news-details

الزمكان.. وضمة الأقحوان| د. فؤاد خطيب

الزمكان يعني وحدة الزمان والمكان. في العقائد الدينية يعني هذا كن فكان الخلق وكأن الزمان والمكان تمامًا مثل لعبة حاوي يخرج من أكمامه أو من جيبه حمامة بيضاء. البشرية المعذبة بمعظمها تنتظر الموت وتنتظر الى ما لا نهاية القيامة والعودة على بدء.

 في علم الفلك المعاصر الانفجار الكبير ولعبة الزمن مع الكتلة والطاقة يعني لحظة خلق الكون قبل 16.5 مليار سنة ضوئية. بدأ يتكون الكون وبدأ سفره في زمن سرمدي لا نهاية له. ذكراها مازالت عطرة تعيش بها روحي مدى ساعات في عبث الزمكان الذي يمكنه ان يعود على بدء في كل لحظة.

 الذاكرة تعود واقعًا حالمًا أم حلمًا واقعيًا عندما ضممتها هصرت خصرها المرة تلو الأخرى ورشفت عسل شفتيها وأغرقت وجهي في شعرها الأشقر بلون النحاس القديم أبحث عن عطرها وقد كان يا أصدقائي عطرًا من خلاصة كل العطور والعصور.  شعرت حينها بدقات قلبها تستجيب وتقرع جدار الصمت وتذوب في رجع الصدى   الذي يصل الى أعماقي فتقرع أجراس قلبي وهو يبكي أحيانًا وأحيانًا يزغرد.

يا له من وداع.. تذكرت يوم سفرها الى مدينتها الصغيرة الجميلة على سفوح جبال أعلى من الجليل وأعلى من صنين. تركت كل شيء وقفزت على السلم المؤدي الى الرصيف حيث حسبتها تنتظر.  قفزت أنا خطوة أما قلبي فقفز عشرة. لم يعد قلبي بل قلبها أحسست به يكاد يخرج من بين الضلوع يتركني ليسافر معها الى جنة تلك الشقراء الجميلة. تأخر القطار بسبب الثلوج الكثيفة من الوصول الى المحطة المركزية.

  الناس أفرادا وجماعات من مختلف الأعمار وحقائب السفر الملونة بكل ألوان الطيف. حكايات فرحة مستقبلة وحكايات حزينة مودعة تملأ المحطة والرصيف والحياة تدب بوقع شتاء جميل أبيض طري وشقي..

 بحثت عنها ولم أجدها. رأيت بائعة ورد واشتريت منها ضمة أقحوان صفراء قالت لي بائعة الورد وقد رأت شقوتي ولهفتي "هذا الزهر وحده ما لدي في هذا الوقت من السنة. أنظر انها باقة جميلة.. اهدأ يا بني.. أذاعوا قبل قليل أن القطار المسافر الى الشرق لم يأت بعد وأنه سيتأخر عن موعده بسبب الثلج الهاطل منذ أيام".

نعم.. أتت رأيتها بمعطفها الأسود وحقيبتها وقفازيها ومطريتها بلون السماء الزرقاء ترقص على نبض القلب.  عندها تمنيت أن أراها ليس في زمكان الفراق بل في عالم حبنا عندما كانت تأتيني عارية في لحظات العشق من عالم كله عشق وسحر غير عالم الفراق الحزين هذا. ضممتها وقدمت لعينيها الاقحوان فاستكانت بين يدي كقطة سيامية وحاولت   أن تدور برأسها وعينيها الجميلة التي   غرقت قبل ان اقترب منها في مدى لوحة الكترونية فيها مواعيد وحكايات قطارات الدنيا كلها.

 تأوهت واستدارت لا أعرف حينها ضحكت أم بكت؟ ما أذكره أنها تركت كل ما بيدها حتى تذكرة القطار تقع على أرض الرصيف وضمتني وضممتها واستذرت وأنا أرفعها في خطوة راقصة حاصرت كل مفاتنها.. كم كنت أنانيا وغيورا وتمنيت لو خبأتها لي وحدي في طوايا معطفي الأسود الطويل الى الأبد. تنهدت بحرقة وقالت وهي تجاهد    دموع الفرح والحزن معا "أين كنت؟ انتظرتك عند باب المحطة حسبت أنك لن تأتي لوداعي". قلت لها وكيف أنسى وأنت كل حياتي وجنتي وناري قلبي خطفني اليك ومن كل الناس العاديين.

قالت بعد أن مسحت دموعها وابتسمت بينها "كم تمنيت لو تأخر هذا القطار اللعين الى الأبد لأبقى معك".

قلت وقلبي غدا حزينًا "في عينيك أجد كل التعابير وأجد هذا الحب الكبير وفرح الحياة وسر المواصلة".

 

جاء قطار الرعد من بين الثلوج مصفرا وبكت فاتنتي بحرقة لم أعهدها بها من قبل. رشفت دموعها بشفتي دمعة دمعة. خطفها مني الزمكان اللعين. ابتعد القطار رويدا رويدا بين الأشجار البيضاء المثقلة بالثلوج.  ما أذكره   لساعتي هذه جميلتي تلك تطل من شباك القطار المسافر على سكة الحديد وعلى شرايين القلب وهي ترسل قبلها تباعا في الهواء وتلوح بضمة الأقحوان الأصفر الذي اختفى معها في قلب الثلج. حتى لحظتي هذه أنتظر الربيع كل عام على ربوة جليلية مقدسة غناء مشرعة للوهاد وحتى البحر واقول سيأتي ولا بد مرة القطار الأخير، قطار الزمكان وستأتي جميلتي مثل اقحوانة كتلك التي تركتها في ذاكرة القلب.

 

في مفردة الملحمة

 

رشدي الماضي

يرى الدكتور أحمد محمّد كنعان أنَّ الملاحم الشّعريّة من أقدم الأعمال الإبداعيّة المتكاملة التي سجَّلها تاريخ الأَدب، حيث يعود تاريخ أقدم ما وصلنا منها الى العام 750 ق.م. من بلاد الإغريق التي كانت تعيش فترة زاهية في ذلك العصر البعيد...

   والملحمة الشِّعرية هي قصيدة قصصيّة طويلة، ويتحمور موضوعها عادةً حول الأعمال البطوليّة الخارقة من قِبَل أشخاص غير عاديين، لذلك لم يخْفَ على دارس الملاحم الأسطوريّة القديمة عند الشُّعوب الوثنيّة، كما هي الحال عند الإغريق والرّومان، أنّ الشَّاعر يصوّر بعملهِ البطلَ بصورة نصف إله، كأن يكون أحدُ أبويهِ إلها والآخر بشراً…

   والمعروف، أَنّ الملاحم الشِّعرية كانت تروي تاريخ شعب من الشّعوب أو أُمَّة من الأمم… ورغم أنَّ معظمها كانت تُنْسب إلى شاعر واحد، فإنّ بعضها كان يُنْسب لأكثر من شاعر… وقد كانت تُغنّى من قِبَل الشّعراء بمصاحبة العزف على آلة وتريّة…

   هذا، وتذهب الدِّراسات إلى القول بأنّ الشّعر الملحميّ الغربي بدأ بأعمال الشّاعر الاغريقيّ الكبير "هوميروس" صاحب "الالياذة" "والاودية"، اللتين كُتبتا في القرن السّابع قبل الميلاد… وقد بنى جزءا من كل منهما على الحوادث التّاريخيّة، وأمّا الجزء الأكبر فقد بناهُ على الأُسطورة المتَّصِلة بحروب "طروادة" الشّهيرة… فاعتبر مؤرّخو الأدب هوميروس بين أعظم الشّغراء في التاريخ…

  أمّا نُقّاد الأدب من الرومانيين، فقد وضعوا قواعد لكتابة الملاحم، وجعلوها مبنيةً على أسلوب "هوميروس" وأسلوب "فرجيل"، لذلك نَصَّت على وجوب بَدْء الملحمة في منتصف الأحداث، أي بدء الملحمة بعد أن يكون جزء كبير من أحداثها قد وقع فعلا، وهذا لتسميد العمل بعنصر التشويق الذي يجعل القارىء شغوفا بمعرفة ما فات من الحكاية…

  اذاً… تصبح الملحمة، كجنس أدبيّ قصَّة بطولة تحكي شِعراً، وتَحتوي على أفعال عجيبة، أيّ على حوادث خارقة للعادة، مع الإبقاء على عنصر الحكاية وجَعْلِهِ مُسَيْطِراً على ما عداه... ثُمّ أضاف "ارسطو" أنَّها لا تخلو من الاستطرادات ، فجعلها تفترق عن المسرحيّة والقصّة افتراقا جوهريّاً…

   أمّا بالنّسبة لازدهار الملحمة فقد بيَّنت الدّراسات أنّها لم تزدهر إلّا في عهود الشّعوب الفِطْريّة، حين كان النّاس يخلطون بين الحقيقة والخيال، وبين الحكاية والتّاريخ ويهتمون بمغامرات الخيال أكثر من اهتمامهم بالواقع، خاصّةً وأَنَّ سهولة الإعتقاد في ظل الحياة الفطريّة كانت تُوفّق بين العقل وظهور الأرواح والجنّ وتدخّل الملائكة او الشياطين في شؤون الناس...

 

 

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب