كشفت صحفية "واشنطن بوست"، الإثنين الماضي، إن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، المعروفة باسم "صفقة القرن"، لا تشمل إقامة دولة فلسطينية مستقلة ولا تعتمد حل الدولتين كأساس لها، على عكس جولات المفاوضات التي دارت على مدار الأعوام العشرين الماضية!!

ونقلت الصحيفة عن مصادر قالت إنهم اطلعوا على أجزاء من الخطة، قولهم إن هذه الخطة ستشمل طرقًا عملية لتحسين حياة الفلسطينيين الاقتصادية من خلال ضخ استثمارات لهذا الغرض، ولكن ليس دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة!!

يبدو ان إدارة ترامب تخلت كليًا عما كان يمثّل،ما بعد العدوان الاسرائيلي في العام 1967 وحتى اليوم، السياسة العالميَّة الرسميَّة، وابتعدت عن القواعد القانونية الدولية وانحازت بالمطلق الى جانب حكومة إسرائيل.

فاعتراف هذه الإدارة بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الإمريكية اليها ومحاولة خنق القدس إقتصاديًا ووقف مساعداتها لوكالة "الأونروا"وتشجيعها للإستيطان الإسرائيلي في القدس والضفة المحتلة، الذي يعتبر جزءًا لا ينفصم من صفقة القرن، كل هذا يندرج في إطار هذا الانحياز السافر لإسرائيل.وفي مثل هذا الحال لا يمكن لهذه الإدارة ان تكون وسيطًا في تسوية عادلة للازمة في المنطقة.

وينطلق هذا المخطط الاستعماري الخطير، الذي يتجاهل الوجود الفلسطيني قيادة وشعبًا، من ان الجانب الفلسطيني سيرفض هذا المشروع التصفوي وان أوروبا عاجزة وان العالم غير مبالٍ وانه في مثل هذا الوضع سيكون بمقدور إسرائيل تنفيذ ما يطمح اليه أقصى اليمين الفاشي. فرفض الفلسطينيين المشروع سيفسح المجال امام إسرائيل لفرض سيادتها على المستوطنات والاحتفاظ بجميع النقاط الهامة في الضفة المحتلة وفق ما تشاءوإرغامفلسطيني الضفة الغربية على كنفدرالية مع الاردن. هذا بالإضافة الى حصول اسرائيل على مبالغ هائلة من الاموال بدعوى قبولها صفقة القرن!!

وبناء عليه فان"صفقة القرن" ليست مشروعًا للتسوية وانما مخططًا عدوانيًا يستهدف الحق الفلسطيني المشروع والمعترف به دوليًا وهذا المخطط لا يختلف عن مخططات ترامب العدوانية، في اليمن تحت مظلة إعادة الشريعة وفي فنزويلا تحت مظلة محاربة الشريعة وفي إيران "محاربة الإرهاب"!!

فمشروع التسوية عادة ما يكون بين طرفين متنازعين ويهدف الى التقريب بينهما لفض النزاع.

وبما ان صفقة القرن هي مخطط عدواني فان تنفيذها يعتمد بالأساس على الاملاء والإخضاع والابتزاز.

وان وسائل تنفيذها لن تستبعد مختلف الخيارات من تجويع وحصار وابتزاز وعقوبات وتصعيد عسكري، وفي هذا السياق لاتزال الإدارة الامريكية قادرة على تجنيد اعوانها الذين تقدم لهم الحماية في المنطقة للعب دور الوسيط المخادع القذر!

وحقيقة أنّه كلّما احتدت أزمات هذه الإدارة تزداد عدوانيتها تجعلنا ان لا نستهين بالأخطار التي ينطوي عليها هذا المخطط الاجرامي الذيسيؤدي الى تقويض أية فرصة لإنهاء الاحتلال وتحقيق السلام وتكريس دوامة سفك الدماء وهدم المنازل ومصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان ومواصلة الاعتقال، خاصة في ظل أكثر الحكومات يمينية وعنصرية في تاريخ إسرائيل!!

وهذه الاخطار استنفرت 37 رئيس حكومة ووزير خارجية سابقين في أوروبا لمطالبةالاتحاد الأوروبي بإقرار تأييده لحل الدولتين وعدم تأييد "صفقة القرن" في حال لم تحترم هذا المبدأ والقانون الدولي.

وجاء في العريضة الذي رفعها هؤلاء المسؤولين للاتحاد الأوروبي: "للأسف الشديد، فإن الإدارة الأميركية الحالية، تخلت عن السياسة الأميركية السابقة، وأبعدت نفسها عن القواعد القانونية الدولية. واعترفت حتى الآن بإدعاءات جانب واحد فقط حيال القدس، وأظهرت عدم اكتراث مقلق إزاء توسع المستوطنات الإسرائيلية، حيث أوقفت الولايات المتحدة مساعدات لوكالة (أونروا) التابعة للأمم المتحدة، وبرامج أخرى تُساعد الفلسطينيين".

وتابعت العريضة: "أننا نؤمن بأن على أوروبا أن تتبنى وتدفع خطة تحترم المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وتعكس مبادئ الاتحاد الأوروبي لحل الصراع، والتي جرت المصادقة عليها في الماضي لإدراكنا المشترك أن سلاما دائما يستوجب قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وفي حدود العام 1967، مع تبادل أراض متفق عليه وبالحد الأدنى ومتساو، وأن تكون القدس عاصمة للدولتين، وترتيبات أمنية تستجيب لمخاوف الجانبين وتحترم سيادتهما مع حل متفق عليه وعادل لقضية اللاجئين".  

وشدد المسؤولون الأوروبيون السابقون في العريضة على أنه "يتعين على أوروبا رفض خطة لا تستوفي هذه المعايير"، وأن أي خطة تقلص استقلالية الفلسطينيين إلى دولة من دون سيادة وتواصل جغرافي، ستفشل أيضا، وتمس بجهود مستقبلية".

وفي ظل اكتفاء المجتمع الدولي بالبيانات والمواقف التي تؤكد دعمها لحل الدولتين، دون أن تتبعها خطوات عملية لحماية هذا الحل أو توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني يبقى الموقف الفلسطيني هو الحاسم في اجهاض هذا المخطط العدواني الذي يستهدف شطب الحق الفلسطيني مهما استوجب ذلك من تضحيات. وهذا يستدعي الإسراع في إنهاء الإنقسام المخزي وتوحيد كل الطاقات لمواجهة هذه المرحلة المصيرية في تاريخ القضية الفلسطينية.

 

الصورة: "هنا على صدوركم باقون..."، مناضلات قرية سوسيا يفترشن أرضهن في مواجهة المحتلين والمستوطنين (رويترز)

إعلانات

;