news
ثقافة

وداعا أبا شفيق العديل الغالي | مصطفى أبو ريّا

علو في الحياة وفي الممات   لحق تلك احدى المعجزات

عليك تحية الرحمن تترى   برحمات غواد رائحات

 

فارقنا ليلة الجمعة الماضية علمٌ من أعلام بلدنا سخنين ومجتمعنا العربي. ارتقى للفردوس الأعلى المربي الاستاذ ورجل الاعمال جمال محمد حمد سيد احمد "أبو شفيق". عن عمرٍ ناهز الثمانين عامًا وهو بكامل صحته ووافر نشاطه وخضم عطائه.

ولد "أبا شفيق" لعائلةٍ عديدة الأنفار، فهو ليس البكر لكنه حمل مسؤولية وهموم وعبء عشر أخوات وأخ واحد. ومع مرور الوقت كوّن عائلة من أربعة بنين وأربع بنات. اوصلهم مع شريكة حياته لمراتب علمية واجتماعية عالية.

رغم الظروف القاهرة والتقييدات الكبيرة التي ميزت تلك الفترة بسبب سياسات الاضطهاد القومي والتمييز العنصري كان من أوائل المتعلمين والمعلمين الذين اعتبروا التعليم قيمةً، رسالةً، نهضةً وتوعية. رسالة وطنية، قومية وإنسانية شاملة من أجل تنشئة جيل يستطيع ان يخطط ويبني مستقبلا عصريًا أساسه الاحترام والكرامة.

وكما قال الشاعر نزار قباني :

نريدُ جيلًا يفلح الافاق وينكش التاريخ من جذوره... ينكش الفكر من الأعماق... نريد جيلًا قادمًا مختلف الملامح

 في مطلع ستينيات القرن الماضي تنادوا مجموعة رجال وشباب وقرروا ادخال المياه للقرية فأسسوا جمعية المنى وكان المرحوم "أبو شفيق" امين صندوق الجمعية لتتدفق المياه بالأنابيب لكل بيت في سخنين صيفًا وشتاء. وأما في سبعينيات القرن الماضي افتتحت المدرسة الثانوية الأولى وكان للمرحوم فضل كبير بتقدم المدرسة ودعم المعلمين الشباب الجدد، حيث تبوأ منصب نائب مدير المدرسة منذ بداية عمله بالثانوية وحتى خروجه للتقاعد وخلالها حول المدرسة مع سائر زملائه إلى حاضنة ودفيئة لإعداد كوادر من المثقفين والمتعلمين الملتزمين بقضايا بلدهم، مجتمعهم وشعبهم.

شغفه للعلم والثقافة أعاده للتعليم ليكون من أوائل من درس الجغرافيا من بين الجماهير العربية. لحبه للموضوع ومع بداية انطلاق شبابنا للدراسة الجامعية خارج البلاد أسس وأدار مكتبًا للسياحةِ والسفر. قام بالسفر لدول كثيرة وعديدة وحيثما تواجد كان يملك موسوعة من المعطيات حول البلد وأهم معالمها ومحطاتها التاريخية وكان يصحح معلومات المرشد المحلي.

عاش وثابر على التقدم والتطور والتميز. كان مبادرًا جريئًا في كل مضمارٍ اقتحمه. اتقن وتفانى في كل عمل قام به. كان منحازًا لبلده، وطني بامتياز ولم يتخلف عن أي نشاط سياسي ولم ينأى بنفسه عن أي قضية عامة. أذكر موقفه في الاجتماع التحضيري لانتخابات الكنيست الأخيرة حيث تواجد في نادي الجبهة وكانت له مداخلة قيّمة ناشد من خلالها النائب ايمن عودة تذليل كل الصعاب واستيعاب باقي الاحزاب العربية لضمان قيام القائمة المشتركة في مواجهة العنصرية والفاشية المستشرية.

كان متدينًا ومحافظًا دون تزمت ولم يتخلف عن أي صلاة في المسجد. واظب على مشاركة الناس، كل الناس، أفراحها وهمومها وأتراحها في سخنين وفي طول البلاد وعرضها. مشارك دائم في كل نشاط ثقافي سياسي وفني. داعم للمسرح الجوال في سخنين والحركة المسرحية في البلاد. كان ناشطًا سياسيًا واجتماعيًا وعنصرًا فاعلاً في أطر كثيرة وجمعيات خيرية، له حضوره في كل محفل بأناقته الفائقة ونقاشه الموضوعي البناء. مثقف ومطلع ومتابع للأحداث. مشترك بجريدة الاتحاد منذ صدورها بشكلٍ يومي ومشترك بجريدة "هأرتس" قارئ نهم للكتب والروايات ويملك مكتبة غنية وكبيرة.

دعم الرياضة وكان من المشجعين والمتبرعين لفريق اتحاد أبناء سخنين لكرة القدم. وقد تبرع مكتبه، سفريات الجليل، بتكلفة أكثر من 40 حافلة لتنقل المشجعين في نهائي كاس الدولة الى رمات جان حيث كانت المباراة النهائية لتفوز سخنين بكأس الدولة الخمسون سنة 2004 وبذلك يكون اول مرة يفوز فيها فريق عربي بكاس الدولة.

هذا هو جيل المؤسسين يرحل عنا تاركًا فراغًا يعز ويصعب ملؤه. بوفاة المرحوم أبو شفيق نستذكر توأمه الروحي "أبا سامي" جمال غنطوس جار الرضا والنائب الثاني لمدير الثانوية محمد حيادري "أبو مجدي" امد الله بعمره ومع المرحوم جمال طربية "أبو أدهم". مجموعة وطنية عملت مع رفاق الحزب الشيوعي وكل الوطنيين والشرفاء لتطور ونهوض ورفعة سخنين.

ما أقساك أيها القدر تقطف الأرواح دون سابق انذار. الا تعلم ان الموت لا يؤلم الأموات بل يؤلم الاحياء. وقبل وفاته أوصى أبو شفيق أولاده الاستمرار في مسيرة العلم والثقافة وأكد أنه لا يهاب الموت فهو متوكل على الله دائمًا وأبدًا. فجعنا بابي شفيق الانسان المحب للحياة. صاحب الجسم السليم والعقل السليم المحافظ على نمط حياة صحي بامتياز. الذي زار معظم دول العالم وعرف وشرح عن معالمها. رتب ونظم مجموعات للرحلات داخل البلاد وخارجها. هذا شغف وحب ومتعة ابي شفيق فمن يتوقع ان يلاقي أبو شفيق حتفه بالرحلات التي أحبها، ويتجرع اهله واحباؤه الحسرة واللوعة.

عزاؤنا بشريكة حياته الصابرة والمحتسبة. بذريته الصالحة بناته وابنائه وانسبائه واحفاده. الذين ينشطون بأعمالهم ووظائفهم كعناصر مركزية لتقدم ورقي وازدهار بلدهم وشعبهم.

حطيت على القلب ايدي

وأنا بودع عديلي

و أقول يا عين اسعفيني

و ابكي و بالدمع جودي.

 

يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.

ارقد بسلام في جنة الخلد مع الأنبياء والاولياء والصديقين وحسن أولئك رفيقا.

وانا لله وانا اليه راجعون

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب