news-details

جريس الخوري حمل البروة في قلبه يافعاً | عصام مخول

جريس الخوري حمل البروة في قلبه يافعاً وطاف يتهجّى أبجدية استقرار اللاجئ في وطنه

رحل الذين نحبهم، وبقينا هنا نلملم ألم الفراق ولوعة الغياب.. جريس الخوري جبران... هو الاسم الذي أحب أن يعرف به، امتداداً وتيّمناً وانتماءً لذلك الإرث الوطني والإنساني والاجتماعي والأخلاقي العريق الذي مثّله في وجدان شعبه والده الراحل، الخوري جبران، حتى اعتبره أهالي البروة خوري البروة، خوري المسلمين والمسيحيين فيها، وليس خوري مسيحيها فقط باعتبار الكاهن كاهن القرية لا كاهن الطائفة، كما تناقل أهل البروة باعتزاز.  

حمل جريس الخوري جبران، البروة في قلبه جرحا وتهجيرا، وطاف بها من بلدة الى أخرى، ومن مدرسة الى مدرسة، يتعلم فيها ويتهجّى بها أبجدية استقرار اللاجئ في وطنه من جديد، يتعلم البقاء في الوطن الممزق، ويعيد نسج معالمه بطريقته المميزة...  من حواري البقيعة التي تبكيه اليوم، الى ساحات كفرياسيف وأبو سنان التي قضى بعض شبابه فيها.. الى زيارات معالم الجرح المفتوح في البروة مع أهلها الباقين في وطنهم. ومع شقيقته سليمة أم عودة سكس التي اعتز بها وتفاخر بما تحمله من قيم وذكريات ورواية تاريخية. ومع ذكرى شقيقه الراحل الكاتب سليم الخوري.

وحين أصبح جريس، مُعلّماً عَلَماً، شَتَل في كل بلدة مشتلا من علمٍ وحسٍّ إنسانيٍ ووطنيٍ راقٍ، وزرع في كل تلميذ او تلميذة بصمة وشتلة معرفية ومعنوية كبرت مع الأيام لتعيد اللحمة الى الشعب المشتت، فلا تمحوها السنون.

وأنا الشاهد أبو أيمن، كم من مرة لمع بريق عينيك وأنت تلتقي طلابك الذين علمتهم منذ سنوات بعيدة، يعرّفون بأنفسهم ويعتزون بك ويحِنّون الى عطائك، ويُكبرون فضلك عليهم في بلدات الجليل التي احتضنتك مُعَلِّما وصديقا وابن بيت في كل بيت،    من كفر سميع الى يانوح، ومن يانوح الى يركا ومن يركا الى دالية الكرمل ومن دالية الكرمل الى مدارس حيفا من الأخوة والنور الى المتنبي لتستقر أخيرا مدرّسا للغة العربية في الكلية الارثوذوكسية العربية في المدينة.

وحيث حللت كانت رسالتك ترسّخ البقاء فيما تبقّى من وطن، وتبني دعائم هذا البقاء الكريم كحق أهل الوطن في وطنهم، لا منّة من أحد، تزرع حبّ الأرض وحب اللغة العربية والقيم الإنسانية والمعارف التقدمية في نفوس طلابك من دون صخب، بطابعك الهادئ المنساب انسياب الينابيع، وطبعك المتواضع الأنيق أناقة زنبقة صخرية، ومن دون شعارات كبيرة. فما الغرابة أن يكتب العديد من طلابك المذهولين لرحيلك في تعليقاتهم منذ مساء أمس، "إنك أيها المعلم، كنت السبب في حبنا للغة العربية وعشقنا لأدبها ونحوها وبلاغتها، وحبنا للقيم الإنسانية والمعارف التقدمية".

أبو أيمن رافقته وعرفت فيه مثقفا منحازا، واسع الثقافة عميق المعرفة، قارئاً لا يكل في الأدب وفي الفكر وفي السياسة والفلسفة، بالعربية والانجليزية والعبرية، مكثر من الادب العالمي يثري به التزامه للغة العربية وآدابها وحبّه لها.

كان أبو أيمن متفاعلا مع هموم شعبه وقضاياه الوطنية والمدنية، منحازا للوطن ومنحازا للطبقة العاملة مجاهرا بوعيه الثوري.  وعندما أنشئت جبهة حيفا الديمقراطية كان من أعمدتها، وعندما أنشئت لجنة مهجري البروة كان هناك في القلب منها، وعندما سارت مظاهرات الأول من أيار ويوم الأرض والمناسبات الوطنية، محليا وقطريا كان هناك. ناشطا في الأطر الثقافية مبادرا لها، مشاركا في الهم السياسي التقدمي لم يقف على الحياد يوما. وعندما شحّت موارد جريدة الاتحاد في سنوات عجاف، بادر الى الاتصال برئيس تحريرها البرناوي الصادق، والقائد الشيوعي الراحل الدكتور أحمد سعد، عارضا عليه ان يقوم بالتبرع بتدقيق الجريدة لغويا الى ان يستقيم الحال، وقام بذلك بمواظبة والتزام كبيرين لفترة طويلة.

شاءت الاقدار أن يرحل أبو أيمن القوّام على الواجب، الوفي للأصدقاء والمعارف والأحبة المنتشرين في كل انحاء البلاد في ظروف جائحة الكورونا، وشاءت الظروف ألا يتمكن غالبيتهم من السير وراء نعشه في وداعه الأخير، التزاماً واعياً بالتقييدات الصحية، وأن يكتفوا بالتعزية بطرق ووسائل متاحة أخرى، وهو الموقف المسؤول الذي تمسّك به أبو أيمن ودعا الى التزامه حتى رمقه الأخير. ونحن نشكرهم جميعاً، أيا كانت الطريقة التي اختاروها لنقل تعزياتهم ومواساتنا. ونعلن أننا سوف نضطر الى الامتناع عن تنظيم بيت العزاء، على ان ننظم في أقرب فرصة تتاح تأبينا تكريميا شعبيا يليق بفقيدنا الغالي..  واسمحوا لي أن أشكركم، أنتم أعزاءنا الذين ترافقوننا اليوم في هذا الوداع الجلل، اننا نعتز بوقوفكم معنا ونثمن مشاركتكم الغالية ونتمنى لكم ولعائلاتكم دوام الصحة والسلامة وطول البقاء.

أيها الأعزاء،

في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي دخل جريس الخوري جبران، شابا أنيقا مهذبا، بيت والديّ حنا وانشراح مخول خاطبا كبرانا، أختنا الغالية فادية أم أيمن، فاستقر في قلوبنا كما في قلبها، وبدأت رحلة العمر معه، وصار واحدا منا، لا نعرف أنفسنا من دونه ولا نعرفه من دون هذا الدفء الذي جمعنا.. وبنى مع غاليتنا فادية عائلة رائعة أثارت اعتزازهما وغمراها بحب لا ينتهي كما غمرتهما. اعتزا واعتززنا ومعنا كل من عرف هذه العائلة الدافئة، بأيمن وإيمان وحنان ولبنى الى أقصى الحدود وكان أبو أيمن شديد الاعتزاز بحفيداته وأحفاده وما يأتون به مما "لم يستطعه الأوائل": جريس وماريا ووسيم وراني وميس..  وسعد بهم، وهنئ معهم وأعد لهم زاد الطريق لمواصلة المشوار..

بهذا الحب تواصل العائلة الواعدة أبدا السير الآمن على الطريق العريق.. نحمل الحزن والصبر، ونعض النواجد، لأننا نعرف أن ما يبقى معنا من جريس الغالي، هو أكثر مما يغيب منه، وأنه وإن رحل فإنه لا يموت، إنما يغير شكل حضوره الكبير معنا وفينا.

لقد دخلت صباح هذا اليوم الى صفحة جريس على الفيسبوك، أحاول ان ألامس أفكاره الأخيرة وهواجسه التي سبقت مرضه ودخوله المستشفى.. فوجدته ينشر في السادس من كانون الأول 2020 "قصيدة رقيقة للشاعرة المرهفة حنان جريس خوري" عنوانها:

" فَلْتكُنِ الآنَ يا قلبي."

وإن تَنْسَني الشمسُ

ذاتَ صباحٍ

أرسُمْها.....

على جُدرانِ غرفتي

أسقِها

حروفَ قصيدتي

أنثُرْها....

حنانًا

على وِسادَتي

وأهمسُ

بِرِقَّةٍ

بسِحْرٍ

بِهَمس....

فلتكن الآنَ يا قلبي

فَلْتكُنْ

أَجملَ شمس

فاسمح لنا أن نوجّه خطابنا اليك: فلتبق الآن يا جريس، أجمل شمسٍ.. تنثر النور، وتنثر الدفء والعزاء، ومن قلب موتك أنثر الحياة فينا وانثرها من حولك.. شقائق نعمان وبراعم سنديان..

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب