news
مقالات

الضّمّ مع الكمّامة أكثر أمنًا وأمانًا | إياد الحاج

 

 

     كان أبو طوني فضّول صديق والدي. وكانَ متعلّقًا بموطنه البَصَّة كما يتعلّق الجسد بالرّوح. كان يزورها يوميًّا، فيسافرُ إليها، من كفرياسيف، حيث سكن، بسيّارته القديمة، وفيها يقضي جلّ أوقاته. وكان، أحيانًا، يصطحبُ والدي معه، فيقوم هناك بجولة يشرح له فيها عن مواقعها، وعن تفاصيل الحياة، وعن ذكرياته المنخرطة في وعيه، وفي أنفاسه، وفي إحساسه.

     كان أبو طوني يركن سيّارته على الشّارع المحاذي لبيتنا، في حيّ البيادر، يفتح باب السّيّارة ببطء، يزيل حزام الأمان عن نصفه العلويّ، ينزل منها وهو يمسك سيجارته التي لا تفارقه بإصبعيه القصيرتين المصفرّتين عند أطرافهما، يسند ظهره إلى جانب السّيّارة، بعد أن يغلق بابها، يرفع رأسه نحو مقام "الخضر" تارة، ونحو الجامع المجاور تارة أخرى، ونحو الكنيسة المقابلة، بين مجّة وأختها. وعندما ينهي سيجارته، يمشي الهوينا إلينا، في السّبيل الذي يصل بيتنا بالشّارع، كي يلتقي بوالدي، فيجلس في النّاحية الشّماليّة ليتمتّع بنسمات الهواء التي تحمل عطر البصّة.

     لا يغيب أبو طوني عنّي في هذه الأيّام، وأنا أسمع، وأشاهد التّقارير والأخبار عن شرطة إسرائيل التي تنتشر في كلّ مكان عامّ في الدّولة، لتقوم بمخالفة كلّ من يتجوّل بدون كمّامة، بمبلغ خمسمائة شاقل، وبدون إنذار مسبق، فقد انتهت فترة التّحذير، وبدأت الآن فترة الالتزام بالتّعليمات الصّارمة، وتطبيق قانون "الكورونا"، حفاظًا على سلامة المواطنين. وتفيد التّقارير أنّ حوالي ثلاثة آلاف مخالفة تقوم بها الشّرطة يوميًّا.

     أمّا لماذا لا يغيب أبو طوني عن بالي، في هذه الأيّام، فلأنّه كان يلتزم بالقانون، وكان يضع حزام الأمان، قبل أن يشغّل محرّك السّيّارة، وكان يجيب سائله عن سرّ هذا الالتزام الشّديد بتنفيذ القانون: "إذا بدّك تغيظ شرطة إسرائيل امشي على القانون".

     منذ بدأت الموجة الأولى من انتشار فيروس الكورونا، ومسؤولو وزارة الصّحّة، والحكومة، يحذّرون من الموجة الثّانية التي ستكون أقوى من الأولى، وأشدّ فتكًا، فماذا أعدّت "حكومة الكورونا" لمواجهة الموجة الثّانية؟! لقد سنّت قانون الكورونا، الذي يسمح لها بفرض حالة الطّوارئ أينما رأت ضرورة لذلك، ومتى أرادت ذلك، وهو يتيح للمخابرات تعقّب حاملي فيروس الكورونا بواسط الهواتف المحمولة، ويدفع الشّرطة للقيام بمخالفات جديدة عديدة تطبيقًا للقانون.

     غريب أمر هذا المجتمع الإسرائيليّ، يظلّ عرضة للتّضليل، وتنطلي عليه الأحابيل. لقد أخذت هذه الحكومة مبرّر وجودها من الحالة الطّارئة التي فرضها انتشار فيروس كورونا، فماذا أعدّت لمنع انتشاره، وكيف جهّزت المرافق الصّحيّة، والتّعليميّة، والرّياضيّة، والثّقافيّة، والتّرفيهيّة... لمواجهة الموجة الثّانية؟! وعندما يرى هذا المجتمع أنّ هذه الحكومة لم تعدّ العدّة للهدف الذي قامت من أجله، وبأنّها منشغلة بفرض الغرامات على النّاس الذين تضرّروا أشدّ الضّرر من الأوضاع الاقتصاديّة النّاشئة، نتيجة حالة الطّوارئ المفروضة عليهم، كيف لا يحتجّون على أفعالها، وكيف لا يملأون الشّوارع والسّاحات بالمظاهرات؟!

     إنّ الحلول التي تفرضها الوزارات على المواطنين، في هذه الأحوال الطّارئة، هي حلول أمنيّة، هي عقوبات مفروضة على المخالفين، لا يريدون علاقة أخرى بين الأجهزة الرّسميّة وبين المواطنين، فهل هذه هي الطّريقة الوحيدة للتّعامل مع النّاس في هذه الظّروف، أم هي الطّريقة المفضّلة عند أصحاب العقليّة الأمنيّة المتنفّذين بإدارة الدّولة. ففوق الأزمة الاقتصاديّة، غرامات ماليّة، وماذا طلبت الوزارات من نفسها؟! هل جهّزوا كل المرافق للمواجهة الصّحيّة اللّازمة، هل دعموا الشّرائح التي تضرّرت من الأزمة، هل وفّروا كلّ ما هو لازم للأماكن العامّة؟!

     إنّ "حكومة الكورونا" بدل أن تنشغل بمواجهة الكورونا تنشغل بمشروعها الصّهيونيّ الكبير، بضمّ المستوطنات والأغوار في الضّفة الفلسطينيّة المحتلّة إلى إسرائيل، هذا هو المشروع الحقيقيّ الذي قامت عليه هذه الحكومة، وعدم تنفيذ هذه المشروع هو الذي سيقوّض أركان الائتلاف الحكوميّ، وتطبيق هذا المشروع هو الضّمانة لاستمرار هذه الحكومة، هذا ما أثبتته الأحداث، منذ فترة التّفاوض على إقامة هذه الحكومة، وحتّى الآن.

     ولكنّ ضمّ الضّفّة الغربيّة، أو بعض منها يتعارض مع القانون الدّوليّ، ومع الحقّ الفلسطينيّ؛ لذلك فدولة إسرائيل ستعمل حسب القانون، ستسنّ قانونًا خاصًّا، لضمّ الضّفة الغربيّة، أو أجزاء واسعة منها، كما فعلت بقانون ضمّ الجولان، وقانون ضمّ القدس، وقبلهما قانون مصادرة الأراضي من عام 1953، وغيره من القوانين...، وكلّ ذلك تمّ حسب القانون، مصادرة شرعيّة، وضمّ قانونيّ، فنحن نعيش في دولة قانون، نهب أراضي الغير هو عمل قانونيّ تشرّعه الكنيست، وهذه مرجعيّة قانونيّة لمن يبحث عنها.

     إنّ القوانين في هذه الدّولة سياسيّة بامتياز، لا حاجة لمرجعيّة شرعيّة لها، فالأكثريّة تبيح لنفسها المحظور، وتصادر حقوق أصحاب البلاد الأصليين، وتنهب تاريخ وجغرافية الشّعب الواقع تحت الاحتلال، هي قوانين نابعة من منطق القوّة، قوانين تدوس كلّ القيم والأعراف والحقوق والأخلاق، قوانين تكرّس الظّلم والاحتلال والحرب. وكلّ الأجهزة الأمنيّة في الدّولة هي أدوات لفرض هذه القوانين التي تتقزّم أمام فظاعتها قوانين الغاب.

     وما العلاقة بين قانون الكورونا وقانون ضمّ الضّفة الغربيّة، أو بعضها، الذي ستشرّعه الكنيست؟ كلاهما قانون، الأوّل سبب ظاهر لتشكيل الحكومة، والثّاني هو الهدف الباطن الذي أرادت الحكومة تحقيقه، وبين الانشغال بفرض الكمّامات على أفواه وأنوف المواطنين، وفرض الغرامات على المخالفين، تفرض الحكومة الضّمّ على الشّعب الفلسطينيّ الواقع تحت الاحتلال، بالقانون. هذه حسابات "السّرايا"، لكنّ حسابات "القرايا" مناقضة ومقاومة وستظهر الوجه الحقيقيّ للاحتلال، رغم وجود الكمّامة.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب