news-details
مقالات

إمبراطورية "الشر" تدق طبول الحرب مرة أخرى

 هل من جديد في العالم؟ على ماذا هذه الجلبة؟ لا أخبار، افتحوا الأرشيف اخرجوا الاخبار القديمة والتحليلات القديمة والبيانات القديمة والتنديدات القديمة وتصريحات "المجتمع الدولي" القديمة. فلا جديد تحت الشمس. الإمبراطورية الأمريكية تقوم بما تجيد فعله منذ قرن، تدق طبول الحرب وتستعد لتغرق المنطقة بالدماء، تحاصر شعباً كاملاً وتجوّعه وتنتهك سيادته وتستبيح دمه وتُهدد بقصفه، تقوم بفعل بلطجة دولية ضاربة بعرض الحائط القانون الدولي والمعايير الإنسانية. ما الجديد لدى روما العصر؟ لا شيء.الا أنه في هذه المرة يجلس على عرش القيصر معتوه حقيقي محاط بمجموعة مستشارين ووزراء مجانين، تبدو عصابة بوش أمامهم مجموعة من العقلاء.


يوم الجٌمعة الماضي قام الجيش الأمريكي وبأمر مباشر من ترامب باغتيال الجنرال قاسم سليماني، الشخصية الثانية في ايران على مستوى الشعبية. عملية الاغتيال التي يصفها ماكس بوت، الكاتب في واشنطن بوست والمؤرخ العسكري، بأنها تجعل سليماني أكبر شخصية سياسية /عسكرية تقوم الولايات المُتحدة باغتيالها منذ اغتيالها للأدميرال ياماموتو قائد الاسطول الياباني الذي قاد هجوم "بيرل هاربر" في عام 1943 اثناء الحرب العالمية الثانية. ولتوضح التقارير والتسريبات أن العملية كانت تصرفاً نابعاً من رد فعل متهور لترامب بعد أن أعادت له صور السفارة الأمريكية المحاطة بالمتظاهرين في بغداد ذكرى حصار السفارة الأمريكية في طهران، الذي أسقط كارتر في حينه، وهو الذي يواجه معركة انتخابات هذه السنة تبدو حظوظه فيها سيئة أصلاً. ليعلن بعد العملية أنه قام بالاغتيال، لا ليدخل حرباً بل ليمنع نشوب حرب. وهذا منطقي جداً بالطبع فكما هو معروف في العلوم السياسية والعسكرية المعاصرة فان أفضل طريقة لمنع حرب مع دولة أخرى تتصف علاقتك بها بالتوتر القابل للتفجّر، هي اغتيال جنرالها الأعلى!


قبل صباح السبت الماضي، لم يكن الشعب الأمريكي يعرف من هو قاسم سليماني، لم يسمع به أحد من قبل الا المختصين والمتابعين للسياسة عن كثب. لينهضوا في ذلك اليوم ويكتشفوا من قبل الاعلام الموجه وإدراة ترامب أن جيشهم البطل قد قام باغتيال أخطر رجل في العالم، "الشرير رقم واحد في العالم" كما وصفته قناة أمريكية، عدو أمريكا الأخطر، الشيطان ذاته، المسيح الدجال بشحمه ولحمه، المسؤول عن مقتل مئات الجنود الأمريكيين- الذين ذهبوا للشرق الأوسط من أجل افتتاح جمعيات خيرية هناك- والمسؤول عن مقتل آلاف المدنيين في العراق وسوريا – وهذا المهم بالطبع لأنه ما الذي يحرك الولايات المتحدة أكثر من الرغبة بحماية المدنيين العرب- حتى أن مايك بينس نائب الرئيس الأمريكي حاول أن يربط سليماني بهجوم 11 سبمتمبر.. حتى أولئك الذي يعارضون عملية الاغتيال بمستويات مُختلفة من الحزب الديمقراطي يتفقون أن سليماني كان "رجلاً سيئًا" وقاتلا وشريرا يستحق الموت، لكنهم يختلفون إما على التوقيت أو السيرورة أو خطوة الاغتيال بجوهرها، لأن الرجل الأبيض وحده القادر على توزيع المعايير الأخلاقية وتحديد "الشر" من "الخير".

أيّ وقاحه ونفاق واستعلاء هذا، ليس هناك دولة في التاريخ المعاصر يرتبط تاريخها بمعيار "الشر" كما هي الولايات المُتحدة، هل انتخبت هذه البلاد في تاريخها المعاصر رئيسًا واحدًا لا يمكن اعتباره "مجرم حرب" حقيقي؟ أية أفضلية أخلاقية يملك هؤلاء لتحديد "الأشرار" من ألـ"أخيار". أي نفاق هذا الذي يأخذ بعين الاعتبار رأي ورغبات وأحلام وتطلعات "الشعب" الإيراني حينما يخرج الآلاف في الشوارع في مظاهرات ضد النظام، ولا يلقي لها أي بال حينما يخرج موحداً حتى بمعارضيه، بملايينه لتشييع جثمان رجل يعتبره بطلاً ورمزاً، حتى أن ارديشر زاهدي، وزير الخارجية الإيراني في العهد الملكي وآخر سفير لطهران في واشنطن ومن أكثر الشخصيات قربا من عائلة الشاه والنظام البهلوي عموما؛ المنفي خارج البلاد منذ الثورة الاسلامية، وعدو لدود للنظام في ايران منذ ذلك الحين.يقول للـbbc، في تصريح مفاجئ أن قاسم سليماني، "وطني وجندي شريف وابن بار للشعب الايراني" ويشبهه بديجول ومونتجمري وماكارثر، وايرنهاور–  لكن لا، هذه الملايين لا يحق لها تحديد أي شيء، الرجل الأبيض، امبراطورية "الشر" العُظمى وحدها التي تملك التفويض لتحديد "الأخيار" و"الأشرار" في هذا العالم.


ويخرج الرئيس المعتوه مرة أخرى ليهدد بتدمير وتفجير ايران اذا قامت بالرد، ويحدد 52 موقعا في ايران مهددا بالاستهداف، بعدد الأمريكيين الذين تم محاصرتهم في السفارة الأمريكية في طهران عام 1979. وكم هو مثير للسخرية  أن يذكرنا ترامب بهذه الحادثة وفي هذا السياق، أيعرف ترامب لماذا حاصر الشعب الإيراني في خضم ثورته الشعبية السفارة الأمريكية آنذاك؟، بسبب الدور الاجرامي والخبيث الذي لعبته الولايات المتحدة على مدى سنوات في دعم نظام الشاه القمعي والدموي والناهب، ودورها الخبيث في الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مصدق لأنه تجرأ وعمل أن تكون ثروات ونفط الشعب الإيراني في جيب الشعب الإيراني لا في جيوب الشركات الأمريكية. ترامب يُذكرنا بان حرب الولايات المتحدة على الشعب الإيراني أقدم من سليماني ومن الخامنئي، هي مستمرة منذ أن وُجد نفطهم وستظل مستمرة ما بقي. ثٌم يهدد ترامب علناً أنه سوف يستهدف مواقع ثقافية في ايران-وفي هذه الحالة بالطبع ستكون مواقع دينية مقدسة- وهو إعتراف مباشر بنيته ارتكاب جريمة حرب معلنة وفق كل المواثيق الدولية والمعايير الانسانية والأخلاقية. ثم يتجرأ هذا النذل وإعلامه أن يقولوا لنا أنهم اغتالوا "الشرير رقم واحد في العالم". الا أن الشعب الإيراني وشعوب المنطقة وكل الشعوب المسحوقة حول العالم تعرف جيدًا من هو "الشرير رقم واحد في العالم"، انه أنت يا سيد ترامب، أنت وكل من جلس قبلك في هذا البيت الأبيض، حيث الموسيقى المفضلة هناك هي "دق طبول الحرب".

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب