كتبت الرسالة/البرقية أدناه ذات تاريخ كان في مثله كان ميلادي. قلت: أما أنا فسأهدي نفسي نزهة خاطفة في أواخر الستينات. كنت في تلك الفترة ملتصقة بشاشة تلفزيون لبنان أنتظر أمسية الإثنين مع الاثنين: سعيد عقل ومحاوره الشاعر هنري زغيب، عبر برنامج "سعيد عقل إن حكى". ومن حيث لم أدرِ، كثيرًا ما تخطيت التناغم الروحي والتلاقي السلس بين المحاوِر والمحاوَر، وانخطفت من الهوى اللبناني إلى الهوى الجليلي للقاء مع معلم جليل من الجليل هو حبيب حزان ألف رحمة له. وقد ذكّرني به تشابه الهامتين والقامتين،وليس بعيدًا عن الروحانية الطاغية على ضيف الشاشة.

عرفت ذاك المعلم هيبة عابرة في المدرسة (راهبات الفرنسيسكان) عبور هرم متقاعد مدّ يده بعمل أسبوعيّ خصّ به الصف الثاني عشر. لكنّ أصداء خطواته لم تزل تتكسر على جدران الصفوف دعوات لقراءة أوجه الحياة من كلّ الزوايا. إن هذا مشوّق!

طويت كلّ الصفحات الممتدة إلى الحادي عشر وأعددت دفاتر وكتب أحلامي للعبور إلى الصف الثاني عشر تسبقني لهفتي للتعرّف، بالمباشر بهذا المبهر عقول الطالبات المنصهرات بلغة أمهنَ. ولم تجرِ الرياح بما اشتهت سفينتي فقد اضطررت للانتقال قهريًا، إلى المدرسة الأقرب للبيت، ترشيحا. فقد حتّم عليّ الظرف أن أتزنر بزنار عريض متين يشُدني بالشعور بالمسؤولية كأحد أبناء هذه الأسرة. وعليه يجب التوجّه الفوريّ لمعونة الأمّ في لملمة ميزانية التعليم الواصلة حتى الجامعة العبرية (القدس)... هذه المداهمة دفعتني بقوة من العمل في جمع محصول التبغ إلى مسايرة متطلبات البيت، إلى تنجيد مقعد في قلب الليل يستوي مع الحاجة للدرس. لم يكن هذا انجازًا خرافيًا، بل سببًا لتعاظم الثقة. وهذا اختبار حقيقيّ لمفهوم المعرفة.

كان لهذا الواقع أن يهوّن عليّ كمر رأس حلمي الكبير المذكور أعلاه والتسليم بحكم الأولويات.

لم أذهب لكتابة رسالة إلّا من باب الفضفضة... "فشة الخلق" وكنت عشية اليوم إياه قد وقعت على اَخر إصدار من الكتب الشفوية في رثاء استباقي للغة العربية. لم أكن يومًا بعيدة عن الأجواء... فأنا منذ عقود ثلاثة... أربعة، أقف شاهدًا حيًا على بداية تهلهل بل تمزُّق ثياب هذه اللغة، بالتزامن مع تصميم عباءات حديثة مطعّمة بإكسسوارات عصرية تليق بعصرها. لكن تذمر الأهل "الفهمانين"، صار صراخًا كفيلًا بخزق كل أذن سميعة. لكن اَذان الهيئات المعنية قد فقدت السمع مع فقدان الذاكرة. هذا ما يؤكّده الواقع.فيكفي إن شئتم التأكّد، أيها المديرون وأيتها المدرّسات، أن تنصتوا.. تجسوا نبض الكلمة في معاصم تلاميذكم... لتجدوا النتيجة خفقانًا هابطًا، أطرافًا باردة وألسنة ملتوية إلّا عن السباب! إن هذا مقززٌ ورهيب! هذا تسليم هوية ما زال صاحبها على قيد الحياة!.

وقفت حائرة فيمن أختار صاحبًا افتراضيًا (لبرقيتي) فهم كثر، ولا أراني مستعدة، علميًا، لتخطّي معلمِي التهجئة الأولى بناة المداميك الأولى التي ستقوم عليها عمارة اللغة الأمّ، والتي ستنساب فيها باقي العلوم. فمن المربي نديم مخول أمد الله عمره، مرورًا بمدير المدرسة أخي البلاغة والفصاحة حنا مخول رحمه الله، وليس انتهاءً بالمعلم يوسف سويد أمد الله بعمره. وهم من الناطقين الرسميين الأوائل باسم جيل من المدارس التي خلّفت ذاكرة مجيدة لا يمكن طيّ صفحاتها بمجرّد فتح صفحة عصر غادره بعض حراسه القدامى. لهؤلاء الفضل الأعظم في تربية اللسان العربي البقاعي سليمًا من اللُكنة (ذات مرحلة ذهبية). ليس هذا فحسب، فقد عبدوا بسواعدهم طرقًا عريضة سالكة للطالبين قطع المرحلة الثانوية، ولو اضطروا للقفز على ساق واحدة. من هنا انطلقوا شرقًا/الرامة، غربًا/ترشيحا..، جنوبًا/حيفا والناصرة.. فتلقفهم جيل من المعلمين الأعلام الأعلام والحكي يطول ويطول....

أما أنا، وإن كنت قد عبرت امتحان الثوامن بنجاح إلا أنني دخلت الصف التاسع بحذر وخجل شديدين، لكوني أكبُر زميلاتي بعامين دراسيين (قضيتهما مكرّسة للعمل فلاحة مطعّمة على طالبة تدبير منزلي). قاومت ميلي للانطواء بعيدًا عن رفيقاتي "الطازجات". لكنني سرعان ما رفعت رأسي وفتحت دفتَيّ عقلي: أذني وعيني، وإذ بذاكرتي لم تطلها يد النسيان! إنها الكلمة الحلقة السحرية الواصلة من قاطع زمني وجغرافي إلى قاطع. ومن نسمة شمالية إلى هبة جنوبية. هذه التي لا يصيبها دوار أو تعيقها بحّة.

وانطلقت مع انطلاق الكلمة على لسان الراهبة "دانييلا" السورية المنشأ، وقد خاطبت الصفّ في أول لقاء: إنّ الكلمة أمنّا، التنكر لها يعتبر من الخطايا العظمى! معًا سنعيش فضائلها ونعتني بها! كُنّ مستعدات لحمل مفاتيحها، وهي ثلاثة تقوم على: المنطق العقل المستتر في قواعدها، الخطّ المراَة التي تبرز رونقها وجمالها، التعبير وهو القلم الإبرة التي تطرز آدابها! الكلمة يا صبايا تنبت وتعيش حيثما تمطر السماء، لكنها تحيا وتزدهر.. تعمر وتثمر في ضواحي الأنهار العظيمة ... فاعترضتها مستأذنة بسبابة تستحي رفع رأسها. قالت: "تفضلي ليه مِستحِية؟" قلت مزهوّة بجرأتي المفاجئة: "بس إحنا فش عِنّا نهر عظيم مثل برَدى!". وطال الحكي ... وظلّ يطول ويطول حتى انتهى بصداقة ذات ملامح شمالية لم يبقَ منها سوى رائحة زفير أم تربي أبناءها بنظرة وكلمة تحملها كأنّها نحلة لا تحط إلّا على خيرة الأزهار، فلا تنتج إلّا أجود العسل. وحطّت نحلتنا في ذاكرتي وزميلاتي مطلع قصيدة شرقية المنبت، شمالية طليقة الهوى...

ما نسيَت "الشاعرة" صَبا بردى وإن سلّمت القفير لنحّال محترف ذوّاق، طويل الباع، خفيض العين، عالي الهامة بكِبر دلّ عليه بالبنان: هذه هي الشروط المطلوبة من معلم يتقدم في مدرسة راهبات للبنات لا تغفل عينها عن الملمح الأخلاقي من أهدافها. وكان هذا الشابّ قدها وقدود. وقد عرّف عن نفسه: أنا أسعد حزان. وبسعي مخابراتي بريء تبيّن أنه ابن شقيق المعلم الفاضل حبيب. إنه أمام تحدٍّ كبير، لكنه عبر امتحانه بامتياز، وقبض على الباب الطالبات قبضه على الكلمة المشغولة بذائقة أدبية رفيعة خلّفت اَثارها ملاحظات تصيب ولا تؤذي... والحكي أيضًا وأيضًا يطول. وينتهي عشقًا لاهوتيًا بين شرايين الكلمات وأوردة النفحات.

وإذا البرقية تنطلق بدون أي توجيه مقصود إلى راهبة الشام: "هذه تحيتي لك وقد عمدتها بالعسل البري وروحانيته البَرَداوية الخالصة وقد استعدت عرضًا، عجائبية الكلمة كمحطة إرسال بين الفكر وإحساسه... بين الجسد وروحه. فتألمت، وقد تحوّل الزمن أيتها الأمّ الكريمة إلى وحش كاسر وانقضّ على المؤسسة التعليم/تربوية وحوّلها إلى مسالخ فيها تسلخ جلود الكلمات ويتم انتزاع قلوبها. وبين لطم الخدود والنواح يقف متوجّع حالمٌ باستنساخ شاةٍ تحمل قلبًا يداوى به قلب اللُغة. 

(معليا)

 

;