يشهد عالمنا اليوم تحولات جذرية في وسائل الانتاج، واساليب التوزيع، وانماط الاستهلاك، كما ان الوعي الفردي والاجتماعي قد وصل الى مراحل، قلّت فيها نسبيا اهمية المحفزات الاقتصادية المحضة – اضافة الى ذلك فان انفتاح العالم على بعضه – معلوماتيا قد قلل من وسائل احتكار المعرفة، والتي تعد المقوّم الاساسي لاي نهضة، وهذا ما جعل التنافس الاقتصادي المعاصر يعتمد اكثر فاكثر عليها.
لا شك ان مثل هذه الامور تتطلب نظرة تقييمية عميقة الى الاستراتيجيات الحالية للتنمية او التطور البشري والاجتماعي والاقتصادي – لانه حتى الآن نرى بان التركيز منصبّ على امور كلية، مثل اعادة هيكلة الاقتصاد، او تطوير المورد البشري، او تطوير المؤسسات باعادة تشكيل هياكلها وتوزيع صلاحياتها، ومن ثم تطوير نظام المحفزات والروادع فيها، وكذلك الاهتمام باختيار استراتيجيات كلية من بين الاستراتيجيات المطروحة، وتحديد آليات لتنفيذها.
امور مهمة، مما لا شك فيه! ولكن! ومن خلال نظرة ثاقبة، نرى ان طبيعة التغييرات اليوم تستدعي التركيز والاهتمام على جوانب اساسية اخرى، والتي يتصدر سلّم اولوياتها اولا، الثقافة ومن بعدها تجسير الفجوة المعرفية، والتناغم بين الكل والجزء – ومن الضروري الانتباه بان الاهتمام بها، ليس من حيث كونها تمثل استراتيجية بديلة، وانما من حيث كونها آلية تخلق تواصلا فاعلا وعمليا بين أي استراتيجية وبين النتائج المطلوبة منها...
وهنا يجب ان نسارع ونقول: انه لا ثراء للفكر البشري الا باستثمار النوع الانساني والفروق الفردية – فلا نماء لاي مجتمع الا بتنمية قدرات الانسان، وفتح كل المجالات لقابلياته العظيمة حتى تأخذ اقصى المدى في الاشراق والتفتح والنماء...
نتوقف عند هذا الحد من سرد الحقائق، لنتيح لسؤال مصيري ان يطرح نفسه، بكل ثقله علينا – أين نحن كعرب من مسيرة هذا النماء؟!
ولكي لا نبتعد عن كبد الحقيقة، يجب ان نجلس على كرسي الاعتراف امام حاضرنا ومستقبلنا، ونبوح باعلى صوتنا باننا لما نزل نعيش الالم والمرارة بسبب تخلّف مجتمعاتنا العربية، على الرغم من مساحات النور في اكثر من موقع واكثر من مكان.
ولان تنمياتنا كعرب تواجه تحديات على مستويات متعددة، سواء من الظروف التاريخية، الى طبيعة المصالح التي يجب اعادة صياغتها، الى نقص الموارد البشرية والقدرات الابداعية، الى محدودية المعرفة اللازمة للتنمية...
أقول صباح النماء لمن سيكسر كل القيود، ليحرر طاقات البناء فينا ويقهر طاقات الهدم، كي يواصل مشروعنا النهضوي الشامل انطلاقته التي يقودها العربي الذي يحرص على المعرفة، ويهتم بالمهارة الخلاقة المبدعة، ويلتزم باداء المسؤوليات – لنكون جديرين حقا بتحية الشعوب الحرة لنا، مجتمعا اخلاقيا قادرا على ادارة نفسه بالعلم والمهارة والانفتاح...
