news-details
ثقافة

قصة حب مجوسية

سقط مطر رمادي من الغيم الرمادي. نَعقت غُربان سود على غصون الكرز العارية الا من بقايا الثلج التي انعكست على زجاج الشبابيك التي انتهت بأقواس قوطية من عمرِ التاريخ.

وقَفتُ في صف زملاء لتسلّم منحة غير عادية للطلاب المتَفوقين. جاءت مُسرعة كالقدر بمعطفها الأسود وكَعبها الجلدي العالي الطويل. دقت بلاط الرواق القديم وسَمعت الوقع من بعيد وكأنه يقرع جدران قلبي. لفت مَطَريتها المُبلبلة وخلعت قُبَعتها الصوف السوداء وفاض شلال شعرها الفضي على جيدها وحول خديها وعيونها الذكية، ومن خلف رموش نظراتها بَرَقت خَطفت خلسات من الفضة روحها.

كانت عيونها كَلون السماء في بلدي عندما يَنهزم النهار ويطبع قبلته الكفكائية على خد الوجود في يوم خريفي كهذا اليوم. أدخلتها في الصف أمامي بعد أن ابتسمت شاكرة وفَهمتُ من همسها أن موعد قطارها صار في النفق الأخير. لم أعرفها عن قرب من قبل بل لمَحتها مرارا في أروقة الجامعة ومكتباتها ومختبراتها، تذكرت مَلامحها وكانت دائما تَستبق الرحيل وحصل أن تبادلنا التحيات من بعيد وكانت كل مرة تبتسم لي وتغيب خلف تلك الأبواب الكبيرة أو في مقاعد قاعة المُحاضرات الكبيرة. هذه المرة غَدوت في رمشة عين على بعد أصبعين من بركان بشري جميل آيل للانفجار. تكور جَسدها البديع أمامي وتحداني بقسوة طاغية وموجات شبق أرسلتها لي لتوها شمس الجنوب. كان جَسدها يَتجسدُ أمامي ويَتكور وأنا أعريه من ثيابه كجسد حواء الأولى بدون ورقة التين وسيدنا آدم، وهو يَخلقها ويُكورها ويُكَونها على مهل من صلصال بابلي قديم ومن شطحات جلجامش والعرافة العجوز وومض سحر من أجساد راقصات المَعبد العاريات الشبقات اللواتي خدمن انانا آلهة الخصب البابلية برقصات مُجونية في ضوء نار المَعبد الأبدية.

انتظرت أمام باب الرواق العالي الخارجي أبحث عن رحمة المَطر المُنهمر كشلال بدون مَطرية. لف الضباب كل شيء الا القلعة القَديمة في آخر الطريق وأنست روحي الى مصابيح الليل الأرجوانية التي كانت سر الحياة الباقي من مدينة واسعة الأطراف جميلة وكأنها هجعت الى النوم قبل الأوان.

قالت بلهجتها السلوفاكية الرقيقة "هيه.. أنت هنا؟".

قلت "كما ترين أنتظر قرار المَطر".

قالت بغنج جميل وهي تسوي خصلات شعرها عن عينها "تعال معي اذا استطعت رافقني في طريقي الى مَحطة القطار" وفهمت منها أنها مسافرة الى أهل بيتها في مدينة اخرى بعيدة في ذلك البلد الآخر الجميل.

شَكرتها ودخلت الى أجوائها برائحة عطرها وأنفاسها التي اختلطت كلها في مزيج قاتل. كانت غايتي لحظتها شكري من القلب للباري الخالق الذي أبدع وأحسن التكوين...وقلت لذاتي أناجيها من مات قتيل الحب فهو حقا شهيد.

أعطتني مَطريتها لأقودها في الطريق كما هي الأصول عند اللازمة وخصوصا في بداية لحظة غزل، الرجل الشَهم هو الذي يقود. ضَممتها تحت المطرية لأبعدها عن المطر المُنهمر كطوفان نوح وضَمت هي خصري بشدة حتى شعرت بأوصالي تحترق في صقيع ثلج بات هناك وحيدا فوق فروع الكرز العارية. دخلنا صومعتي على أطراف المدينة، صومعة كل ثوار التاريخ، المَسيح عليه السلام لينين وناصر وجيفارا وكاسترو وماركس وفيروز ودون كيشوت وأية كريمة من برونز عتيق، عَلقتها كما رغبت أمي التي خافت لى صحتي من البرد والثلج في بلاد في آخر العالم كما كانت تقول لي وهي دامعة العينين كل مرة فارقتها الى وعدي ومصيري "لا تنسى يا ولدي أن تعلقها فوق رأسك" ان مرضت فهو يشفيني "أنا معك ومعك رب العالمين".

فاحت رائحة الهيل والقهوة العربية وأعواد المسك الصغيرة التي أهداني اياها صديق مرة من اليمن السعيد وكان وكأنه يذوب في خذرها الرهيب. حَرقتها بالمَنفضة الزجاجية الصغيرة أمامي حتى رأيت فاتنتي تتخلص من حملها قطعة قطعة ونحن نحتسي كؤوس النبيذ القاني المَغلي وكأننا على أطراف كليمنجارو ليس بعيداً عن خط الاستواء. تمايلنا جسدا واحدا في دوران صوفي قديم من عهد جلال الدين الرومي على وقع موسيقي ديميس رسوس وأخرى ايرلندية ثورية رومانسية تبكي الحجر كما أبكت وردتي وهي تشهق شهقاتها المتصاعدة، رغبة في لعبة الفناء والبعث كل مرة من جديد. ذبت في حلمات عشتار ومَصصت الرحيق حتى الثمالة كحي بن يقظان الذي امتص أسرار الحياة والاستمرار من حَلمات أمه الغزالة. جاء القطار .. وسافر قطار العمر وعبر مَحطات ومَحطات وما زالت تلك الظبية الجميلة ملتصقة بي على فراشي في صومعتي الفقيرة تلك، أجمل من كل حور الأرض والسماء وربما في الكون البعيد.

غزا الشيب مَفارقي وهو أبهى، ووقار كما يقولون وصلتني رسالة قصيرة الكترونية وصورتها من مشفى بوسطن الجامعي على حفاف جبال الروكي وهي كما كانت هيفاء تجاوزت الخمسين، أخبرتني أنها طبيبة تخدير وانها سبقت أن عالجت مريضا من معارفي ومن مدينتي هاجر قبل سنين الى بوسطن للعمل او البحث عن المصير، وقد عرفَت منه الكثير عني وعن أحوالي وقالت كما نقول أحيانا بلحظات السعد أن الصدفة خير من ألف ميعاد.

سألتني عن حالي وأحوالي وحال الدنيا معي بدونها. أصبحت بعثا بعد ذكرى وقاعدة عشق جميلة ربما من قواعد عشق الرومي الكبير التي لا أعرفها كلها.. العشق أجمله التلاشي مع نقطة الصوفيين نقطة التقاء الأرض والسماء والذات المُعذبة مع الذات الكلية، أعني حبا أبديا لن تمحوه الحياة ولا السنين ولا كل قواعد ونواميس البشر العاديين.. ان لم يعلنها أو يقولها جلال الدين الرومي فأنا أعلنها قاعدة العشق، عشقي أنا الواحدة والأربعين.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب