news
فن وثقافة

أدائية "النمس" والسخرية الموجعة مسرحيا

* العرض المسرحي "النمس" ينتمي إلى فن الأداء التجريبي بامتياز، لا إلى فن التمثيل التقليدي *

 من عروض مهرجان المسرح العربي في دورته الثانية عشرة هي مسرحية "النمس" المعدة عن رواية "هوت ماروك" للكاتب المغربي ياسين عدنان، ولقد قام بمسرحة الرواية عبدالإله بنهدار، وإخراج أمين ناسور ومن إنتاج فرقة المسرح المفتوح 2019 . 
ينتمي هذا العرض المسرحي إلى فن الأداء التجريبي بامتياز، لا إلى فن التمثيل التقليدي، كونه ارتكز على جماعية أدائية مبهرة كانت هي بطل هذا العرض ففيها من الابتكار الشيء الكثير، إلى جانب أن هذه الأدائية الجماعية قدمت لنا "الممثل الشامل" الذي جسده أبطال العرض جميعهم حين قدموا لنا الأداء التجريبي بجانب الغناء والرقص والعزف والحركة البهلوانية ببراعة احترافية كانت تتصدرها الدهشة على طول زمن العرض الذي مر بسرعة خاطفة برغم من أن زمنه 90 دقيقة. 
كثيرا ما يلجأ بعض الكتاب إلى إعداد نص مسرحي ما عن مصدر أو مصادر أدبية روائية وقصصية أو شعرية ويقومون بمسرحته بغية الخروج بسيناريو مسرحي جديد اقتضاه الدافع الإبداعي المرتكن إلى ذاتية المعد نفسه وانتمائه للمصدر الأصل، لكن المادة المعدة هنا تتنوع بمستوياتها الإبداعية فهي إما أن تكون بأقل من مستوى النص الأصل أو تسعى لمستواه، وأحيانا – وهذه قل ما تحدث – تكون بمستوى يفوق النص الأصل إبداعيا، وهذه الأخيرة – برأينا – تمثلت في إعداد سيناريو نص "النمس" المسرحي والذي أضفت عليه الرؤية الإخراجية مستويات أخرى إبداعية زلزلت فيه كيانه الجمالي وبدهشة مسرحية إيقاعية منسجمة ومتناغمة بتحولاتها البصرية والسمعية هيمنت علينا طيلة زمن العرض. 
السخرية ليست منهجا أو أسلوبا سهلا يلجأ إلى طابعه المخرج المسرحي أو يتورط في استسهال الركون إليه ليقع في فخ الكوميديا المفتعلة، ولهذا كان المخرج هنا في عرض "النمس" قد لجأ إلى تأثيث سخريته تقنيا وأدائيا إيمانا منه بأن هذا النص الممسرح بمتنه الحكائي المرتبط بسيرة حياة موجعة لمواطن لا يعرف لحياته بداية أو نهاية، لا ينفع معه، إلا رؤية مسرحية تتواشج وعالمه، فهو قد تسلل إلينا دراميا هنا من أوراق متن روائي مفعم بوجع ساخر هو الآخر، إلى فضاء مسرحي ليقدم سيرته مجموعة من المجانين بحسب قوله وهو لا يعلم كيف سيقدموه؟ 
ولأن رؤية المخرج قد اتفقت مع بطل الرواية الأصل بوصفه الراوي العليم، في أن طريق نجاتهما "السخرية" ولا حل سواها، ليقفا معا "المخرج والنمس" بوجه الظلم والتعسف والاضطهاد والفوضى والعوز والجوع والعنف وجميع مظاهر السلطة الجائرة الذي يحيط بعوالمهما الحياتية المعيشة، مسرحيا وروائيا. 
ولأن المسرح هو فن الابتكار، فقد جاء عرض النمس مبتكرا (بفتح الكاف) لا على صعيد عنصر واحد من عناصر العرض بل على صعيد جميع عناصره التقنية والسينوغرافية والأدائية والإخراجية، جاءت مشاهده المتعددة كأنها نصب نحتية برع المخرج في نحتها وأسبر جهده الإخراجي في عمق ذاته ونبضه الروحي في كل جزيئة حركية وصورية وصوتية، ليصوغ لنا دراميا سيرة مواطن حمل لقب "النمس" كما في الرواية، وكما جاء في بروجرام العرض، يجد نفسه هذا النمس (بعد سنوات الجامعة وحصوله على شهادة الإجازة عاطلا عن العمل، فيعمل في سيبر الفضاء الأزرق أو الشبكة العنكبوتية، وعبره يحاول أن ينتصر في معاركه الحياتية افتراضيا والتي كان منهزما فيها دوما وواقعيا. كان متنفس النمس فضاء الإنترنت يفرغ فيه جميع مكبوتاته تحت اسم مستعار وكذلك الشخصيات المحيطة به). هذا الانغماس في هذه الحدوتة وتبنيها إخراجيا بفضاء سينواغرافي يليق بها، إذ جاءنا بتأثيث منظري بسيط للوهلة الأولى، لكنه كان عميقا في دلالاته وتحولاته وتوظيفاته الجمالية المتفاعلة مع فكرة كل مشهد منفصل بفكرته وشخصياته المتناسقة بألفتها مع بعضها البعض، وتمكنها واسترخائها الذائب في الحرفية الأدائية الشاملة. 
لم يغفل المخرج المرجعيات التاريخية والتراثية لبيئة هذا "النمس" البطل الكاظم جوعه ومراراته مما حوله، فراح يلاقح عرضه بفرجة مغربية تراثية نابعة من حارات وبيوتات بيئة النمس، فجاءت الأزياء والملحقات المسرحية والآلات الموسيقية والغناء والرقص بشكلها التراثي لتشكل لنا محطات عرض منوعة وإيقاعية منضوية ومتن خطاب العرض، ساردة لنا فلسفة العرض وبريقه الافتراضي الذي امتلك جميع مسوغات الاقناع لدى التلقي وصولا إلى التفاعل مع بنية هذا العرض والانتعاش به، ليظل محفورا في ذاكرة التلقي وبجدارة، فلا يتشبه بتلك العروض التي ننساها لحظة مغادرتنا صالة العرض. 
المؤدون وهم أبطال هذا العرض تنافسوا فيما بينهم في تتمة بعضهم البعض أدائيا وفق انسجام جماعي حميمي مبتكر هو الآخر لأن ركيزته الأساس هو الحب دون سواه. 
وأخيرا .. نقول إن هناك بعض المقولات أو الطروحات التي نرددها كمسرحيين لكننا لا نقبض عليها دائما في أي عرض مسرحي، لكنني أزعم أنني قبضت عليها هنا في هذا العرض لأنها تحققت فيه وتوافرت بتجويد عال، وهذه المقولات هي: أولا – المسرح فن الابتكار، ثانيا – المسرح إبداع جماعي، ثالثا – لا نجومية في المسرح الذي نطمح إليه أو الذي ينبغي أن يكون أو ذاك الذي نراه في أحلامنا أحيانا. تحقق كل ذلك لأننا كنا إزاء عقل إخراجي واعد تفرد في بسط نفوذه الفكري والجمالي على خطاب عرضه وبتفوق لا يختلف عليه أحد، وحقق لنا الدهشة المسرحية التي لا يختلف عليها أحد أيضا. 
أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب