news-details

أيّهما الاسم وأيّهما الخبر؟

 

 

 

مقدّمة:

"منذ أن بدأ الإنسان رحلاته على سطح الأرض سعيًا وراء رزقه مرّ نشاطه الاقتصادي بعدّة مراحل، كانت أوّلها مرحلة الاكتفاء الذاتي". هذا بعض ما ورد في امتحان البجروت في اللغة العربية. اتصل بي بعض الأصدقاء والزملاء من مصحّحي الامتحان يسألون. بعضهم يسأل: أين اسم كان وأين خبرها في الجملة الأخيرة؟ وبعضهم الآخر يسأل حصرًا عن لفظة "أوّلها"، أهي اسم كان أم خبرها؟ وبعضهم صاغ سؤاله على نحو ثالث: أيجوز أن تكون "أوّلها" خبرًا مقدّمًا أيضًا إضافة إلى كونها اسمًا لكان؟ ثلاث صياغات مختلفة. ثلاثة أسئلة مختلفة بالضرورة.  

ما وجه "الالتباس" في تركيب هذه الجملة، أو في بنيتها الشكلية التركيبية، حتى أربك بعضًا من مصحّحي الامتحان في هذه المسألة؟ أظنّ، ظنًا قد يرتقي إلى مرتبة اليقين، أنّ وجه الاختلاف والخلاف بين المصحّحين الزملاء مردود إلى ركون بعضهم إلى الجانب التركيبي النحوي الشكلي/البنيوي وإغفال المنطق السيميائي الذي نهض عليه الإعراب في النحو العربي أصلا. وهذه هو نفسه وجه الاختلاف والخلاف بين السلف من النحاة أنفسهم... في كتابي الجديد، الذي سيصدر قريبًا عن مجمع اللغة العربية، فصلٌ عن سيميائية الإعراب في النحو العربي. ولذلك سأعفي نفسي من مقدّمة في هذا الشأن.

 

ملخّص ما قاله النحاة في هذه المسألة:

والآن، ماذا يقول النحاة في جملة إسمية، مع النواسخ أو بدونها، كان فيها المبتدأ/الاسم والخبر معرفتين؟ قراءة متأنّية ومضنية في كتب النحو بدءًا بكتاب سيبويه وانتهاءً عند بعض المحدثين والمعاصرين أوصلتني بعد جهد إلى خمس حالات مركزية متعانقة في هذه المسألة. أو على أقلّ تقدير هذا تلخيصي لمجمل ما قرأته، وهو ليس بقليل:

  1. الأصل أن يكون المتقدّم فيها هو المبتدأ/الاسم. وهذا ما قاله سيبويه في الكتاب ونقله عنه كثيرون بعده باعتبار منطق الجملة التراتبي التي تبدأ بمبتدأ/اسم يُخبَر عنه. ومن هذا الأصل تتفرّع الفروع.
  2. حسب درجة التعريف. الأعرف هو المبتدأ/الاسم، والآخر الأقلّ معرفةً هو الخبر. وإن تساويا في درجة المعرفة  فالأسبق منهما هو المبتدأ بحكم ترتيبه في موضع الجملة. إذًا، درجة التعريف هي ما يحدّد هويّة المبتدأ/الاسم والخبر. ومن يحدّد درجة التعريف إن لم يكن المخاطَب نفسه/القارئ في حالتنا نحن؟ فإن علم المخاطَب أيّهما أعرف فالأعرف هو المبتدأ/الاسم، والأقلّ معرفة هو الخبر.
  3. الأعمّ هو الخبر حتى وإن تقدّم. عمومًا، الأعمّ في المعنى ينبغي أن يكون الخبر. مرّة أخرى، لطاقته الإخبارية أو الوصفية أو المعلوماتية التي يمنحها للمبتدأ/الاسم. فإن قلت مثلا: صديقي زيد، قلت إنّ الصداقة تخبر عن زيد. أي جعلتها خبرًا لزيد لأنّ الصداقة في معانيها أعمّ من اسم زيد وهو اسم خاصّ بفرد. فللصداقة معانٍ كثيرة وإيحاءات وظلال. وجاز طبعًا أن تكون صديقي مبتدأ/اسمًا مثلما سنوضّح لاحقًا.
  4. الوصف هو الخبر. إذا كان أحد ركني الجملة وصفًا، أو موصولا بالوصف كالمشتقّات مثلا، فهو الخبر. وهذه هي وظيفته أصلا. الأصل أن يتقدّم المبتدأ ويتأخّر الخبر، وذلك لأنّ الخبر وصفٌ للمبتدأ في المعنى فاستحقّ التأخير كالوصف. مثلما يقول ابن عقيل. أو كما يقول المبرّد: الخبر في جملة النواسخ بمنزلة المفعول، والمفعول لاحق والفاعل سابق.    
  5. يجوز التقديم والتأخير إذا لم يحصل بذلك لبس أو ضرر، أعني من التقديم والتأخير، فجاز أن تقول: "كان القائمَ زيدٌ". إذا وضحت الجملة في معناها وعرفنا من هو القائم ومن هو زيد ولم تلتبس على المخاطَب فلا بأس من التقديم أو التأخير. وفي ذلك يقول ابن مالك في ألفيّته: "الأصلُ في الأخبار أن تؤخّرا/وجوّزوا التقديم إذ لا ضررا".

 

كلّ حالة من الحالات الخمس تستحقّ دراسة كاملة ومستقلّة ومسهبة. وعنها كتب الأولون والآخرون أطنانًا من الدراسات العميقة والركيكة على حدّ سواء. كان بعضها أصيلا وبعضها منقولا. ابن هشام الأنصاري، بحسّه النحوي العميق والمتقدّم، يلخصّ المسألة في كتابه "المغني اللبيب" في بابين متتاليين: "ما يعرف به المبتدأ من الخبر" و" ما يعرف به الاسم من الخبر". فيهما يتعرّض بإيجاز إلى كيفية التمييز بين المبتدأ/الاسم والخبر. ومن بين الحالات التي يذكرها إذا كانا معرفتين. وإذا كانا معرفتين فتجوز فيهما ثلاثة خيارات. يقول ابن هشام ما معناه:

  1. إذا كان المبتدأ/الاسم والخبر معرفتين قد تساوت رتبتهما، نحو قولك: "الله ربّنا"، أو اختلفت، نحو قولك: "زيدٌ الفاضلُ" أو  "الفاضلُ زيدٌ"، فالمبتدأ/الاسم هو السابق والخبر هو اللاحق في كلّ هذه الأمثلة.
  2. يجوز تقدير كلّ منهما مبتدأ وخبرًا مطلقًا. فإن كان أحدهما أعرف من الآخر فالمبتدأ/الاسم هو الأعرف، فتقول: "كان زيدٌ القائمَ"، لمن كان قد سمع بـ "زيد" وعرفه. وإن كان لا يعرفه ولم يسمع به جاز أن تقول: "كان القائمُ زيدًا".
  3. إذا كان أحدهما مشتقًّا فهو الخبر وإن تقدّم، نحو  قولك: "كان القائمَ زيدٌ". والمنطق الذي يؤسّس عليه ابن هشام قوله هذا أنّ الاسم "زيد" أعرَفُ و"القائم" جاءت لتخبر عنه بالوصف. وكلمة "أوّلها" اسم تفضيل مشتقّة من الفعل "أَوِلَ"، معناها الأسبق ضدّ الآخِر، وأصلها  أوأل، مثلما يقول الفيروزآبادي في القاموس المحيط.  

 

التسويغ السيميائي:

 تأسيسًا على ما قيل، يجوز الجواز  في التقديم والتأخير إذا انتفى وجوب الوجوب. ومتى ينتفي الوجوب؟ إذا لم يكن هناك "ضررٌ" أو "مانعٌ" نحوي تركيبي شكلي. وما معنى قولهم " إذا لم يكن هناك "ضررٌ" أو "مانعٌ"؟ عن ايّ ضرر أو مانع يتحدّثون؟  إذا جاز الجواز، بانتفاء الوجوب، فما هي مسوّغات الجواز؟ وإذا كنا نقول إنّ انتفاء الوجوب ناتج عن غياب الضرر أو المانع النحوي التركيبي الشكلي فمعنى ذلك أنّ قواعد النحو لا تصرّ على حالة واحدة قاطعة وملزمة. وهكذا إذًا انحصرت مسوّغات الجواز في الدائرة السيميائية، أي في المعاني التي تؤدّيها كلّ حالة من الحالات الجائزة. المسألة بإيجاز ينبغي أن تبدأ بالنظر إلى المعنى قبل المبنى، إلى الوظيفة قبل الذات، إلى المضمون قبل الشكل. غير أنّ المنطق السيميائي لا يفصل بينهما. فإذا تحدّثنا عن المعنى فلا بدّ أن نوصله بالمبنى وأن نسوّغه في علاقته بالمبنى. هذا هو المنطق العلاماتي. وهذا بالضبط ما يحتاج إلى بيان.

بالعودة إلى تلك الفقرة: "منذ أن بدأ الإنسان رحلاته على سطح الأرض سعيًا وراء رزقه مرّ نشاطه الاقتصادي بعدّة مراحل، كانت أوّلها مرحلة الاكتفاء الذاتي"، يجوز أن تقول: كانت أوّلَها مرحلةُ الاكتفاء الذاتي. ويجوز أيضًا أن تقول: كانت أوّلُها مرحلةَ الاكتفاء الذاتي. وجاز أن نقول: كانت مرحلةُ الاكتفاء الذاتي أوّلَها. ثلاث صياغات وثلاثة معانٍ أو دلالات. كلّ تغيير، من باب التقديم والتأخير أو من غيره، لا بدّ أن يجرّ تغييرًا في المعنى وإن كان ضئيلا ومحدودًا للغاية. الانشغال بالحالات الأصلية أو الفرعية للظاهرة النحوية، كهذه التي نحن بصددها الآن، والغوص في تفاصيلها وتفريعاتها وتراكم الكلام المنقول فيها أنسى بعضهم ماهيّة الإعراب في النحو العربي ومنطقه الوظيفي الذي لا يُقارَب، ولا ينبغي أن يُقارَب، إلا بأدوات سيميائية. لقد انتبهت طائفةٌ من الأولين إلى القيمة الدلاليـة التـي تتـأتّى فـي التركيب من اختلاف الترتيب. وعلى رأسهم البلاغيون. أولهم الجرجاني في "دلائل الإعجاز". واجبنا اليوم الانحياز إلى هذه الطائفة التي تنظر إلى القيمة الدلاليـة التـي تتـأتّى فـي التركيب من اختلاف الترتيب. والنظر إلى النحو من هذه الزاوية يعني الربط بين الموقع الإعرابي والمعنى. هذا الذي يسمّونه النحو الوظيفي، والذي يردّده بعضهم دون أن يدركوا عمق المصطلح وكيف نناقشه بأدوات إجرائية عملية. على هذا الأساس فقط يمكننا تفسير العلاقة بين الموقع الإعرابي (كالمبتدأ والخبر) وبين الحالة الإعرابية (كالرفع والنصب) وبين العلامة الإعرابية (كالضمّ والفتح). إذا قلت إنّ لفظة "أوّلها" هي اسم كان أو خبرها فأنت تحدّد موقعها الإعرابي. وإن حدّدت موقعها فلا بدّ من تسويغ تركيبي شكلي يأخذ بعين الاعتبار المعنى الناتج عن هذا الموقع. وبعدها فقط يمكنك الانتقال إلى الحالة والعلامة. هذا ما فعلته في مقالات عديدة وهذا ما أجمله في كتابي المرتقب.

إذا جوّزنا ثلاث حالات في جملة " كانت أوّلها مرحلة الاكتفاء الذاتي"، لغياب الموانع النحوية التركيبية الشكلية على النحو الذي تقدّم، فمعنى ذلك أنّ كلّ حالة منها تحمل معنى مختلفًا بالضرورة حتى وإن كان محدودًا. وهو ليس محصورًا بمعاني القيمة والأهميّة التي قد يفرزها التقديم والتأخير، كما يقول الجرجاني عاتبًا على سيبويه. وهكذا يظلّ السؤال إذًا قل لي ما المعنى الذي تريده حتى أختار الحالة التي تلائمه من بين هذه الحالات الثلاث! وكلّها جائزة.

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب