news-details

البوسطجي | سهيل عطاالله

المصدر في النحو العربي صيغة اسمية تدلّ على الحدَث.. كلمة (سَعيّ) مصدر مكتوب بحروف ثلاثة. لعلّ الشاعر ابو اسحق اسماعيل بن القاسم المولود عام 797م والذي كانت كنيته (أبو العتاهية) شاعر الزهد المعروف، لعلّه كان يشير إلى السعي وهو يقول:

وخيرُ الكلام قليل الحروف

  كثير القطوف بليغ الأثر

نقول في فقهنا العربي مفسرين السعي بأنه الإسراع في المشي وفي هذا اللفظ تترعرع المثابرة ومعها الجد والاجتهاد. نخطئ عندما نخلط بين السعي والهرولة ففي هذه سلب ونهب وسباق نحو حال لا خير فيه ولا شرّ إلا فيه!

البوسطجي مهنة للفظة منقولة من الأجنبية لعربيتنا المحكية والتي تعني في فصحانا (ساعي البريد).

للسعي معانٍ كثيرة.. السعي بفتح أوله وتسكين ثانيه يعني (العمل) والمتساعون هم المتسابقون فالمتساعون إلى الشر هم المتسابقون إلى محوره.

السعي بين (الصفا والمروة) أمر فقهي اسلامي يأتينا تحديدًا عندما نتحدّث عن مسالك الحج وهذه تعني الأشواط السبعة التي يمشيها الحاج بين (الصفا والمروة) وهما جبلان يقعان شرقي المسجد الحرام.

في هذا المقام سأتوقّف عند البوسطجي أي ساعي البريد الذي أذهلني سعيه حيث أن سعي هذا الرجل ليس سعيًا فيه تقوى وقداسة كالذي يمارسه الحجاج يوم يحجون الى البيت الحرام!! حديثي هنا عن رجل وسيم كان يسكن في إحدى قرانا.. كان الرجل يلبس بدلة ساعي البريد (البوسطجي) حاملاً حقيبة حبلى بالرسائل والطرود كان أهل القرية وجلّهم من الأميين يثقون به ويطلبون منه قراءة الرسائل لهم وهذا ما أتاح له معرفة الكثير من الأسرار والخبايا.

كان هذا الساعي غريب الأطوار منحرفًا وكأنه أحد من قال عنهم أبو العتاهية:

وبعض الأنام كبعض الشجر

  جميل القوام شحيح الثمر

بسعيه إلى الإثم والمعاصي قرّر هذا المنحرف أن يوصل الرسائل إلى اصحابها أثناء غياب الأزواج عن البيوت وتحديدًا العاملين بعيدًا خارج القرية. وهكذا أمسى سعيه سعيًا فيه هتك وانتهاك وغواية!! لقد استغلّ السّاعي غياب الأزواج ليقرأ للنساء ما ورد في الرسائل مضيفًا هنا وهناك غزلاً وإعجابًا بصاحبة البيت من مُرسل قد يكون وهميًا وهكذا أوقع بحبائله الكثيرات الكثيرات!!

كم من الرذائل يقترفها النّاس وهم يتزيّنون بأزياء الفضيلة كهذا الساعي الذي سعى إلى المعاصي وأخفى فساده بالوداد. لعن الله الفاسدين والمفسدين.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب