news-details

الثّابت.. صاحب القلم السّيال| عصام عراف

عدت يوم الجمعة الماضي من تشييع جثمان صديق عزيز وأخ كريم إلى مثواه الأخير هو الكاتب والسياسي محمد نفاع من قرية بيت جن وقد حضر الجنازة جمهور غفير من أبناء شعبنا اعترافًا بفضله ونضاله الطويل المشرف وقد ترك رحيله في القلوب لوعة لن تزول وفي العيون دمعة لن تجف لأننا فقدنا برحيله رجلاً عز نظيره فقدنا ينبوع العطاء وأسطورة التضحية والنضال والكفاح ورمز الثبات على المبادئ والقيم الإنسانية، الثبات الذي لم يتزعزع ولم يتحور ولم يتبدل خلال مسيرة طويلة وسيرة عطرة مشرفة دامت لعقود وعقود.

صوته المجلجل الهادر تردد في جميع الساحات والميادين استمعت إليه الجماهير التي أحبها وأحبته وهو ينادي من أجل رفع الظلم عن شعبه وعن جميع المظلومين ويستنهض الهمم ويشحذ الوجدان للوقوف بوجه الظلم والطغيان في كل مكان بكلمات واضحة رنانة لا لبس فيها ولا التواء.

إيمانه العميق بعدالة الاشتراكية وجرائم الرأسمالية التي تستبيح استغلال الإنسان لجهد أخيه كان مهمازا في ضميره طيلة حياته يحفزه للدعوة لأخوة الكادحين في جميع أنحاء العالم لمحاربة هذا الاستغلال البشع الذي كان وما زال يبيح نهب ثروات الشعوب ونهب ما تنتجه أيادي وأفكار الطبقة العاملة.

قلمه السيال كان جدولا عذبا صافيا رقراقا ينبع من كل صخرة ومن كل ربوة ومن كل مرج ومن كل قمة سارت فوقها قدماه ومن كل شجرة استراح في ظلها ومن الطيور المغردة التي كانت تشنف أذنيه بألحانها الساحرة وحتى من عواء الثعالب والذئاب التي كان تتجول في الوهاد والهضاب تبحث عن صيد لها ومن أنين ناي الراعي ومواويل وأهازيج الكادحين في الحقول في مواسم الحصاد وجمع الأثمار.

استلهم من البيئة التي عاش فيها قصصا سردها بأسلوبه السلس الفريد ووصفها بأسلوب وكلمات وكأنه يرسم لوحات زاهية جميلة لحياة قروية وبيئة طبيعية صور فيها جميع نواحي الحياة.

عشق الطبيعة الخلابة الساحرة التي تتمتع بها قريته جعله يصفها وصفا دقيقا جميلا حيث يقول في قصته القصيرة "الجرمق":

"أنثري أيتها الأرض الطيبة الملقاحة، أنثري من نشرك المبارك وأنفاسك الغضة وطيبك الهتون وخيرك المضمخ بعرق الجهد والسترة والعافية وانبتي حجارة تحميك من العاديات مشرئبة إلى العلاء بعزة ونقاء واطلقي صرخة الوئام الجبارة إكراما لطهرك الوضاء وصونا لعرضك الطاهر".

ترك لنا في كتاباته كنزا ثمينا ذكر فيه أسماء النباتات الكثيرة التي تغطي أرض بلادنا وذكر فيها ما كان يستعمله الناس كغذاء أحيانا ودواء أحيانا أخرى.

ترك لنا أيضا مجموعة نادرة من الأغاني والأمثال التي جرت على ألسنة الآباء والأمهات والأجداد والجدات والألعاب التي كانت سائدة لقرون واختفت في الآونة الأخرة وكأنه يكتب وصيته لنا ويقول: حافظوا على هذا التراث النادر من الضياع لأن المحافظة عليه كالمحافظة على جذورنا التي تعزز ارتباطنا بوطننا وحضارتنا وتعزز كل ما يحافظ على بقائنا ووحدتنا كشعب عاش على هذه الأرض منذ أمد بعيد.

أحر التعازي نقدمها للسيدة الفاضلة أم هشام التي كانت السند الأكبر لزوجها في رحلة كفاحه الطويلة ولجميع أفراد الأسرة الكريمة وآل نفاع وجميع أهالي بيت جن وجميع الأصدقاء الأوفياء الذين وقفوا بجانبه في السراء والضراء ونعزي شعبنا العربي في كل مكان لرحيل ابنه البار.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب