كشفت سلطات الأمن السيبراني الصينية مؤخرًا عن عملية تجسس استثنائية قامت بها وكالة "الأمن القومي الأمريكية"، تمكّنت خلالها الوكالة من اختراق "الساعة المركزية" للصين – أي المركز الوطني للوقت، الذي تعتمد عليه جميع أنظمة الملاحة والاتصالات المدنية والعسكرية في البلاد. ووفقًا للباحثين في بكين، فإن الوكالة الأمريكية لم تكتفِ بمراقبة المركز، بل زرعت قدرات تقنية تمكّن واشنطن من شلّ عمله كليًا.
ويُعد المركز الوطني للخدمات الزمنية العمود الفقري غير المرئي للصين الحديثة، التي لا تعتمد على البنى التحتية الغربية وتعمل وفق منطقة زمنية مستقلة. يقوم المركز بإنتاج وبثّ "توقيت بكين"، ويرسل إشارات تزامن بدقة النانو ثانية تُستخدم في تشغيل أنظمة الملاحة والكهرباء والاتصالات، وكذلك في أنظمة الصواريخ العسكرية. وأيّ خلل في نظام التوقيت هذا قد يؤدي إلى انهيار الأقمار الصناعية وشبكات الطاقة والاتصالات.
في تقرير مطوّل من نحو ثلاثين صفحة نُشر قبل أسبوع، كشفت بكين جميع تفاصيل العملية، وبذلك أبطلت فعاليتها. يصف التقرير الأدوات التي طوّرها الأمريكيون للوصول إلى النظام، ويتضمّن تفاصيل تقنية على مستوى الشيفرات البرمجية.
وبدأت العملية في آذار/مارس 2022، عندما استغل الأمريكيون ثغرات في خدمات المراسلة على الهواتف الذكية غير الصينية الصنع لاختراق أجهزة نحو عشرة موظفين في مركز الوقت. ومن خلال ذلك، سرقوا بيانات الدخول وحصلوا على وصول عن بُعد إلى حواسيب المركز. ثم اتسع نطاق البنية التي زرعتها وكالة "الأمن القومي الأمريكي" بشكل كبير بين آب/أغسطس 2023 وحزيران/يونيو 2024، إذ زرعت ثلاث برمجيات خبيثة متطورة في الأنظمة الصينية، تعمل معًا بطريقة مشفرة تجعل اكتشافها في غاية الصعوبة.
وقد استخدمت وحدة الهجمات السيبرانية في وكالة "الأمن القومي الأمريكي" أساليب مشابهة ضد روسيا، في عملية كشفتها شركة الأمن الروسية كاسبرسكي في كانون الأول/ديسمبر 2023. وقد أُطلق على تلك العملية اسم "Triangulation" (المثلثية)، حيث استُغلت سلسلة ثغرات في أجهزة الآيفون لتحويلها إلى أدوات تجسس، واستهدفت دبلوماسيين وباحثين حول العالم. وتشير التسريبات الجديدة إلى أن قدرات الوكالة الأمريكية في استغلال الأنظمة الخلوية توسعت أكثر، وباتت تهدد البنى التحتية الحيوية.
وتُعد الفضيحة الأخيرة التي كشفتها الصين أحدث حلقة في حرب إلكترونية متبادلة بين القوتين العظميين. فخلال السنوات الثلاث الأخيرة، كُشف عن هجمات متبادلة، بما في ذلك عمليات تأثير وتضليل رقمية، في تصعيد ملحوظ منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
واتهمت واشنطن مؤخرًا، قراصنة صينيين باختراق بيانات شركات اتصالات أمريكية للتنصت على المكالمات والرسائل، بما في ذلك الخاصة بمسؤولين حكوميين ومرشحين رئاسيين. وفي عملية أخرى، تمكن قراصنة صينيون من التغلغل لسنوات في شبكات حيوية، بهدف تعطيل أنظمة الاتصالات والطاقة في حال وقوع مواجهة عسكرية، بحسب مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI).
من جانبها، نشرت الصين قائمة طويلة من العمليات الأمريكية التي كشفتها، تضمنت اختراق شبكة رصد الزلازل الوطنية، والتسلل إلى أنظمة أبحاث الطيران والفضاء في إحدى الجامعات الكبرى، والتجسس على دورة الألعاب الأولمبية الشتوية. وفي خطوة غير مسبوقة، أعلنت السلطات الصينية في نيسان/أبريل الماضي علنًا عن أسماء ثلاثة من قراصنة "وكالة الأمن القومي"، وعرضت مكافآت مالية مقابل اعتقالهم، مكرّرة بذلك الأساليب نفسها التي استخدمها الأمريكيون ضدها.

.jpeg)



