news
ثقافة

وميض من عتمات الرحيل!

  قصة إنقاذ عدة عائلات من الرحيل وبقائهم في بلدنا، وعدم تحوُّلهم الى لاجئين، تكاد تختفي من ذاكره أبناء بلدنا.

حتى أبنائهم، يكادون لا يعرفون عنها شيئاّ.

ولكن كبار السِّن، ما زالوا يذكرونها.

بطلاها محمود الحسن وزوجته فريزه.

ومحمود الحسن اشتهر بقوته الجسمانية،ويحكي عنه الذين ما زالوا على قيّد الحياة من أهل البلد، وعاصروا الحادثة، أنه أدار حجر الطاحونة بيديه، عندما نفق الحصان الذي كان يديره، ظلَّ يشغِّله حتى وجدوا حصانًا قويًا يحلُّ محلَّه..

وهو الوحيد الذي كان يقدر، على رفع حجر بئر البلد الثقيل!

    أحرن مرة حماره، فاشتعل الغضب في قلبه، فرفع الحمار بيديه ورماه في صبره البلد!

وكان يثور بسرعة، فيغضب من حوله، ولكنه سرعان ما يعود الى هدوئه وطيبته، ويعتذر للذين أغضبهم، ويرجوهم أن يغفروا له..

وعلى رأس الذين كانوا يعانون من "شرِّه " - زوجته أم أحمد.!

فكان يعنِّفها في كلِّ يوم، و " يمطرها " بوابل من السّباب والضرب أحيانًا، ولكنه عندما " تذهب السكرة وتعود الفكرة "، يعود الى مراضاتها، وتشُّفعها من أجل أن تغفر له وتسامحه، مستعملًا

كلَّ الطرق حتى البكاء. و " تبويس رجليها "، ولا يتوقف عن ذلك حتى ترضى عنه وتغفر له.!

ولكن أحيانًا كانت تشعر أن السَّيل قد بلغ الزُّبى، وبالغ وتمادى في الشجار معها، فتغتنم فرصة خروجه الى عمله، فتترك البيت و "تحرد " عند أهلها.

وعندما يرجع من العمل مساء، و لا يجدها في البيت، ويعرف من أبنائه أنها " حردت " عند أهلها، كان يتجه الى بيت أبيها، وعند وصوله، كان يبدأ بذرع الزقاق، المحاذي لبيتهم، ذهابًا وإيابًا، حتى يراها خارجة من باب سور الدار، فيهجم عليها ويرفعها بيديه القويتين عن الأرض، ويضعها على ظهره، ويتوجه بها نحو بيتهما، غير آبه بما تطلق من صرخات واستغاثات، وما تكيل له بكفيها وأظافرها، من لطمات وجروح، ولا ينزلها حتى تعِده أنها ستعود معه الى البيت.

وكان لا يكترث بما يقوله الناس،الذين يمر بهم في طريقه، وهو يحملها على ظهره. ولا ردِّ فعل أهلها،عندما تصلهم أنباء فعلته.

    كانت بداية وقوع البلد، تحت سيطرة جيش اليهود..وبداية الحكم العسكري البغيض..

اشتدت قبضة حرس الحدود على البلد، وزادت ساعات منع التجوّل، فقد امتدَّت طوال ساعات الليل، منع فيها أهل البلد من الخروج من بيوتهم، وكان كلّ من يقبض عليه متلسبًا " بجريمة "

الخروج من بيته، كان يتعًّرض للضرب والسجن ودفع غرامة باهظة..

 رجع محمود من الحراثة، فلم يجد زوجته في البيت.. إنه يعرف سبب حردتها.. فقد كان قد تشاجر معها، حول عدد المدعوين، الى حفلة طهور ابنهم.!

" ولّ يا فريزة يا بنت الناس ما حردتيش إلاّ اليوم!؟، اليوم إلي بدّنا " نطهِّر" الولد فيه!؟" قال في نفسه والحسرة تقطِّع قلبه.

" والله يا محمود، هذا لسانك دايمًا معثرك!" أكمل وهو يستعيد ما فعل بزوجته ليلة أمس.

" باطل أنا أبوك يا أحمد.!" قال وهو ينظر في وجه ابنه، الذي كان مستسلمًا لسلطان النوم.

" والله ما بتنام الليله إلا في حضن أمك!".

 كانت معظم بيوت القرية متلاصقة " الحيط على الحيط ".

خرج الى فناء بيته، وصعد درجات السلم الى سطحه، ومشى يتنقَّل من بيت الى بيت، حتى وصل بيت أهل فوزية. فعل ذلك لكي يتجنَّب حرس الحدود،الذين يجوبون أزقَّة البلد بحثًا عن " صيدة "، يضعون سمومهم فيها.

تأكد من وجود السّلم،الذي يوصل بين فناء البيت وسطحه.

انبطح على بطنه على سطح بيتها، بحيث يستطيع أن ير ما يخرج أو يدخل من والى الفناء،عاقداَ العزم أن ينزل من الٍسطح إذا ما خرجت فريزه إليها، ويحملها على كتفه، ويصعد بها الى السطح، ويعود بها طريق السطوح الى بيتهما.

بقي منبطحًا على السطح، يراقب ما يجري. وإذا به يسمع طرقًا خفيفًا على بوابة البيت، سبح الى جهة الزقاق، بحيث يستطيع رؤية من يقف بجانب البوابة.

كانوا أربعة جنود من حرس الحدود!

تسارعت دقات قلبه.. ترى ماذا يريدون في هذه الساعات من الليل.!؟.

بقي متجمِّدًا في مكانه. وعيناه منصبتان الى أسف نحو الفناء وبوّابته، يراقب ما يجري.

رأى شبحًا يخرج من باب الغرفه، ويتَّجه الى البوابة ويفتحها، يبادلهم بعض الكلمات الهامسة، فيعود الى باب البيت، ويدخل الجنود وراءه، ويقفون في الفناء.. مرّت عليه لحظات خالها الدهر.

وإذا بجميع أفراد عائلته، يخرجون تباعاَ ويتجِّهون نحو البوابة. وكنت زوجته فريزة معهم.

كانوا يحملون في أيديهم وعلى ظهورهم، محتويات البيت : فراش، أدوات منزلية..

خرجوا من البيت، فتبعهم. كان يحبو على ظهر السطوح المحاذية للزقاق، الذين يمشون فيه، إلى أن وصلوا سيارة شحن، كانت تقف في ساحة المسجد، وبدأوا يحمِّلون أغراضهم فيها.

فأصيب بصدمة شديدة،غامت الدنيا في وجهه.

عرف أن حرس الحدود، يريدون ترحيلهم الى بلاد الشتات، مثلما فعلوا مع الكثيرين، من أبناء بلده وسكان القرى المجاورة، أقنعوهم بالترهيب والترغيب، على الرحيل من بيوتهم وبلادهم.

  وفريزة، إن لم يفعل شيئًا، سترحل مع أهلها، ولن يراها ثانية!

لا بدَّ من إنقاذها من الرحيل، إن أولادها ينتظرونهم في البيت.

  نزل بخفة عن السطح مستغلًَّا انشغالهم بالتحميل، وغطاءات الظلام التي تلفِّع المكان، اقترب من زوجته التي كانت تقف خلف السيارة، رفعها على ظهره، أرادت أن تصرخ فوضع يده على فمها، وأسرع الى أقرب "خشَّة " واطئة، ورماها بكلِّ قوَّته على سطحها.

ووضع يديه على حافة السطح، ورمى بنفسه عليه.

تناول فريزة، ووضعها على ظهره، ومشى على السطوح باتجاه بيته.

"وين بقيته رايحه يا فريزة!؟" سألها لائمًا.

" قالوا لنا - بنا نغيب اسبوعين ونرجع!"

"هيك قالوا لكم!؟.. اليهود بدهم يرموكم، مثل ما رموا غيركم ورا الحدود.! بدهم يفرغوا لبلاد من أهلها العرب!" ردَّ عليها مقاطعًا واالغضب يكاد يفجِّر قلبه..

وعندما وصلوا بيتهم صاح بها من أعماق قلبه :

"اليوم يومك يا فريزه!.

 هات ِ الموس والحقيني! ".

خرجت من جوفه كلمات، كان يقولها لزوجته عندما يواجهون صعاب، تحتاج الى جهود مضاعفة للتغلِّب عليها، أو عمل يحتاج الى صبر وجهد كبير لإنجازه.

كانت تفهم سريعًا ما يطلب منها، فتلتحم معه وتشمِّر عن ساعديها وتبدأ بالعمل. في هذه الأوقات كان الحب يشتعل بينهما ويصبح في أعلى درجات تألقه.

   وتناول منها الموس ووضعه في جيبه، وتسلٌّق حائط بيته،وتسلَّقت،صاروا يتنقلان من سطح الى آخر، حتى وصلا الى سطح البيت الذي يطلّ على ساحة الجامع.

انبطحا على سطح البيت، وتركا لعيونهم رؤية ومراقبة ما يحدث في الساحة..

  كانت هناك شاحنة كبيرة يحيط بها أفراد عائل فوزية، وعائلات أخرى من البلد، " يرمون " بها أغراض بيوتهم  - فراش أدوات منزلية. جرار زيت. أكياس من الحبوب.

 كان صوت حنيفة الذياب يقطّع بقايا فتات عتمات الليل.. ويقطِّع القلوب التي كانت تنزف حسرة و دمًا :

" واحنا نوينا على السفر وبخاطرك يا بلادنا! ".

كان زعيق النساء والأطفال يرافقها لحنًا لنشيدها الدامي..

"خذي الموس وانزلي!"

همس في أذنها بصوت تعمَّد أن يخنقه.

 كانت في هذه الحالات تفهم مقاصده "بالإشارة " كما كان يقول..

تناولت الموس من يده، وبدأت تلملم نفسها للنزول عن السطح والتوجه نحو الشاحنة.

 كانت تعرف أنه لن يثير قدومها أحد، بما فيهم رجال حرس الحدود. فهي ابنة محمود ولم يشعر بها أحد منهم، عند "اختطفها" من قبل زوجها.

"تسحسَّلت " بخفة عن السطح وتوجهت الى السيارة.

 كانت ستر الليل المتبقية، تساعدها على الاختفاء،عن أعين المتواجدين حول السيارة..

وعندما اقتربت من أول عجل، سحبت الموس من جيبها.. وغرزته فيه بكلِّ قوتها.

ثم لفَّت حول الشاحنة، تتنقَّل من عجل الى عجل، حتى أتلفتها جميعًا.

 رجعت بخفَّة الى الحائط، وتعلَّقت بيد زوجها التي كانت تمتد من أعلى، فسحبها الى فوق السطح، ورجعا مسرعين الى بيتهم.

  وعندما ظهر الصباح " وغزا " بكشّافاته " المكان.. " فضح " ما حدث لسيارة العسكر.

وقف العسكر مشدوهين مصروعين.. متجمدّين في أماكنهم، عاجزين عن عمل أيِّ شيئٍ، ينقذ الموقف الذي وجدوا أنفسهم فيه.

عرفوا أنهم لا يملكون عدة عجلات، من أجل أن يتمكنوا من جعل السيارة تتحرَّك من مكانها.

كانت دولتهم في بداية تكوِّنها وإمكانياتها ضعيفة.. والفوضى تعمُّ في كلِّ تحركاتها..

فترك العسكر السيارة وغادروا البلد، ولم يرجعوا.

وبقيت الشاحنة في مكانها في ساحة الجامع.تحكي قصة إنقاذ محمد وزوجته فريزة،لأربع عائلات من البلد من غول الغربة والشتات...

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب