news-details

بعيدًا عن وهم بيضة القبان: سموتريتش ركل الموحّدة خارج جيب اليمين | حسن مصاروة

يتضح يومًا بعد آخر، وتصرفًا بعد آخر، وتحركًا بعد آخر، وتصريحًا بعد آخر، أن الموحدة بقيادة منصور عباس، لا تملك مشروعًا سياسيًا، ولا توجهًا سياسيًا، ولا ثوابت سياسية، توجه وتشكل مرجعية ثابتة تحكم تصرفاتها وتحركاتها السياسية في الكنيست، على مستوى التحالفات والتعامل مع التكتلات الحزبية والمفاوضات والتصويتات والمناورات المختلفة. الموحدة وكل تحركاتها محكومة بهدف واحد ووحيد، وهو ترسيخ صورة اعلامية عن ذاتها بصفتها "بيضة القبان التي تجري كل الأطراف خلفها"، "ًصاحبة التأثير الحقيقي"، "حاملة القدرة على المناورة بين المعسكرات"، "جالبة النهج الجديد وغير المسبوق في السياسة العربية". بغض النظر عن كون تلك الصورة لا تمثل واقعًا حقيقيًا، ولا تستند إلى نتائج منجزة وحاصلة، ولا تعكس تأثيرًا ملموسًا. فمن يحتاج للتأثير الفعلي ما دام وهم التأثير موجودًا في عصر تشويه وتزييف الوعي؟

 الصورة الاعلامية هنا ليست وسيلة لخدمة مشروع سياسي حقيقي، بل تتحول في واقع ظرفي يُقلب على رأسه، إلى غاية بحد ذاتها، بل الغاية الوحيدة، التي تصب في خدمتها المشاريع السياسية والتحركات السياسية والمواقف السياسية. انها الوسيلة التي تحولت إلى غاية فدانت لها كل الوسائل والغايات. وأمام فشل الأثر الحقيقي لكل هذه السياسة التي يتبعها عباس والموحدة والذي سيتبدى شيئًا فشيئًا، ان كان على مستوى تحقيق انجازات ملموسة أو على مستوى اختراق الوعي واعادة ترتيب الاوراق السياسية، لن تجد الموحدة أمامها الا أن تقع في الدائرة المفرغة لإعادة انتاج وترسيخ تلك الصورة الاعلامية عن ذاتها وأن تجري خلفها حتى النهاية، وتقدم في سبيل ذلك كل التنازلات السياسية الممكنة وأن تحرق الأخضر واليابس على مستوى تشويه وعي الجماهير العربية، وأن تنحدر حتى النهاية في التعري السياسي والتخلي عن الثوابت، لأنه في حين غياب انجاز التأثير الحقيقي، لن يتبقى لديهم ما يقدموه لجمهورهم سوى صورة وهم التأثير، مهما كان الثمن.

وفي ظل غياب تلك المرجعية السياسية التي من المفروض أن تحكم تحركات عباس ومناوراته السياسية أمام حضور الصورة الاعلامية كغاية وحيدة، يخترع عباس على مستوى الخطاب "ثابتًا" وحيدًا يستند عليه، لا قيمة حقيقية له سوى الاستهلاك الإعلامي، وهو خالٍ من أي مضمون حقيقي، شعار مجرد ومسطح، "مصلحة المجتمع العربي"، فيبرر كل تحركاته وانحداره السياسي باسم تلك الـ"مصلحة"، وكأن مصلحة المجتمع العربي الحقيقية تنفصل عن السياق السياسي العام، تتلخص كلها في الحصول على رئاسته هو للجنة مثلاً أو دعمه هو لحكومة، أي حكومة كانت ولو كانت الحكومة الأكثر يمينية وتطرفًا في تاريخ إسرائيل. فهو يقول ويصرح انه لا يهمه لا يمين ولا يسار، لا سياسة ولا ايديولوجيا، بل "مصلحة الجماهير العربية". لكن ما هي تلك المصلحة بالضبط؟ كيف تتحقق؟ ما هو المشروع السياسي، البرنامج السياسي، الذي يسعى لتحققها وكيف ترتبط بشكل الخارطة السياسية في إسرائيل وبطبيعة الحكومة المتشكلة، الشخص الذي يقف على رأس الحكومة؟  الخط السياسي الذي يوجه هذه الحكومة؟ وكيف ترتبط بطبيعة علاقة ممثلي المجتمع العربي بهذه الحكومة؟ لا جواب عند عباس والموحدة سوى التضليل والتوهيم والتسطيح وتغييب السياسة وتعويم منطق ولغة السماسرة والتجار ومنطق "ادفع وخذ".

وفي سبيل ترسيخ تلك الصورة الاعلامية عن وهم التأثير، وبتبرير الشعار المفرغ من مضمونه الحقيقي، "مصلحة المجتمع العربي"، وفي ظل وعي مزيف دارج يربط التأثير والمشاركة السياسية الفاعلة بالدخول إلى حكومة أو دعم حكومة، أي حكومة، كان عباس مستعدًا حتى آخر لحظة أن يدعم حكومة يمين متطرف يقف على رأسها نتنياهو وتضم أبشع اشكال الفاشية العنصرية الاستيطانية والكاهانية الترانسفيرية أمثال سموتيرتش وبن غفير، أي حكومة هي بجوهرها وطابعها ومبناها وشكلها ومضمونها معادية بالضرورة لمصالح المجتمع العربي، باسم "مصلحة المجتمع العربي". ما الذي لم يفعله عباس حتى يحظى بفرصة دعم هذه الحكومة؟ منذ خطابه الأول في الناصرة الذي كان هدفه ألأوحد هو التودد والتقرب ومحاولة لتليين موقف اليمين الكهاني والترانسفيري الفاشي متمثلاً بالـ"صهيوينة الدينية" من أجل قبول دعمه للحكومة والذي تنصل فيه من ذكر قضية الاحتلال والاستيطان والشعب الفلسطيني والقضايا القومية والسياسية الأساسية للجماهير العربية مثل قانون القومية وقانون كامينتس، بل أضف على ذلك تنصله من ذكر قضية القرى غير المعترف فيها بالنقب وتنصله من ذكر أي انتماء فلسطيني حتى لا يخدش مشاعر الفاشيين الدمويين، وحتى أن تقرير صحافي اسرائيلي نشر اليوم يكشف أن عباس أرسل النقاط الرئيسية في خطابه لمقربين من سموتريتش حتى يتمكنوا من فحص ما اذا كان خطاب عباس سيرضي حزب الصهيونية الدينية. والمفاوضات حتى آخر لحظة مع الليكود، على رغم النبذ المطلق لعصابة الصهيونية الدينية، لمجرد فكرة دعم عباس لحكومتهم، وصمت عباس والموحدة على مدار أسابيع طويلة، أمام حملة التحريض التي شنها غلاة المستوطنين عليهم كمنطلق رفض حتى دعم الموحدة الخارجي لحكومتهم، لإبقاء فرص الاعتماد عليهم وإعطائهم ما يريدونه من ترسيخ تلك الصورة الاعلامية عن وهم التأثير، على أمل أن يستطيع قادة اليمين الاستيطاني اقناع سموتريتش وبن غفير أنه لا بأس بقبول دعم عباس من الخارج على مضض، من أجل تحقيق المصلحة الكبرى بتشكيل حكومة يمين خالصة تنفذ مشاريع اليمين الفاشي، المعادية والاجرامية بحق الشعب الفلسطيني والجماهير العربية في البلاد. لكن تعنت الصهيونية الدينية حال دون ذلك.

ليس صحيحًا أن تصويت الموحدة أمس ضد اقتراح نتنياهو والليكود بتشكيل اللجنة المنظمة في الكنيست، والتصويت مع لبيد، نابع من كون الموحدة "ليست في جيب أحد، لا اليمين ولا اليسار" ولا يثبت هذا التصويت هذه المقولة، كما روج عباس أمس بعد القرار، حينما تعامل مع قرار طبيعي ومفهوم ضمنًا لأي ممثل للجماهير العربية في الكنيست، في أن يصوت لإفشال نتنياهو ومخططاته نحو تشكيل حكومة يمين فاشي، على انه "انجاز عظيم" و"حنكة سياسية". في الحقيقة أن عباس والموحدة وُضعوا رغمًا عن أنفهم في المعسكر المناهض لنتنياهو، ركلوا إلى هناك من قبل الصهيونية الدينية وعدم استعداد نتنياهو للتخلي عن شركائه الكهانيين في حكومته. بعد أن اكتشف عباس أن تعنت سموتريتش ورفضه للموحدة غير قابل للقلب أو التحول رغم كل التنازلات التي قدمها حتى دقائق قبل التصويت، وأنه لن يحصل على فرصته بترسيخ صورته الاعلامية بخطوة دعم حكومة، ولو كانت حكومة يمين فاشي، في سبيل التوهيم بالـ"تأثير"، لم يجد أمامه سوى أن يتحصل على رئاسة لجنة من لبيد مقابل أن يصوت ضد نتنياهو هذه المرة، لكن دون أن ينفي امكانية أن يدعم في المستقبل حكومة برئاسة نتنياهو، وبل ويحرص في كل تصريح اعلامي أن تصويته هذا لا يعني أنه يرفض دعم حكومة يمين في المستقبل. الحقيقة هي أن عباس والموحدة جلسوا في حضن اليمين ونتنياهو حتى آخر لحظة، وكان وجودهم هناك مفهومًا ضمنًا، ودعمهم لحكومة اليمين متعلق فقط بمحاولات اقناع سموتريتش بقبولهم، الا أن غلاة المستوطنين بتعنتهم حتى آخر لحظة رماهم اشمئزازًا من جيب اليمين. فما كان لديهم الا أن يحاولوا استغلال هذا النبذ من أجل ترسيخ صورتهم الاعلامية الموهومة عن "بيضة القبان"، التي سيجرون خلفها حتى النهاية وبكل ثمن في ظل اتضاح فشل نهجهم في تحقيق أي أثر حقيقي.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب