يصادف اليوم الأربعاء الأول من أيار، عيد العمال الأممي، ويحتفل جموع العاملين في العالم بهذا اليوم،الذي يعتبر في العديد من دول العالم يوم عطلة رسمية، وذلك تخليدًا للمأثرة العمالية الباسلة في مدينة شيكاغو الامريكية، حيث نظم عشرات ألوف العمال في الأول من أيار عام 1886 اضرابًا شل الحركة الاقتصادية في المدينة وخرج العمال في تظاهرة عملاقة الى الشوارع مطالبين بتحديد ساعات يوم العمل بـ 8 ساعات وتحسين ظروف العمل. وفتحت الشرطة النار على المتظاهرين وقتلت عددا منهم، كما ألقى مجهول قنبلة في وسط تجمع للشرطة والمتظاهرين أدى إلى مقتل 11 شخصا بينهم 7 من رجال الشرطة واعتُقِلَ على إثر ذلك العديد من قادة العمال وحكم على 4 منهم بالإعدام، وعلى الآخرين بالسجن لفترات طويلة مع الاشغال الشاقة. وفيما بعد ظهرت حقيقة الجهة التي القت القنبلة عندما اعترف أحد عناصر الشرطة بأن من القى القنبلة كان أحد افراد الشرطة أنفسهم.

فالأول من أيار هو رمز لانتصار العمال في المعركة دفاعا عن حقوقهم وشروط عملهم وعن العدالة الاجتماعية والحياة الحرة الكريمة خاصة وانهم هم من ينتجون كل الخيرات التي ينعم بها المجتمع الإنساني على هذه الأرض.

ومع تفاقم أزمات النظام الرأسمالي وتزايد وحشيته وعدوانيته وانحداره نحو الفاشية يمسي الاحتفال بالأول من أيار اليوم، أكثر الحاحًا لصد الهجوم الشرس على حقوق العمال ولمواجهة البطالة والفقر وعدم المساواة والعنصرية والتطرف الديني الذي يتخذ اليوم أبشع اشكال الإرهاب.

وذكرى الأول من ايار يجب ان تكون محفزًا على مواصلة تصعيد النضال العمالي في سبيل الحفاظ على ما تحقق من مكاسب تاريخية، ومن أجل وقف صنوف الاضطهاد والاستغلال البشع في كل مكان. خاصة وإن القوى المعادية للحركة العمالية والنقابية تعمل باستمرار للحيلولة دون وحدة الحركة العمالية، وتبث سموم الاستعمار القديم - الجديد وتدس الانتهازية في صفوفها لشرذمتها واضعاف دورها.

ويأتي يوم العمال الاممي هذا العام في الوقت الذي تشهد فيها إسرائيل تشكيل أكثر حكومة عنصرية متطرفة في تاريخها بقيادة المشبوه بالفساد بنيامين نتنياهو والذي يمهد لخطوات تمسبحقوق العمال ولقمة عيشهم من خلال منع عاملي القطاع العام من خوض نضال طبقي، بما في ذلك الإضراب. وليس هذا فقط هو ما يتهدد العاملين في إسرائيل فمسلسل سقوط ضحايا لقمة العيش متواصل ويجبي المزيد من الشهداء فخلال هذا العام واصل عددهم الى 14 وفي العام الماضي سقط 52 شهيدًا أكثر من نصفهم من العمال العرب!!

والسبب الرئيسي لتفاقم هذه الظاهرةهو تقاعس الحكومة عن فرض معاييرالأمن في أماكن العمل وجشع أصحاب رؤوس الأموال.

وشهدت مدينة الناصرة، السبت الماضي، كعادتها في كل سنة، مظاهرة حاشدة بمناسبة الأول من أيار،شارك فيها الألوف من الشيوعيين والجبهويين وأبناء الشبيبة ووفد من العربية للتغيير وقوى دمقراطية يهودية وشخصيات وطنية.ورفعت فيها رايات الكفاح الحمراء. ودوت هتافات المتظاهرين ضد الاحتلال ونصرة للشعب الفلسطيني مثل "ما بتنحل القضية الا بدولة وهوية" و "فلسطين ودولتها والقدس عاصمتها" و "شعب فلسطين ما بيركع للدبابة والمدفع" و "يا عمال العالم اتحدوا" و "عاش الاول من أيار عيد العمال الأحرار"، وغيرها.. وأنشد المتظاهرون "نشيد الأممية".

ومظاهرة الأول من أيار سنويا في الناصرة هي تقليد كفاحي راقٍ قاده الشيوعيون في خمسينيات القرن الماضي وما زال هذا مستمرًا حتى يومنا هذا. وفي كل سنة نستعيد في الذكرة أحدث مظاهرة العام 1958 حينما هاجمت الشرطة مدججة بالعصي المتظاهرين لتفريقهم وسرعان ما تحول هذا الى مواجهات عنيفة ورشق حجارة على نطاق واسع وصلت حتى الحي الشرقي ومنطقة السوق والكراج، وتم اعتقال مئات الشيوعيين وأصدقائهم كما جرى اعتقال كل قادة الحزب الشيوعي.

وتخلد العام 1958 في ذاكرة الأجيال على أنه عام المواجهة الكبرى ربما لأنها كانت المواجهة الأولى بهذه الضخامة والتحدي الأول للجماهير العربية منذ نكبة شعبنا في العام 1948.وربما لأنها عبرت عن إرادة وصمود شعبنا في وطنه وإصراره على انتزاع حقوقه والعيش الكريم. او ربما لأنها عززت الثقة بالنفس لدى جماهيرنا، التي كانت تزح تحت جور نظام الحكم العسكري، انه بمقدور الكف ان يلاطم المخرز.

ويحل الأول من أيار هذا العام مع اقتراب اعلان إدارة ترامب عن مخططها للتصفية القضية الفلسطينية المعروفة إعلاميًا بـ"صفقة القرن" التي تستهدف تكريس الاحتلال والاستيطان وشرعنته والحيلولة دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وفقًا للقرارات الأممية والقضاء نهائيًا على حق العودة للاجئين الفلسطينيين، بما ينسجم تماما مع السياسية العدوانية الذي يمارسها نتنياهو على مدار سنوات حكمه. فصفقة القرن لن تواصل الى السلام المنشود وانما تقطع كل الطرق المؤدية الى السلام العادل والدائم في المنطقة.

ولتحجيم القضية الفلسطينية يختلق الثنائي ترامب ونتنياهو وبدعم من أنظمة الخنوع والذل في العالم العربي "التهديد الإيراني" وكأنه السبب في عدم الاستقرار في المنطقة ويحشدان التأييد العربي والدولي لمواجهة هذا "الخطر"!!

وهنا يجب لفت الانتباه الى ما يجري في كل من السودان والجزائر، خاصة لمن يتغنون بالتطبيع مع العالم العربي، وهو ان الشعوب العربية هي صاحبة القرار بشأن مستقبل البلد والمنطقة وان مكان الطغاة مهما كبروا وتجبروا هو مزبلة التاريخ فردًا فردًا وان الشعوب العربية في دول الخليج وغيرها من الدول لا تقل شأنًا عن شعبي السودان والجزائر. وان من يعتمد على أنظمة يقودها طغاة ومستبدين هو مغامر ولا يختلف عنهم بشيء ومصيره كمصيرهم في مزبلة التاريخ.

اما فيما يتعلق بصفقة القرن فان الموقف الفلسطيني واضح وحاسم في رفض هذا المخطط التصفوي والمنحاز ويدعم الموقف الفلسطيني هذا القرارات الأممية والمواقف المعلنة للأكثرية الساحقة من دول العالم. وهنا لا بد من تأكيد حقيقة ان الفلسطينيين رفضوا في الماضي مقترحات أفضل بكثر مما تتضمنه صفقة القرن وان الشعب الفلسطيني الذي قدم هذا الكم الهائل من الشهداء والتضحيات في مسيرته الكفاحية نحو الانعتاق والحرية لن يرضى بأقل من دولة مستقلة ذات سيادية وعاصمتها القدس ولن يتنازل عن حق عودة اللاجئين.

;