news-details

الأنقياء يرحلون| آمنة أبو أحمد

 

لم يمُت أحدٌ تمامًا تلك أرواحٌ تغير شكلها ومقامها (محمود درويش).

غابت شمسك عن سمائنا يا أبا هشام، غابت روحك ومزحتك وابتسامتك عن سمائنا يا رفيقي..

محمد نفاع هو نموذج استثنائي للإنسان المتواضع والشهم الذي أحبّ شعبه حبًّا بلا حدود. برحليك يفقد حزبنا أحد رموزه على مدار سنوات عديدة، سقطت سنديانة الجرمق التي تحمل بداخلها هموم شعبها الفلسطيني والشّعب السّوري وشعوب العالم.

عرفته منذ سنوات الـ80 حيث كان لي أول لقاء به في الغابة الحمراء ومن هنا بدأت العلاقة الرفاقية وبدأت تدريجيًا أتقرّب إلى الرفيق محمد لأنني رأيت فيه الانسان أولاًّ ثم رأيت مواقفه وخطابه السّياسي والأدبي والقصصي.

لم أنس دعمه ومساندته لي عندما تدرج اسمي للترشيح للجنة المركزية في المؤتمر الـ 26 حيث كان يملأني بالمعنويات هو والرفيق الرّاحل أديب أبو رحمون.

وعندما صدرت النتيجة اقترب نحوي ليبارك لي وقال لي جملة "هذا ليس منصبًا هذه أمانة غالية تحملونها وتحافظون على هذا الحزب، وأنتن جيل المستقبل لحزبنا".

في الأوّل من أيّار2021، اختنقت في أول لحظة لم أراك فيها، وكنت قد انتظرتك بلهفة لكي أقدّم لك الربطة الحمراء كباقي الرفاق.

الربطة التي ألبسك اياها منذ عدة سنوات، حينها بدأت البحث عنك بين الرفاق والرفيقات وسألت عنك ولم أكن سعيدة لأنني لم أراك بهذا اليوم المقدس لك أيّها الشيوعي العريق.

اتصلت بك لكي أطمئن عليك وعن سبب غيابك عن يومك المقدس. فكانت اجابتك: " كنت بالمستشفى وأجريت عملية صغيرة (وأسماها) وعكة صحية".

ولكنّني صمّمت التواصل معك ومع العائلة لأنّ أمرك يهمّني جدًّا. وكنت قد قررت أن أزورك مع مجموعة خاصّة ومميزة تحبك ولكن لم ننجح بسبب طلبك وطلب العائلة. وتم تأجيل الزيارة عدّة مرات، أما أنا فتواصلت دائمًا مع أبنائك ومع أم هشام حتى آخر لحظة... قررنا كسر قرارك يا رفيقي وقمنا بزيارة بيتك بتاريخ 12/7 في ساعات المساء (سامحنا يا رفيق لأننا كسرنا هذا القرار).

استقبلتنا أم هشام بالابتسامة الحلوة ورحبّت بنا وأرادت أن تضيّفنا ولكن الرفيقة هندية عزمت على أن تحضّر القهوة بنفسها. وهنا سألت الرفيقة هندية أين زعيمنا فكان الجواب هو: أعدنا محمد للمستشفى قبل ساعات وهنا كان الصمت لعدة دقائق بين المجموعة التي كانت ببيتك يا أبا هشام.

ولم نستطع الرد على أم هشام، إذ قالت لنا "هذه الدنيا وكلّنا على الطريق" وهذه الجملة عندما ذكرتها بالجلسة قلقنا كثيرًا. وأنا شخصيًا بدأت أمشي من الغرفة إلى غرفة الصالون. وبدأ تفكيري يجول بعيدًا، ولكن لم أبيّن ذلك على وجهي وصرتُ أقرأ كل الشهادات التي كانت معلقة على جدران البيت حتى لفتني كرت المندوب الذي كان معلقًا على الجدار عندما شاركت بمؤتمر الأحزاب الشيوعية في الصين. بينما كانت ام هشام مع المجموعة تتحدث عن محطات تاريخية لأبي هشام وذكريات أرض الزابود.

تعمقت علاقتي بالرفيق محمد أكثر وأكثر عندما سمعته في الخطابات السياسية وشاهدت مواقفه الصلبة وتمسكه بالحزب ومبادئه وعطائه. كان يشدّني كثيرًا، تعلّمت منه الأخلاق والاخلاص والعطاء والشجاعة. أبو هشام صاحب المزحة والضحكة، لم ولن ننسى جلساته في الغابة الحمراء وحفلة الاتحاد ولن أنسى زيارتك لبيتنا.

ليس سهلاً أن اتقبل هذا الخبر الذي نزل كالصاعقة علي. سقطت سنديانة جرمقية غالية علي وعلى أبناء شعبي الفلسطيني والسوري. سقطت سنديانة عريقة صاحبة مواقف صلبة وشجاعة، ليس سهلاً أبدًا أن نلقي نظرة الوداع على جرمقٍ غالٍ.. أوجعتنا كثيرًا يا رفيق.. وداعًا لحارس الزابود والجرمق.. وداعًا أبانا صديقنا معلمنا وقائدنا أبو هشام.. سنشتاق لك أيّها الغالي.

 

ابنتك ورفيقتك

الناصرة

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب