news-details
مقالات مترجمة

وضع الديمقراطية في اسرائيل، مع خصم الفلسطينيين

دافيد ستبارو

هآرتس- 14/1/2020

 

*تقرير لمؤسسة دولية تعنى بشؤون الديمقراطية يصنف اسرائيل في مكان تحت الولايات المتحدة بالنسبة لحقوق الانسان، وبين البانيا واندونيسيا بالنسبة لدرجة تمثيل الحكومة*

 

جميع الاطراف في الساحة السياسية الاسرائيلية التي تدخل الى حملة انتخابات اخرى، تحذر من الخطر المحدق بالديمقراطية. ومن يعارضون نتنياهو يدعون أن استمرار حكمه هو أمر غير ديمقراطي لأنه يحرض ضد اقليات وخصوم سياسيين، في الوقت الذي هو متهم فيه بمخالفات جنائية ويهاجم الجهاز القضائي. وفي المقابل يدعي مؤيدوه بأن جهاز القضاء يخرق رغبة الناخب ومبدأ فصل السلطات. نهاية الديمقراطية حسب رأي الجميع وانقاذها بأيديهم فقط.

ولكن ما هو الوضع الحقيقي للديمقراطية في اسرائيل؟ هل هي حقا على شفا الهاوية؟ هل في دول اخرى وضعها أفضل؟ تقرير نشر مؤخرا في "آي.دي.إي.ايه"، المؤسسة الدولية التي تساعد على اجراء انتخابات حرة واقامة مؤسسات ديمقراطية في دول كثيرة، يفحص وضع الديمقراطية في العالم ويكشف عن صورة مؤكدة.

الانباء الجيدة الموجودة في التقرير هي أنه أكثر من نصف سكان الكرة الارضية يعيشون في دول ديمقراطية، والوضع آخذ في التحسن. في العقد الاخير وحده تحولت 11 دولة الى دول ديمقراطية، وايضا الدول التي لا تعتبر ديمقراطيات كاملة، مثل الهونغ كونغ وروسيا، يوجد فيها نهوض مدني يطالب بالاصلاحات.

مع ذلك، التحسن في الكمية غير مرتبط بتحسن نوعي. الديمقراطيات في 2019 هي ديمقراطيات ضعيفة وأكثر هشاشة مما كانت في السابق. حركات شعبوية وزعماء سلطويون يضعفون الديمقراطيات التي يعملون فيها.

الرقابة على السلطة ضعفت وحقوق الانسان يتم خرقها ودول كبيرة غير ديمقراطية مثل الصين والسعودية تؤثر بالسلب على جاراتها. حسب هذا التقرير، وضع الديمقراطية في الشرق الاوسط هو الاسوأ في العالم. واسرائيل خلافا للشعارات المرفوعة، ليست هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، لكن الدول الاخرى، لبنان والعراق، اكثر ضعفا وهشاشة بكثير منها. مع ذلك، مقارنة مع الديمقراطيات في اوروبا فإن وضع اسرائيل غير لامع.

حسب التقرير توجد خمسة مظاهر رئيسية للديمقراطية، عندما يتم فحصها بشكل معمق كمعايير قابلة للمقارنة، يتبين أن اسرائيل توجد في مكان غير سيء فيما يتعلق بميزتين منها. في معيار "حقوق الانسان الاساسية" (المكون من امكانية الوصول الى جهاز القضاء، المساواة الجندرية، الحرية المدنية، الرفاه الاساسي وما شابه)، اسرائيل توجد في هامش الدول المتفوقة، اسفل بقليل من دول مثل الولايات المتحدة والارجنتين وسلوفاكيا. في "المشاركة في النظام الديمقراطي" (معيار مكون من نسبة التصويت والمشاركة في النظام الديمقراطي وما شابه) فإن اسرائيل هي في المجموعة العليا مع دول مثل كندا والدانمارك واستراليا.

ولكن عندما يدور الحديث عن المعيار الذي يفحص تمثيل الحكومة عبر فحص عملية الانتخابات، استقلالية الاحزاب السياسية وتطبيق حق الترشح والانتخاب، فان اسرائيل توجد في مكان ما بين البانيا واندونيسيا، اسفل ديمقراطيات غرب اوروبا وحتى تحت دول مثل بولندا والهند. وفي كل ما يتعلق بالمعيار الذي يفحص قوة البرلمان، فان جهاز القضاء والاعلام للرقابة على الحكومة وانتقادها، فان اسرائيل توجد تحت سلوفاكيا وقبرص واليونان، وفي المعيار الذي يحلل مستوى الفساد والانفاذ العادل للقانون فان تصنيف اسرائيل يشبه رواندا وناميبيا، الذي يأتي بعيدا خلف معظم الديمقراطيات الاوروبية. نقطة ضعف اسرائيل، حسب التقرير، هي ضمن امور اخرى، الفساد الحكومي وعدم تطبيق قانون عادل في النظام العام وعدم المساواة بين مجموعات مختلفة في اوساط السكان.

كاتبو التقرير اخذوا في الحسبان حقيقة أنه يوجد للديمقراطية نماذج كثيرة وتقاليد مختلفة، ولا يوجد مقياس واحد يناسبها جميعا. مع ذلك، المعلومات التي يوفرها التقرير هي معلومات واسعة وعميقة. مئات الخبراء من ارجاء العالم فحصوا 97 مؤشر، تم تحليلها من قبل باحثين ساعدهم في ذلك ابحاث اكاديمية ونماذج احصائية. المعلومات المتراكمة تغطي 158 دولة، وتعطي منظور تاريخي لاكثر من 40 سنة.

ومن يصمم على ربط الارقام سيكتشف أنه من بين 39 دولة ديمقراطية اوروبية (لا تشمل روسيا واذربيجان وروسيا البيضاء التي لا تعتبر ديمقراطية) فان اسرائيل تصنف في المكان الـ 24 من ناحية قوة واستقلالية الجهات التي تشرف على الحكومة (البرلمان والمحاكم والاعلام). وهي تتشارك في المكان الـ 27 مع شمال مقدونيا من ناحية تمثيل الحكومة وطهارة الانتخابات وما اشبه. هذا ليس مكان سيء. وبالمقارنة مع دول مثل تركيا واوكرانيا هو مكان جيد جدا. مع ذلك، المشكلات التي يعرضها التقرير تشكل بالتأكيد سببا للقلق.

هنا يمكن أن تثور الغريزة الاسرائيلية التي اعتادت على اتهام جهات دولية بمناهضة اسرائيل. الحديث يدور عن جسم مهني مستقل لا توجد له أي مصلحة ضد اسرائيل. عمليا، العكس هو الصحيح. قبل أن يتم ادخال كتائب الدعاية الى العمل يجدر الانتباه الى الفيل الضخم الموجود في الغرفة. التقرير يتطرق فقط الى الوضع القائم داخل حدود اسرائيل المعترف بها، ويتجاهل تماما ملايين الفلسطينيين الذين تم حرمانهم من حقوقهم الديمقراطية الاساسية، على الاقل بشكل جزئي، نتيجة السياسة الاسرائيلية.

اضافة الى ذلك، الاحداث السياسية في العام 2019 لم تدخل بعد في التقرير. أي أن هناك حقيقتان مهمتان غابتا عنه وهما حقيقة أن رئيس الحكومة في اسرائيل متهم بالفساد، وحقيقة أن اسرائيل تسيطر فعليا على سكان سلب منهم حق التصويت وحرية الحركة. بناء على ذلك يمكن الاستنتاج بأن وضع الديمقراطية في اسرائيل والذي عرض في التقرير هو وضع متحيز لصالح اسرائيل.

ولكن ما هي مصلحة اسرائيل بالفعل؟ الديمقراطية مهمة ليس فقط كقيمة بحد ذاتها، بل هي أولا وقبل كل شيء ترسم الحدود. هل هي حدود استخدام القوة أم حدود صلاحية اصحاب النفوذ أم حدود المس بالحقوق الاساسية للناس. ديمقراطية ضعيفة تعني حدود ضعيفة، التي تعني بدورها انهيار المجتمع.

مصلحة اسرائيل ليست علامات جيدة ومشجعة تعطيها منظمات دولية بأي ثمن. والاقوال التي يتم سماعها في الخارج، حتى لم تكن مصحوبة بالهتاف، يمكنها أن تساعد في اصلاح وتعزيز الحدود، الكوابح والتوازنات للديمقراطية الاسرائيلية. ويجدر أن تسمع هذه الاقوال قبل أن يكون الوقت متأخرا.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب