ملخص

تعالج رواية "عين خفشة" الجراح والآلام التي خلّفتها "النكبة" في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني، على مدار فترة زمنية طويلة، فالجرح ما انفك ينزف والأحداث تتوالى وتتراكم، والألم يغور أكثر وأكثر. وبما أن الرواية لا تقوم إلا باللغة ولا تُبنى عناصرها إلا بواسطتها، كأداة، فقد حاولت هذه المقالة أن تدرس مستويات اللغة فيها للإجابة عن التساؤلين التاليين: ما مدى نجاح الروائية في توظيف لغة قادرة على تشخيص هذا الألم؟ وهل راعت في السرد والوصف والحوار مستويات الشخصيات الروائية؟

لقد وجدنا أن الروائية مولعة باللغة الشعريّة، توظفها لاختراق عالم الشخصيات الداخلي، فكانت لها الغلبة في حيّز النص الروائيّ، إضافة إلى مستويات لغويّة أخرى مثل: اللغة المعياريّة، الغرائبيّة، والمحكيّة على اختلاف مستوياتها؛ المحكيّة المعياريّة، والمحكية الشعرية، والعامية المفصّحة. قمنا بمعاينة العنوان والفضاء الروائي لاعتبارهما مكونين لغويين وسيميائيّين هامين.

 

مقدمة

تقوم هذه المقالة بدراسة مستويات اللغة في رواية "عين خفشة" (2016) للروائية رجاء بكرية، فاللغة هي الأداة التي تُبنى عناصر الرواية بواسطتها، نتعرف من خلالها على الشخصيات ومستويات تفكيرها وما يشغلها من هموم الحياة، وعلى المحيط الذي تدور فيه الأحداث. لا تتوقف الدراسة عند اللغة الفصيحة واللغة العامية، بل تتعداها إلى اللغة الشعريّة وما تمخّض عنها من جنوح نحو الغرائبية، وذلك كون الرواية تعالج هموم الإنسان الفلسطينيّ الباقي فوق أرضه، وما تعرض له من ألم نفسي نتيجة الغبن اللاحق به بعد أن تفرق الأهل أيدي سبأ. كما توقفت عند اللغة المعيارية وخصوصيتها في الرواية، فضلا عن اللغة المحكية ودورها في مبنى الرواية الفني والفكري. وقد وجدنا أن اللغة الشعرية هي الغالبة، لأن معظم الأحداث تدور في ذاكرة الراوية التي تسيطر على معظم النص الروائي، بعد أن رأت وشهدت وسمعت قصصا وحكايات ومشاهد وصورا مؤلمة، وباتت تحمل تجربة حياتية غنيّة، مما استدعى توظيفَ تقنيات رواية تيار الوعي مثل المونولوج والمناجاة والفلاش باك والحلم والرؤى، كل ذلك من خلال السارد المشارك الذي يروي الأحداث كلها بضمير المتكلم.

ننطلق في دراستنا من أنّ اللغة في العمل الأدبي تؤدي وظيفة جمالية، لا وظيفة إخبارية تقريرية، كما هي في حقول أخرى، على حد قول أوستن وارن ورينيه ويليك في كتابهما المعروف "نظرية الرواية" (1966)، فقد أكدا، قبل غيرهما، على أن اللغة في الأدب تحمل نبرة المتحدث بها، وتهدف إلى التأثير في القارئ وتغيير موقفه. ولقد كان الأثر الأكبر في دراسة مستويات اللغة داخل الرواية للمنظر الروسي ميخائيل باختين الذي يعد أقرب سوسيولوجيي الأدب إلى بناء سوسيولوجيا النص الروائي. واللغة أهم ما تنهض عليها الرواية، فالشخصية تستعمل اللغة، أو توصف بها، أو تصف هي بها، ولا وجود للعناصر الروائيّة بدونها.

قمنا بدراسة الفضاء والعنوان لاعتبار كل منهما مكونا لغويا، قبل أن يعتبرا مكونين دلاليين هامين من مركبات الرواية الرئيسية. لم تسع هذه الدراسة إلى الدخول في تفاصيل فضاء الرواية، بل إن غايتها هي الإشارة بإيجاز إلى الأماكن التي تدور فيها الأحداث لربطها بتاريخها وبالشخصيات التي تتحرك ضمن الحيز الزمكاني الذي سيكون له تأثير على مكونات اللغة ومستوياتها، وبالعكس.

لقد ولّى عصر رواية التسلية والترفيه، كما عرفناها في بداياتها، منذ زمن بعيد، وهو ما لا تسعى إليه رواية "عين خفشة"، فهي تذهب باتجاه طرح حداثيّ يدخل في عمق النفس البشرية وكشف عالم الشخصيات النفسية والاجتماعية والفكرية، وعلاقاتها بما دار، وما يدور حولها من أحداث كبرى، أما متعة القراءة فهي في "ارتياد التجربة الإنسانية بألوانها المتعددة وأبعادها المتنوعة من خلال الخيال الابتكاري والتشكيلات اللغوية".

لا تعتمد الرواية على حدث يبدأ من نقطة معينة لينتهي في نقطة أخرى، بل هي عبارة عن تسجيل مشاهد متراكمة تشبه في اجتماعها عملية التصوير في فيلم وثائقي، لذلك فإن عمدة الرواية الرئيسية هي اللغة التي يجب أن توظف بدقة من أجل تصوير "المشاهد" ونقلها للقارئ، وإبراز الصراع بين الأنا والآخر، وبين الأنا والأنا نفسها حين يكون الصراع داخليا، وهذا ما تعكسه "عين خفشة"؛ صراع خارجي وداخلي في آن معا.

فهل أخذت الروائية في اعتبارها مستوى القارئ العادي؟ وهل راعت مستويات شخصياتها الروائية؟ ولماذا لجأت إلى المزج بين أكثر من مستوى لغوي؟ تحاول هذه المقالة الإجابة عن هذه الأسئلة وعن أسئلة أخرى غيرها.

 

فضاء الرواية:  

تدور أحداث الرواية في قرية عربية تقع بجوار قرية الغجر على الحدود الجنوبية للبنان، أسمتها الروائيّة، تخييلا، "عين خفشة"، وذلك بعد أن "كان قد مرّ أكثر من أربع سنوات على خروج كتائب الجيش الإسرائيلي من حرب لبنان الأولى عام 1982". تروى معظم أحداث الرواية على لسان "لبيبة" الشخصية المركزية، التي تحكي ما شاهدته بأم عينها، وما جمعته من أكثر من مصدر؛ الجدة، الأب، الأم وبدر العبدالله، ومن حكايات مختلفة، من هنا وهناك. هي قرية عربية فلسطينية تعاني تبعات "النكبة" و"النكسة" و"الهجيج" المتكرر، وحروب إسرائيل مع جيرانها، مثل حرب لبنان الأولى التي نجد لها انعكاسا مباشرا على الأحداث. ينصبّ الاهتمام على إبراز الناحية النفسية للأهل أكثر مما هو على الصورة الخارجية للقرية ومعالمها، مما يستدعي لغة قادرة على التعبير عن الألم المتأصل في النفس.

لم تعمل الروائية على إبراز طوبوغرافيا القرية ومعالمها الخارجية بقدر التركيز على الداخل، وعلى الأحداث وعلى هموم الشخصيات. هناك تركيز (Focus)  على زوايا معينة، هنا وهناك، من مواقع داخل القرية وخارجها، بهدف خدمة الحدث العينيّ. قامت الروائية باستعارة هذه التقنيّة من عالم السينما، وبالذات في تصوير مشهد الغربان الذي يعود على ذاته عدة مرات كجزء من فضاء قرية "عين خفشة". فكما أن الغراب هو الذي كشف السر لنوح، فإن الغراب هو الذي يكشف سر المقبرة ومن يقف خلفها، حيث تُدفن جثث القتلى الفلسطينيين وتتحول إلى مجرد أرقام.

تعيش القرية، مثلها مثل سائر القرى العربية في تلك الفترة، ألما حارقا وجرحا نازفا، تسعى وراء لقمة العيش "المستورة" وتلعق جراح الماضي والألم الحارق. وفيها من الغرائبية بقدر ما فيها من الواقعية؛ حكايات قروية فلسطينية، وحياة بدائية بسيطة، ولها عاداتها وتقاليدها المألوفة، بل ورائحتها المعهودة، وهي القرية التي يكثر الناس فيها من الحديث عن حكايات تناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل، وتعلقت بها، مصدقة أو منكرة، لتكون جزءا من تاريخها ومن هويتها. وفيها خرافاتها العجيبة، و"عين خفشة"، أصلا، اسم يلتصق بخرافة الضبع الذي "خفش" في عين مائها وما انفك "يعود إلى ماء العين ويتزحلق في مائها مرة كل عام على الأقل".

فالمكان، كما هو مألوف، في عالم الرواية، ليس مجرد موقع جغرافي يبحث القارئ فيه عن شكله الخارجي أو طوبوغرافيته بل هو فضاء روائي واسع وشامل وذو أبعاد ودلالات تنيره اللغة من زوايا عدة شكلية وجوهرية وداخلية.

إن تصوير القرية يعكس طريقة حياة أهلها ومستوى معيشتهم وأسلوب حياتهم اليومية، وفيها حقولها وأرضها التي صودر معظمها. يقضي الأبناء أوقاتهم في أزقتها وحواريها وسهولها وهضابها، لذا من الطبيعي أن تقوم اللغة بمعاينة هذا الفضاء بكل مركباته، فالفضاء الروائي، مثل المكوّنات الأخرى للسرد لا يوجد إلا من خلال اللغة، "فهو فضاء لفظي بامتياز". وهما- اللغة والفضاء- يتبادلان التأثير والتأثّر.

 

"عين خفشة" قرية فلسطينية تروي لنا حكايتَها الراويةُ/الشخصيةُ المركزية "لبيبة" عبر ذكرياتها الطفولية، فنراها تتخبط في تفسير ما تسمع وما ترى، تتساءل بينها وبين نفسها، وتحاول أن تجد الإجابات الشافية من جدتها وأمها وأبيها، فتأتيها الإجابات ضبابية غير واضحة تنقصها الرؤية الشمولية. فتعود إلى ذاتها لتعيد تحليل ما سمعته من أكثر من مصدر، فترى مرة أخرى أن مصادرها ليست وافية، مما يجعل القارئ يحس وكأن قرية "عين خفشة" هي نموذج للأم الأكبر، فلسطين، التي "خفش" فيها الآخر وحدث ما حدث، إذ قد هُجِّر بعض أهلها

 

دلالة العنوان:

يزداد الاهتمام بدراسة العنوان يوما بعد يوم، باعتباره العتبة الأولى التي تمهد لولوج النص، إذ يرى شعيب حليفي "أن العنوان هو وسيلة للكشف عن خبايا النص وطبيعته، ويساهم في فك غموضه". وهو يشغل الكاتب فترة زمنية ويأخذ حيزا كبيرا من فكره، كما يرى الباحث عبدالله الغذّامي، حتى يختار العنوان المناسب الذي يكوّن علامة سيميائية لا يمكن حلها إلا بعد الانتهاء من عملية القراءة. سنحاول في هذا العجالة كشف المعنى المباشر للعنوان، وبالذات كلمة "خفش"، ثم سنقوم بربط المعنى بالأحداث، لكشف دلالته وسبب اختيار الكاتبة لهذا العنوان دون سواه.

قد يبدو مستهجنا للبعض "إقحام" دلالة العنوان "عين خفشة" في سياق بحثنا عن مستويات اللغة داخل عمل روائي، فالاهتمام بالعنوان هو جزء هام من الرواية ومن لغتها لأنه، أصلا، مكوّن لغوي، لم يعد ممكنا إغفال دوره خاصة بعد الدراسات المتعددة للمصطلح paratext (النص الموازي). فالعنوان "عين خفشة" قد يقودنا إلى أكثر من دلالة وإلى أكثر من تفسير عملا برؤية وولفجانج إيزر الذي نادى بتعدد القراءات وسد الفجوات. فالعين هي القادرة على الرؤية والتمحيص، ولكن أية عين هذه؟ ما مميزاتها؟ بم تختلف عن غيرها؟

الخفْش في اللغة ضعف في البصر وضيق في العين. وخفِشت عينُه إذا قلّ بصرها، وهو فساد في العين يضعف منه نورها وتغمض دائما من غير وجع، يعني أنهم في عمًى وحيرة أو في ظلمة ليل. والخفْش علة وتعني العينَ الضعيفة التي ترى في الليل ولا ترى في النهار، ومنه جاء اسم طير الخُفَّاش لضعف بصره في النهار. وخفش الشخصُ، ضعف بصره في النور الشديد. وخفَشَه، وخفش به أي رمى، وخفش الإنسانَ صرعه، وخفش البناءَ هدمه. انتقلت هذه المفردة "خفش" إلى العامية وظلت تحمل معنى قريبا جدا من معناها الأصلي في المعاجم، أي سار على غير هدى، وداس في المكان دون مبالاة، كأن نقول "خفش بالوحل"، وهذا ما جاء في الصفحة السادسة من الرواية تحت عنوان "عَيْن خفشَة": "... ظلت حكايتها، حكاية القرية التي خفشَ في عين مائها الضبع، وقضى عطشا، فذاع صيطها على كل لسان".

و"عين خفشة" قرية فلسطينية تروي لنا حكايتَها الراويةُ/الشخصيةُ المركزية "لبيبة" عبر ذكرياتها الطفولية، فنراها تتخبط في تفسير ما تسمع وما ترى، تتساءل بينها وبين نفسها، وتحاول أن تجد الإجابات الشافية من جدتها وأمها وأبيها، فتأتيها الإجابات ضبابية غير واضحة تنقصها الرؤية الشمولية. فتعود إلى ذاتها لتعيد تحليل ما سمعته من أكثر من مصدر، فترى مرة أخرى أن مصادرها ليست وافية، مما يجعل القارئ يحس وكأن قرية "عين خفشة" هي نموذج للأم الأكبر، فلسطين، التي "خفش" فيها الآخر وحدث ما حدث، إذ قد هُجِّر بعض أهلها، وغابوا عنها يكتنف مصيرهم ومصير بلدهم، بمن بقي فيها، الغموضُ، فيظل الشك سيد الموقف حول مستقبل من هُجّر ومن بقي.

تحاول "لبيبة" أن تكشف الحقائق من مصادرها فتأتيها الإجابات غامضة، لكنها لا تكلّ، وتتابع في بحثها لتدرك الجزء الأهم من قصة قريتها وأقربائها بشكل تدريجي، دون أن تتيقّن من كل الحقائق. أدركت، منذ البداية، أن عائلتها تعرضت للضيم والفرقة والشتات، ولكنها لم تتمكن من اكتشاف كل الحقائق من أفواه من حولها.

تؤمن الجدة، أن الضبع الذي خفش في نبع ماء القرية قد "قضى عطشا" فمن هو الذئب؟ وهل كل ذئب يدخل العين سيلقى المصير نفسه؟ حين نتابع القراءة فإنا سنرى أن الجدة تؤمن إيمانا عميقا أن الحق سيعود إلى أصحابه، وكل غائب سيعود إلى وطنه، والأرض ستعود إلى أصحابها. لكن قرية "عين خفشة" تتابع حياتها دون أن يلحظ القارئ أن الجدة ستحقق بعضا من أحلامها حتى وإن حملت "لبيبة" نواة أفكار جدتها وآمالها. ف"عين خفشة" غارقة في همومها يعتري مستقبلها الغموض، تخسر أرضها يوما بعد يوم، ويعيش أهلها في حذر وخوف ينقلونه من جيل لجيل.

من اللافت أن الكاتبة تتلاعب بالعنوان أحيانا مثل قولها "عين خفشتنا" أو "العين الخفشة" وكأنها تحاول كشف سر اختيارها هذا العنوان ودلالته. فلقد خفش الضبع في العين، كما جاء منذ بداية الرواية، كما أن رفوف الغربان انقضّت على أجساد القتلى، وأخرجت أحشاءها، ما يعني أنها "خفشت في قلبها" كما نقول في لغتنا العامية، وهو من أهم ما جاء في الرواية من صور قاتمة حزينة. واليهود خفشوا بالقرية فهجّروا أهلها، أي داسوا أرضها وهتكوا عرضها وشتّتوا أهلها.  

إن كل المعاني التي أوردناها في تفسير "خفش" لها صدى واضح في الأحداث، سواء كان ذلك في الهدم، أو السير على غير هدى، أو في عدم وضوح الرؤية والرؤيا، فهي كلّها تقود إلى غموض المصير وغموض المستقبل، كما هو الأمر مع غموض ما حدث في الماضي، وبالتالي فإن العنوان قابل للتشظي والانفتاح على أكثر من دلالة، قد تقود نحو ما هو أكثر من مجرد مصير أفراد عائلة أو مصير قرية.  

 

اللغة الشعريّة

تقوم رواية "عين خفشة"، بالأساس، على لغة شعريّة حافلة بالاستعارات والكنايات والصور المجازيّة، واللغة الإيحائيّة الدالّة، مؤثثةً في الكثير من المواقع، في السرد وفي الوصف بثقافة متنوعة من عوالم مختلفة، قادرة على التشظي وعلى استكناه الداخل وسبر غور الشخصيات بكل ما تحمله من ألم وأمل وفرح وحزن.

هي لغة قادرة على تحديد معالم المكان والزمان والشخصيات، بطرق غير مباشرة، تستفزّ القارئ وتحثّه على العمل على فكّ رموزها واكتشاف أسرارها، ولنا على ذلك أمثلة عدة منذ الصفحة الأولى من الرواية، فقد افتتحت "لبيبة"، الراويةُ الرئيسية، الروايةَ بالنص التالي تصوّر فيه الجدّة الثكلى التي فقدت ولدها أثناء النكبة: "سقط البكاء من فمها مالحا، وتدحرج مثل كرة ثلج فوق البساط الفارسيّ الأخضر"، وتضيف: "لم تكن جدتي لأبي قاسية، ولكن في مثل هذا اليوم من كل عام تسكن العفاريت جسدها وتصبح جدة عنيفة لا ترحم. وحين ترسل صوتها المذبوح لعتمة المساء يهرب النعام إلى بلاده، وتلقي الديكة بصياحها من شرفات البيت الثلاث العامرة بالوحدة، كي تحيل النواح إلى مجزرة شجن".

هذه اللغة الشعرية تنقل للقارئ صورة حزينة عما تمرّ به الجدة، يمتدّ الحزن ليطال كل الأشياء من حولها من جامد ومتحرك، يتفهّمها من حولها ويعذرها: "لم تكن جدتي قاسية"، كما جاء على لسان "لبيبة" الحفيدة، فتتدافع التساؤلات لدى المتلقي: لماذا، وكيف وما الأسباب؟ تتحول المشاعر من فردية (مشاعر الجدة) لتنفلش وتتمدّد فتطال كل ما في البيت لتصل، من بعدُ، إلى المتلقي. وقد برزت بشكل واضح من خلال الذكريات والمونولوج والفلاش باك والأحلام والرؤى، هذه التقنيّات تتيح للغة أن تغوص أكثر في أعماق النفس، وبالتالي يتكسر الزمن وتتشتت الأحداث وتتوزع على مساحة زمنية أوسع، وتنتقل "الكاميرا" ما بين أزمنة وأمكنة متعددة يتقاطع الحاضر بالماضي البعيد والأبعد، وتتبدّل مواصفات الشخصية ولغتها مع عمر الراوية (لبيبة) التي تتوزع بين "لبيبة" الطفلة و"لبيبة" المراهقة و"لبيبة" العجوز التي شارفت على نهاية السبعين من عمرها.

تتوزع اللغة الشعرية على مساحة واسعة من حيز النص، وتسيطر على غيرها من المستويات اللغوية، إذ يستطيع القارئ أن يقع عليها في السرد والوصف والذكريات والفلاش باك والرؤى والأحلام، ولنا على ذلك أمثلة عدة منها:

"غمرني وجيبٌ آسرٌ، حين توقف الشتاء فجأة، ودون سابق إنذار. وكفّت حجارته عن رجم بدني بلعناتها، ومنحتني كرت عبور إلى قلبي. كنت على يقين أني ذاهبة إلى غيب يمور بحقول سنابل لا آخر لخضرتها، ولا حد لفتنتها، لكني كنت، إذ ذاك صبية غيري، حزينة لا تشبهني حين تحاول تقليد شقرقتي تقع في شرك البكاء".

وتتذكر في موقع آخر: "دربكتُ على رأسي هذه المرة لأصحو من صوت الخرز الذي كرّ دفعة واحدة فوق كتفيَّ، وغمر قلبي. كانت خيول أبي لا تكفّ عن صهيلها المجنون في رأسي، حاولت أن أتصالح معها، لأفهم شروط فرساني القادمين والمغادرين. تبعثرت مسارات الذاكرة ومعها خرزات جدتي".

لا تعتمد اللغة، أعلاه، على الاستعارات التقليدية بقدر اعتمادها على البوح بما يعتمل في النفس، وليس عمدتها التشبيهات والكنايات بقدر اعتمادها على بث رسالة جوّانية. إنها اللغة الشعرية القادرة على الإيماء والإيحاء بعيدا عن المباشرة، فتغدو كل جملة قصيرة، أو طويلة، ذات رموز ودلالات. وأحيانا هي لغة شعريّة سلسة رقيقة ناعمة تقودك نحو جمالية اللغة حين لا نثقلها بالاستعارات والمجازات المنغلقة على ذاتها. وبما أن معظم الأحداث تسردها "لبيبة"، بعد أن رأت من التجارب ما جعلها حكيمة وأكبر من جيلها منذ الطفولة، فإن اللغة تنحو باتجاه التأملات والخواطر والنجوى تنقل ما يعتمل في النفس من مشاعر متناقضة لتخترق المتلقي.

 

لغة ذات بعد غرائبيّ

لا تنتمي رواية "عين خفشة إلى "الواقعية السحريّة"، حتى وإن جمح الخيال أحيانا بعيدا عن الواقع وانحرف نحو العجائبيّة، فإنها ما تلبث أن تعود إلى الدمج المعتاد بين الواقع والخيال. لكن يبدو أن الألم النفسيّ قادر على اختراق التوازن البشريّ المطلوب، ففقدان الابن والأخ، وتشتّت أفراد العائلة الواحدة، والأخبار المتلاحقة من فترة لأخرى حول موت إنسان عزيز دون أي مبرر، مثل عملية قصف عشوائيّة على منازل أناس آمنين، وتَحَوّل الإنسان إلى مجرد رقم تأكل جثته الغربان والصقور كفيل بأن يُفقد الإنسانَ توازنَه، فتصبح الفانتازيا والغرائبية والعجائبية جزءا من واقع.

  • تقول "لبيبة": "خيل إليّ أن عين خفشة بصغيرها وكبيرها تلاحق حذائي الرياضي، وهي تجرّ مسبحة بطول حقلنا. كنت أصغي بهلع لصوت صدام الخرزات ببعضها، كأن كل خرزة بحجم شمامة صغيرة".
  • وتقول في موقع آخر: "عند منتصف النهار شقّ نسر بلون الذهب عمق السماء، وأخذ يحوّم فوق زفة عساف وناعسة. حرصنا، نحن مرافقي الزفة العملاقة من عين خفشة، والقرى المجاورة ألا نطيل النظر إليه كي لا يسرق عيوننا من محاجرها".
  • وتصف "لبيبة" هذا المشهد الغرائبيّ وقد قامت الغربان بمهاجمة ابن قريتها بدر العبدالله: "لم تترك الغربان سطح بيته كي تريح حناجرها قليلا. غاراتها المنظمة طالت كل شيء، لون الوجوه والمكان، وحمّى الرجل أصبحت هدفا أثيرا. اقتربت أصوات الضباع، والتصق خوف رأسي ببدني. يقظة مفاجئة لقطاع الطرق ستقضي على كل شيء".

نتفق مع ما قاله الباحث فاضل ثامر حول صعوبة تصوير الواقع العربي الحالي بأساليب قديمة واقعية تقليدية لما فيه من تعقيد وضغوط وإحباطات متلاحقة "ولذا يسهم البعد الغرائبي أو الفانتازيّ في مواجهة حالة القهر الإنساني اللامعقول عن طريق توظيف الخيال واختراق سكون السطح الواقعيّ".

قد يقول قائل هذه هي أصول كتابة الرواية؛ المزج بين الواقع والخيال. إننا لا نعترض على هذه المقولة، بل إننا نؤكد عليها. إن الغرائبيّة جزء أساسيّ من دلالات الواقعيّة السحريّة "غير أنها تنضاف هنا، وبصورة أساسية أيضا، إلى تفاصيل الواقع، إذ يرسم القاص تفاصيله رسما موغلا في البساطة والألفة مما يزيد من حدة الاصطدام بالغريب والمستحيل الحدوث حين يجاوره ويتداخل فيه". فالواقعيّة السحريّة تلجأ إلى سرد أحداث مغرقة في الغرابة وخارقة للفكر في ثنايا أحداث مغرقة في الواقعيّة، فتبدو كأنها جزء لا يتجزأ من واقع الشخصيات. إن "عين خفشة" وأهلها يواجهون الواقع اليومي المعيش الصعب، وهم أـناس بسطاء في مأكلهم ومشربهم ورؤيتهم، يتألمون حين يرون الضيم يغمر قريتهم، يواجهون على أرض الواقع تهميشا وظلما لا ينفكّ يلاحقهم، ويواجهون في السماء طيورا وصقورا تلاحقهم "تخفش" في جثث أبناء شعبهم وتعكر صفو حياتهم، بل إن هذه الطيور الغريبة باتت جزءا من واقعهم اليومي.  (يتبع)


 

 

;