news-details

انفجار قنبلة خطاب الإنجازات الموقوتة وفشل المعركة| محمد أسامة اغبارية

 

لا شكّ أن هذه الانتخابات فاجأت بعضًا من قيادة وكوادر الأحزاب المكونة للقائمة المشتركة لاعتمادها على استطلاعات داخلية وإعلامية إخبارية بحت واعتماد الأحزاب الشريكة للقائمة المشتركة على قاعدة شعبية "غير ثابتة" وهنالك الكثير من العوامل التي أدّت الى الفشل تم ذكرها في العديد من المقالات، منها التنظيمية والإعلامية والمالية وغيرها.

لكنّني سأناقش في هذا المقال الأسباب الرئيسية بنظري في فشل القائمة المشتركة هذه الانتخابات.

خطاب الإنجازات وتغليب اليومي على القومي:

لا شكّ أن مشروع القائمة المشتركة عند تأسيسها قد أعطى أملاً لمئات الالاف من أبناء شعبنا وحتى للأحزاب السياسية في مأسسة وتنظيم مجتمعنا الفلسطيني في الداخل برلمانيًا إلا أنّ هذا المشروع لم يأت ثماره في تحقيق هذه الأهداف بل تحوّلت الى ائتلاف بين أربعة أحزاب للوصول إلى البرلمان، كما أن سلوكيّات قيادة المشتركة اقتصرت على التصريحات المضللة غير الواقعية التي رفعت سقف التوقعات لدى الجماهير مثل "نحن من نقرّر ما هي الحكومة القادمة"، "بيضة القبان"، "سنُسقِط" و"سنعمل"، إلّا أن هذا النهج الذي بدأ منذ العام 2015 يتفاخر بأن عمله البرلماني يشكل في 90% معالجةً للقضايا اليومية لكي لا يتهمه الاعلام الاسرائيلي بأنّه "عميل سلطة رام الله" قد نجح بشكل كبير في خلق وعي جديد لدى الناخبين العرب بأن يغلّبوا اليومي على القومي وقد تُرجم ذلك في انتخابات الكنيست الـ24، فكيف ذلك؟

إذا أردنا العودة إلى الماضي منذ عام 1999 حتى عام 2013 عندما كانت تتنافس في الساحة السياسية العربية في الداخل أكثر من 3 قوائم انتخابية، فنرى أن نسبة التصويت كانت بين %53.4-%75  وذلك يعزى لظروف كل فترة من تلك المعارك الانتخابية ولكن أهم الأسباب كانت في نسبة التصويت المرتفعة نسبة للسنوات الستّ السابقة هو التحرك الجماهيري للشعب الفلسطيني في الداخل والضفة والقطاع والشتات، الأمر الذي كان على جدول البرامج السياسية للأحزاب العربية وبعض الأحزاب الصهيونية، وهذا ما ترجم الى زيادة نسبة التصويت لدى الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل لأنها كانت مشاركة في الممارسة السياسية نضاليًا وميدانيا بتغذية من الأحزاب العربية.

في مطلع عام 2015 أعلن عن تأسيس القائمة المشتركة بقيادة ووجوه جديدة رفعت سقف التوقعات بسبب الوحدة وذلك يعني زيادة في نسبة التصويت مما يؤدي عمليًا الى زيادة  في عدد المقاعد، لكن هذه الوحدة وهذا المشروع الذي قامت عليه القائمة المشتركة لم يحدث لعدة عوامل منها التنافس بين بعض النواب في النجومية وإخراج بيانات منفردة  لكل نائب حتى من داخل الكتلة التي ينتمون اليها وعدم التنسيق بين الكتل المشكلة للقائمة المشتركة، وقضية التناوب التي لم يتم التعامل بها بروح الفريق، والانشقاق الذي قاده في البداية النائب احمد الطيبي لزيادة عدد مقاعده والذي تم استغلاله من قبل التجمع والحركة الإسلامية الجنوبية الغريمين السابقين للجبهة الديمقراطية في الانفراد بقائمة برلمانية، لكن آمالهم لم تتحقق.

وبسبب ذلك الخذلان كله مع الأخذ بالحسبان الظروف الموضوعية التي طغت في وقتها بارتفاع نسب جرائم العنف حتى أصبحت تتصدر العناوين الرئيسية ليس كسابقها، وإعلان ترامب اعترافه بالقدس عاصمة إسرائيل ونقل السفارة اليها بمباركة خليجية مما أدى الى فرض هذه الآفة التي خلقها الاحتلال نفسه في الاجندة الأولى لكل الأحزاب بسبب أولوية الناس لهذه القضية إذ تم ربطها بالميزانيات للتعليم ودعم الاقتصاد المحلي لكل بلد وغيرها من الأمور التي اقتصرت على مطالب مدنية وتم تهميش القضية الفلسطينية وعدم ربطها بآفة العنف، والمعنى أن تحمل خطابًا ومشروعًا سياسيًا كفاحيًا نضاليًا في الميدان وبمخاطبة الناس، وهذا ما افتقرت إليه القائمة المشتركة حتى ان هناك من تفاخر من نوابها ان عملهم اليومي في القضايا المطلبية.

تهميش القضية الفلسطينية:

لا شك ان القضية الفلسطينية في العقد الأخير نزلت من الجدول العالمي وذلك يعزى لعدة أسباب منها عربية ودولية لكن بلغت ذروتها مع صعود كلب الرأسمالية الأمريكية ترامب في دعمه غير المشروط للاحتلال الإسرائيلي وتجاهل المطالب القومية للشعب الفلسطيني بدعم عربي خليجي بالأخص لالتقاء المصالح لمحاربة إيران وذلك مع بدء منح الهدايا لإسرائيل بالاعتراف بالقدس والجولان كجزء من دولة إسرائيل كلب الحراسة الامبريالية في الشرق الاوسط وإعلان صفقة القرن.

وذلك لم يتم الرد عليه فلسطينيًا بالشكل المطلوب في الضفة وغزة والداخل نضاليًا وميدانيًا بل وتم خفض وتيرة النضال الشعبي وكان هناك انهيار للسقف السياسي ليصبح تغيير الإدارة الأمريكية هو آمالنا وذلك لعدة أسباب منها وأهمها برأيي هو المال السياسي الذي أصبح محكومًا في تصرفات السلطة الفلسطينية وسلطة حماس في الضفة وغزة مما أدى الى فقدان الأمل أو إبعاد آمال قيام دولة فلسطينية لفترة أطول مما انعكس ذلك علينا نحن الفلسطينيين في الداخل والذي جعل الأولوية للقضايا المطلبية لجماهير شعبنا والذي اقتيدت اليه قيادة المشتركة بما سماه لينين وحذر منه بعفوية الجماهير (بحيث أن الجماهير هي من تقود القيادة).

وهنا بدأ انخفاض السقف السياسي لقيادة المشتركة بأن أكثر ما تطمح إليه هو القضاء على الجريمة والعنف (الذي خلقه الاحتلال) وإلغاء قانون القومية وإلغاء قانون كامينتس والاعتراف بالقرى مسلوبة الاعتراف بالنقب وخطة اقتصادية للمجتمع العربي.

والسقوط الأكبر كان في تشويه مفهوم الشراكة العربية اليهودية الذي طرحه الحزب الشيوعي تاريخيًا، الشراكة التي تبنى على الأسس المطروحة في البرنامج السياسي، وقبول الشراكة من الخارج او الداخل في حكومات إسرائيل اذا وافقوا على تلك المطالب الخمس بالأساس، وذلك تجلى في التوصية على مجرم الحرب بيني غانتس مرتين والتركيز في التوصية على تلك القضايا التي ذكرتها بدون مطالبة جدية ببدء عملية سلام بل اكثر من ذلك ولبعض من يظنون ان حزب ازرق ابيض كان فعلاً لن يتماشى مع صفقة القرن اريد ان اقتبس حرفيًا من تصريحات بيني غانتس بعد الإعلان عن صفقة القرن: "نتنياهو لا يمكنه تنفيذ صفقة القرن نظرًا لانشغاله بالاتهامات والشهود وجلسات المحاكمة المرتقبة"، "صفقة القرن، تعكس المبادئ الأساسية لحزبه، متوجها للقيادة الفلسطينية" بقوله "قولوا نعم لمرة واحدة".

بل أكثر من ذلك هنالك من قارن من قيادة المشتركة التوصية على مجرم حرب بالتوصية على رابين لكن شتان بين التوصيتين، كان توفيق زياد يفاوض مجازيًا على حدود القدس لكن على ماذا كانت قيادة المشتركة تفاوض بالقضايا القومية حزب ازرق ابيض؟ وهل فعلاً كان هناك نضوج لدى حزب ازرق ابيض لبدء عملية مفاوضات مع السلطة الفلسطينية؟

وبعد التوصية لم تكتف بالتصريحات تلك بل ذهبت قيادة المشتركة لإيهام الجمهور العربي اننا على شفا ان نكون جسمًا مانعًا، وهذا كان ابعد من الواقع بكثير في فترتها لان الحديث كان يدور على حكومة "وحدة وطنية" وذلك ما حدث في انشقاق بيني غانتس ورفاقه وزحفه لحكومة نتنياهو.

ان تلك التصريحات وإعطاء الآمال الكاذبة قبل التوصية وبعدها حتى تشكلت الحكومة فعلاً رفعت من شعبية المشتركة بعدد المقاعد وفي الاستطلاعات بعدها لكن سرعان ما اندثر الوهم بدأت المشتركة تنخفض بعدد المقاعد في الاستطلاعات وذلك لأن المشتركة لم تكن بيضة القبان مع علم قيادتها انه لم يكن من الممكن إقامة جسم مانع في مثل تلك حكومة للأسباب التي ذكرتها.

وهذا كان خطئًا ترجم من خلال الخطاب الذي تراكم لمدة 6 سنوات في نتائج الانتخابات الأخيرة بحيث تم توسعة دائرة المناورة ليصل اليمين الإسرائيلي فأصبحت بمنطق التأثير وخطاب الإنجازات أكثر فعالية وارتفاعًا للاحتمالات بتحصيل ميزانيات أكثر وتعديل قانون هنا وهناك والذي قادته الحركة الإسلامية الجنوبية بممثلها منصور عباس والذي أيضًا لعب على الوتر الديني الاجتماعي في قضية المثليين والتعاطف الجماهيري لأنه كان هناك احتمال بعدم عبوره نسبة الحسم وبذلك فقدت القائمة المشتركة قصتها المنقوصة أصلاً.

القصة المنقوصة هي عدم تجنيد ومشاركة الجماهير سياسيًا وميدانيًا فهي لم تكن شريكًا حقيقيًا في النضال على حقوقها المدنية والقومية بل تم تذويت مفهوم عمل البرلمان بأنه يستطيع ان يلغي ذلك وذاك فقط بارتفاع عدد المقاعد للقائمة المشتركة وهنا بدأت ثقافة الكسل السياسي لدى الجماهير العربية.

وأصبحت آمال الجماهير العربية في تحقيق حقوقها فقط من خلال البرلمان الإسرائيلي وهي منصة مهمة للغاية لكن تم تضليل الناس لماذا نحن نذهب فعلاً للبرلمان الإسرائيلي وهنا يجب ان يدور النقاش الأساسي، نحن نذهب في الأساس لتغيير الرأي العام في إسرائيل وهذه وظيفة كل معارضة في أي دولة في العالم لكن ما حدث في آخر 6 سنوات هو تجريد هذا المفهوم لخطاب الإنجازات والميزانيات وإطلاق الآمال في الغاء ذلك وذاك لأغراض انتخابية بحتة  ولم يتم فعلاً مصارحة الجمهور بماهية وظيفتنا ودورنا في البرلمان الإسرائيلي وذلك ما أدى فعليًا الى تحميل أعضاء الكنيست العرب المسؤولية اثر كل مصيبة وانخفاض نسبة التصويت.

 

قضية المثليين:

لا اريد في هذا المقال مناقشة مناصرة حقوق المثليين من عدمها لكنني أريد أن أذكر الأخطاء الفادحة في كيفية تعامل قيادة الجبهة مع هذا الموضوع والذي كان من الأسباب المركزية في نجاح القائمة المنافسة.

تجاهل هذه القضية واللا موقف الحزبي للجبهة في هذا الموضوع الذي بدأ يطرح بقوة في السنين الأخيرة في العالم حتى انتشر داخل صفوف كوادر وقيادات الجبهة بحيث ان قيادة الجبهة تركت لكوادرها وقياداتها ان تصرح كل على هواه حتى وصلت الى رفاقنا الذين يمثلوننا في الكنيست منهم من أعلن عن مناصرة تلك القضية ومنهم من احتفظ موقفه لنفسه وهنا يكمن الخطأ الفادح بحيث انه في وضع طبيعي يجب على الحزب ان يقر في هيئاته ماذا يريد من كل قضية وقضية ويعرضها في المؤتمر العام ليقرر ماذا يريد ليخرج في موقف موحد، وهذا ما اظن ان على قيادة وكوادر الجبهة استخلاصه واتخاذ موقف واضح وصريح من هذه القضية لأنها ستلاحقنا الانتخابات المقبلة وستكون الخسارة أشد.

 

الشركاء في القائمة المشتركة والتصويت للضد:

علميًا ومهنيًا من الصعب أن نعرف بدقّة كم هي قوة الأحزاب المشكّلة للقائمة المشتركة إلا أنه من الممكن معرفة مدى اهتزاز القاعدة الشعبية لكل حزب وحزب في كل بلد وهنا أريد أن أشير إلى شركائنا في القائمة المشتركة التجمع والعربية للتغيير.

لقد أثبتت المعطيات أنه في بعض البلدان والقرى في منطقة الشمال بالأخص التي كانت تاريخيًا مع حزب التجمع والعربية للتغيير قد غيّرت من نمط تصويتها مما يثبت أن تلك الأحزاب لا تعتمد فعليًا على قاعدة شعبية ثابتة مثل الجبهة. إنما تعتمد بالأساس على "الضد" لحزب معين وهو الجبهة وذلك لعدة أسباب أهمها التنافس والتناحر العائلي في انتخابات السلطات المحلية.

وهذا قد أضر بالقائمة المشتركة انتخابيًا بشكلٍ كبير لذلك على الجبهة برأيي ان تقيم حوارًا جديًا مع تلك القواعد لأنهم يبقون أهلنا وناسنا وكانوا من داعمي الجبهة في السابق مع المد الثوري ليوم الأرض الخالد الذي قادته جبهتنا العريقة.

 

تلخيص:

الجبهة الديمقراطية والحزب والشبيبة الشيوعية قادت الجماهير العربية لأكثر من 73 عامًا، وهي تعرف من خلال مؤسساتها وهيئاتها الحزبية كيف تنهض من جديد بعد كل هفوة وخسارة معركة، هكذا تعلمنا من التاريخ، لذلك يجب على الهيئات أن تناقش بجرأة شديدة وأن تلخص تجربة المشتركة وخطاب الإنجازات ومحاسبة المسؤولين لأننا أمام مفترق طرق حتى الانتخابات القادمة. ولذلك برأيي يجب على الجبهة الديمقراطية ان تقود خطابًا طبقيًا وأكثر ندية وأن تقود المشروع السياسي الذي حملته على أكتافها تلك الجماهير العربية التي حافظت على انتمائها وهويّتها الوطنية. الخطاب الذي يقول إنه لا يمكن أن تحل قضايانا اليومية بدون حل قضية الاحتلال والعمل على ذلك لاستعادة الزخم الجماهيري وخلق وعي نضالي كفاحي لدى الجماهير العربية بأن النضال الأساسي هو النضال الشعبي لأن شعبنا يشعر بفراغ في المرجعية السياسية ونحن من يجب أن نكون تلك المرجعية لكي لا نعود لعهد أزلام السلطة.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب