الاعتراف للغرب بالريادة الحضارية هي من البديهيات التي لا يناقش فيها إلا الذين يريدون طمس رؤوسهم في الرمل
يقولون أن الفكر العلماني فكر ناقص غير مكتمل! أقول أن خير ما هو موجود في هذا الفكر هو نقصانه وعدم اكتماله!
النقص هو الحامل الأقوى لهذا المبدأ وهو الفلسفة التي يعمى عنها أصحاب المقدس الثابت، الصالح لكل زمان ومكان والذي لا يأتيه الباطل من فوقه ولا من تحته ولا حتى من وسطه و إن كان حديثا صحيحا يوصينا فيه ناقل الصحيح بشرب بول البعير الشافي بقدرة الله تعالى، ولتذهب حينها جميع الفتوحات والنظريات الطبية (صنيعة العلمانية الماسونية الصهيونية الامبريالية. .. الخ) إلى الجحيم؟
هذا النقص هو الذي يحدو بنا نحو العمل والجد الاجتهاد لمواجهة المتغيرات، ويبعث في مداركنا فسحة تستوعب كل الأفكار المطروحة مع قابلية النقاش والحوار بشأنها وصولا إلى الأفضل (النسبي) في حدود "الزمكان" مسرح هذا الحوار والنقاش.
ومخطئ من يقول أن العلمنة وقاعدة فصل الدين عن الدولة تعني إقصاء للفكر الديني ومعتنقيها،و من يحاول أن يروج لمثل هذا الفكرة إنما يمارس بروباغاندا إعلامية رخيصة تنافي جوهر هذا المبدأ الذي إنما يقول برفع الوصاية الدينية عن الفكر وإفساح المجال للحرية الفردية في حدها المنضبط وفتح المجال للدولة المدنية كتجربة إنسانية ناقصة تحتاج معها إلى الاجتهاد دوما لمواجهة كل ما هو متغير والذي (أي التغيير) يشكل أساس فلسفة الحياة برمتها!
وبهذا المعنى فإن الفكر العلماني ليس إيديولوجية أو مذهبا فكريا أو ما شابه، إنما هو مدخل نلج من خلاله بستان إبداع الفكر والعقل البشري بحيث يتعين علينا ألا نقيده أي هذا العقل برؤى وقوالب مسبقة ونترك للعقل الجمعي أي يختار السبيل الأمثل نحو انسجامه الكلي بالنظام الذي يرتأيه هو بعيدا عن السدود المنيعة التي رفعت ضمن هيكله على مدى مئات السنين، حتى وإن أدى هذا الاختيار إلى جلب أصحاب الفكر الديني إلى المسرح (بهذا نفند تهمتهم الشهيرة لنا بالإقصاء) وحينها يتحمل الشعب نتائج خياراته، وإن اكتشف فيما بعض انه أخطا الاختيار وأراد أن ينتقل إلى نظام أخر وفكر أخر أكثر ملاءمة ألا يواجه بلا ديمقراطية الفكر الديني وألا يشهر حينها أصحاب الفكر الديني بنصوصهم المقدسة في وجوهنا وألا يضطرونا إلى أن نرد على تلك النصوص التي اثبت واقع الحال أنها هشة أمام كل نقد موضوعي.
انه سوق الأفكار الذي ننادي به هذا السوق الذي يحكمه مبدأ العرض والطلب مبدأ يعطيني الحق أن آخذ ما يناسبني في فترة ما كما يعطيني الحق أن أبدل ما لدي بآخر أكثر تماشيا مع روح العصر في فترة أخرى، لا وصاية لأحد علي في ذلك.
يذهب بعض العقائديين المتسلطين بعيدا في إلصاق تهم غريبة بالعلمنة والعلمانيين فيها الكثير من التجني والافتراء دأبهم في ذلك تشويه صورتهما إيغالا منهم في تغييب محاولات إعمال العقل في زمن وجوب إعمال العقل.
كأن يتهموا العلماني بالإلحاد أو بالتغريب أو بمحاولة إقصاء الدين وغير ذلك من التهم الجزافية التي لا سند لها مدعين احتكارهم للحقيقة يشهرون في وجوهنا النص الديني واضعين هذا النص في مواجهة غير عادلة مع فتوحات العصر الفكرية والعلمية.
إن الإقرار بالحالة الحضارية التي يعيشها الغرب لهي واجب أخلاقي بالدرجة الأولى، والاعتراف لهذا الغرب بالريادة الحضارية هي من البديهيات التي لا يناقش فيها إلا الذين يريدون طمس رؤوسهم في الرمل، وما المثالب التي تشوب الحالة الديمقراطية والعلمانية في هذا البلد أو ذاك والتي يحاول البعض أن يسوقها كعنصر إدانة للتجربة العلمانية الديمقراطية، ما هي إلا نقطة ايجابية تسجل لهم وليست عليهم ودليل على النقص الذي أشرت إليه آنفا، الداعي للعمل والاجتهاد.
وهم بكل الأحوال لا يدعون الكمال في فكرهم وتجربتهم كما يحاول أن يقدم السلفيون أنفسهم لنا وهذه المثالب هي من قبيل الاستثناءات التي تثبت القاعدة ولا تنفيها، كما أن حالة الإقرار لهذا الغرب برياديته في هذا المجال ليس اتجاها تغريبيا منا إنما اعتراف بمأزقنا الحضاري والذي ( أي هذا الاعتراف ) أول مرحلة من مراحل حل المشكلة.
يعيبون على العلماني رفضه الأفكار الدينية، ويأخذون هذا الرفض منطلقا لاتهامه بمحاولات الإقصاء والقضاء على الدين وقمع هذا الفكر ! وهذا غير صحيح.
ذلك أنه من حقي ألا أتقبل فكرك أو حتى أن أرفضه وهذا مبدأ ديمقراطي عريق، ولكنني أدفع حياتي ثمنا لتعبر عن رأيك في إطار الحالة الديمقراطية الفكرية، وليأخذ الناس حينها ما يرونه مناسبا لهم.
كما أن مبدأ فصل الدين عن الدولة ليس مبدأ إقصائيا كما يريد البعض أن يوهمنا بذلك إنما هو رفض للقالب الذي يريد البعض أن يضعنا فيه مسبقا.
نعم أوافق الآخرين أن العلمانية ليست وصفة سحرية، كما ليس بالضرورة أن نلج الحداثة بمجرد اعتمادنا هذا المبدأ، وأكثر من ذلك أنها بغياب المبدأ الديمقراطي، لا تعدو كونها وسيلة من وسائل الاستبداد الفكري.
وربما هذا هو سبب تخلف الدول التي أخذت بالمبدأ العلماني دون الديمقراطي.
وإذا أردنا الحديث عن وصفة سحرية للتقدم والتطور، فأنا أدعي أن هذه الوصفة هي اجتماع الصنوين (العلمنة والديمقراطية) ولاحظوا أنني قد فرقت هنا بين الحالة العلمانية والحالة الديمقراطية، إذ ليس بالضرورة إن وجدت الأولى أن توجد الأخرى أيضا، وبغياب جوهر هذين الصنوين في أي مجتمع، لا بد حينها أن نقرأ عليه السلام.
أعزائي أصحاب الفكر الدين السياسي، دعونا نقر لبعضنا حق الاختلاف من حيث المبدأ، حتى وإن لم نقبل أفكار بعضنا البعض، ودعونا ألا ندعي احتكار الحقيقة، ذلك أن مجرد أن يدعي أحدهم هذا الاحتكار حتى يبدأ سيل الدماء بالجريان.
* كاتب سوري
