news-details
ثقافة

"جدتي وشجرة الزيتون" للقاصّة عايدة هنداوي مغربي من عكا: حكاية الجدة المُحبّة للأرض، ليقتدي بها القارئ الصغير

القراءة بعنوان: "جدتي وشجرة الزيتون"  الجدة الأم والأرض وتلاقي الأجيال. 

الأديبة الناقدة عايدة مغربي بدأت  بمحبة العائلة فكتبت اسم البطل فريد وهو ابنها.

من اجمل لقطات "قصة جدتي وشجرة الزيتون" ولعلّ ما يلفت النظر ويستوقف القارئ لهذه القصة هو الاستعمال الامين لأدوات قطف الزيتون الشقشاقة، الفلّة. 

أمّا غناء الجدة الشجي فقد جاء صادقا: "يا طير الطاير ميلي ع الوادي وجبلي من كرم العنب زوادي" .

ثم تأتي على ذكر المجدرة التي طبخت على نار الحطب. ولقطة وقوع الجدة عن السلم من أكثر اللقطات تأثيرا، وقد استيقظت الجدة بعد السقوط عن السلم ببضعة أيام وحالا طلبت من ابنها العودة للأرض لقطف حبّات الزيتون.

رمزية وهدف القصة الواضح والمفهوم للطفل القارئ حتى جيل 10 سنوات. 

العنوان "جدتي وشجرة الزيتون" يعني أن الكاتبة أرادت ان تروي حكاية جدتها المُحبّة للأرض والزيتون وأرادت جعلها الشخصية المركزية او البطلة التي يقتدي بها القارئ الصغير بشكل خاص. ونحن نعلم مدى تعلّق الاطفال بالجدّات ومكانتهن الخاصة لدى الاحفاد.

موضوع الزيتون وشجرة الزيتون هو احد المواضيع التي تناولها الكتّاب الفلسطينيون خاصة وبشكل متواصل وليس بالقليل....كتب الجميع بأسلوبهم. فهذا الشجر هو رمز فلسطين ورمز العراقة والتاريخ بوجوده هنا وخاصّة العماري الذي يشهد على سكان هذه الارض الذين غرسوه منذ قرون. إسقاط الكاتبة عايدة مغربي في قصّتها جاء بلا تكلّف حين جعلت الزيتونة العمّارية الضاربة جذورها في الارض والجدة سيّان. انهما العطاء بلا حساب تظللان الاطفال ..

تحنو الزيتونة كما الجدة على الصغار. وحتى تجاعيد الوجه  لدى الجدة شبيهة بجذع الشجرة الاسمر المكرمش ..ص2

والمميز في القصة الكثير من الحب والترابط الاسري الذي نكاد نفتقده في حياتنا المعاصرة نغمة الحب والحنان تتردد كثيرا.

"أمسكت جدتي يدي بحرارة وقالت لي: بينما تجلب والدتك الاغراض من السيارة دعني أركَ اول شجرة" ص 6

قد يتساءل البعض أليست قصص الاطفال بأكملها تكتب بذات الاسلوب الرقيق وبالمحبة ذاتها؟ ساجيب بثقة كلا .

فهنالك الكثير من قصص الاطفال التي يمتلئ بها سوق الكتب وقد كتبها كتاب هدفهم تسويق معرفتهم واستعراض قدراتهم النحوية واللغوية. صحيح كتبوا بلغة سليمة ودقيقة ولكن الكثير من الاناقة، ترك القليل من الحميمية ومحبة القصة من قبل القارئ الصغير . كثيرة هي القصص التي قدمت النصائح والمواعظ والحوار عمّا تعلمناه من القصة لكن قصصهم ظلّت جامدة بلهجة الكاتب الاستعلائية التي اتخذها بعض الكتاب الذين يرون في العمل الادبي املاء تعاليم وكأن الطفل في حصة مدرسية وعليه تحضير فرضه البيتي.

للكلمات دلالاتها هنالك فرق بين امسكت جدتي بيدي وبين امسكت جدتي يدي بحرارة او لننظر الى عبارة هذه الارض الطيبة ..

هنا يكمن الانتماء نحو الأرض والوطن...

الطفل فريد يبدو لنا معتاد على اجواء البيت ومرافقة الجدة ويعرف عن الزيتون ايضا ويبدو انه مطّلع على رعاية الاهل لشجر الزيتون. فهو لم يستغرب دعوة الجدة له للذهاب الى الكرم. ولم يستفسر في القصة عن سبب الذهاب ولا عن الادوات كالشقشاقة وغيرها بل هي ادوات يعرفها ويعرف طقوس الافطار والغداء في الزيتون.

طار من الفرح وانتظر يوم الجمعة كما ينتظر الطفل زيارة المكان الذي يحبه .ص2 

اما عن البقاء وعن علاقة الفلسطيني بالارض والزيتون فلم تنس عايدة ان تقول على لسان الجدة حين وصفت العناية بشجرة الزيتون وتربيتها وحمايتها "بكل جوارحنا " لننتبه الى عمق المشاعر الشبيهة بعناية الأم بوليدها وبكل جارحة بها.

بعد قليل سنصل الى عبارة 

"ومصدر بقائنا في هذه الارض" 

تحدّثت الكاتبة عن مصدر العيش والبقاء وامكانية الثبات في الارض وزراعة الزيتون ليمد جذوره عميقا في الارض.

نعم ان مصدر الفلسطيني في هذا الوطن هي ارضه التي يعتني بها  والرمز الاعظم هو شجرة الزيتون التي باركها الباري عز وجل.

شجرة مباركة في ارض مقدسة بين يدي شعب لا يخونها ولو ادى هذا الى قتله.ص 3

علاقة الحفيد بالجدة هي علاقة متينة ولمسناها حين قال فريد:

"قمت ومسحت دموع جدتي" ص12، أن يمسح شخص ما دمعة آخر فهذا يدلّ على تأثره وتضامنه مع مشاعره يعني أنّ الحفيد يؤكد انسجامه مع جدته وقد رقّ قلبه لبكاء رفيقته وصديقته جدته الحنون.

تطرّقت عايدة مغربي الى وجبتين فلسطينيتين في قصتها.  الفطور وهو الجبن والزعتر وزيت الزيتون والشاي بالنعناع. وجبة إفطار فلسطينية بامتياز تحتوي على جميع العناصر الغذائية بتكلفة قليلة وصناعة متقنة دون محسنات غذائية او مواد حافظة. ثم عادت لتصف وجبة الغداء وهي المجدرة. أشهر طبخة شعبية فلسطينية. 

لم تتوقف الكاتبة عند السرد العادي لأحداث عادية لأسرة متحابة مع البشر والافراد ومع الكرم وشجر الزيتون والارض. لكنها استخدمت الاثارة في مقطع سقوط الجدة ولم يأتِ هذا السقوط كأنّه حُشر في النص لزيادة الاحداث واطالة كم القصة انما اتى مندمجا رائعا وهو نتيجة متوقعة لسيدة مسنة تحاول تسلق الشجرة والجدة لم تتصرف بتهور ولا بتسرع لا بل انها كما المحب العاشق الطائش الذي تعجل في رمي نفسه في احضان معشوقه. نعم تلك علاقة الجدة بالزيتون. وهذه علاقة كل فلسطيني رجلا او امرأة. علاقتهم بالارض فيها حب لا يوصف. فوقعت الجدة وهي تحاول انزال حبات الزيتون ص26. هنا دخلت قفزة الاثارة للقارئ الطفل ليتعجل الاحداث ويستفهم عما حدث للمصابة الجدة وقد دخلت في غيبوبة لكنها خرجت منها بعد ايام وطبعا كان اول ما تلفظت به انها ستعود لقطف الزيتون "طيب يلا خلوني اطلع عشان اكمل شغل" ص30.

وعاد فريد يردد حكمة القصة بكل براءة وعفوية: "كم احبك يا جدتي فأنت مثل شجرة الزيتون جذورك في الارض قوية وقلبك دافئ حنون" ص31. ص4

الخط والحروف واضحة للقارئ وقد احترمت الكاتبة علامات الترقيم والحركات.

صورة الغلاف معبّرة جدا وهي تذكرني بصورة فوتوغرافية تبادلتها محطات التلفزة ومواقع التواصل وهي صورة سيدة فلسطينية كهلة تحتضن جذع شجرة زيتون قطعت اغصانها بأيدي المستوطنين.  كانت في غاية الحزن كأنها تحتضن ابنها الشهيد.

لن أبدي رأيي في الرسومات لكني كقارئة عادية اقول أن الالوان لو كانت فاتحة أكثر لكانت اكثر اشعاعا للفرح والحب في القصة كما اوردته عايدة مغربي الكاتبة الرائعة. مبارك وليدك والى الامام يا صديقتي.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب