استولى المجلس العسكري على السلطة عام 1967 بدعم امريكي وفرض حكمًا قمعيًا مغرقًا بالتخلف والرجعية، حيث منع التنانير القصيرة والشعر الطويل والصحف الاجنبية وجعل الحضور إلى الكنيسة الزاميًا وشهد حوادث تعذيب وحشية ضد المعارضين، منها جرائم اغتصاب ضد النساء المعارضات. تحت رئاسة جورجيوس بابدلوس الذي شغل في الماضي رتبة نقيب في كتيبة أمن النازية لتعقب مقاتلي المقاومة اليونيانية ليتحول فيما بعد إلى أول عميل مسجل لوكالة الاستخبارات الامريكية يرأس دولة اوربية.

"اللعنة على برلمانكم ودستوركم!، اللعنة على ديمقراطيتكم"، هذه ليست فقط رسالة جونسون للسفير اليوناني في حينه، هذه رسالة الولايات المتحدة التاريخية لكل شعوب العالم، لكل شعب يقرر أن يأخذ قراره بيده وأن يستغل موارده من أجل تنمية نفسه لا من أجل مراكمة ربح الشركات الامريكية الكبرى. كل شعوب العالم  ما هي الا براغيث بالنسبة للفيل الامريكي لن يتوانى عن سحقها تحت قدمه اذا ضايقته بديمقراطيتها الحقيقية، بتوقها نحو التحرر. لكن "البرغوث" الفنزويلي العصي على السحق، اليومَ يقض مضجع الفيل العائد الى واشنطن خائبًا واضعًا ذيله بين قدميه، ويقول لادارة ترامب: اللعنة عليكم أنتم، وعلى مصالحكم الامبريالية.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب

المزيد..