news-details

جون بايدن رئيساً... وماذا بعد|باسل ترجمان

 

 

انتهت الانتخابات الامريكية على صخب الحديث عن عمليات تزوير واسعة وتبادل اتهامات بين المرشحين الجمهوري والديمقراطي، مما ضرب في العمق صورة الديمقراطية الامريكية ورواية الانتخابات، التي كانت لوقت قصير مضى البدعة التي يصعب على بقية التجارب الديمقراطية العمل بها، او محاولة تجربتها، باعتبارها نموذجاً فريداً للانتخابات الديمقراطية وراء المحيطات.

انتهت الانتخابات وتركت وراءها غباراً متصاعداً حول مصداقيتها التي اهتزت بشده منذ انتخابات 2016، بعد تبادل الاتهامات بين حملتي ترامب وهيلاري كلينتون بتزوير الانتخابات، وتدخل روسيا في التلاعب بنتائجها.

الصدامات والاتهامات بالتلاعب بالنتائج، وبعكس ما كان يقدم في وسائل الاعلام في الماضي، هزت الصورة الهوليودية لهذه الديمقراطية، الحملات الانتخابية للمرشحين بايدن وترامب لم تستطع اثارة اهتمام العالم الخارجي بها، التي كان لسنوات مضت تتابع باهتمام وصولا لليلة الانتخابات، التي تشهد سهرات انتخابية في سفارات الولايات المتحدة حول العالم، يحضرها اصدقاؤها ووسائل الاعلام المحلية لمتابعة المعجزة الديمقراطية.

انحصر الاهتمام اثر الانتخابات، في الخلافات والتشكيك بالنتائج، وتأخر الاعلان عنها بعد ان كان الاعلان عنها يتم ساعات قليلة بعد اغلاق صناديق الاقتراع، مما عكس حجم تراجع تأثير واشنطن الاعلامي والسياسي خارج حدودها، وفشل تصدير صورة الديمقراطية الامريكية في ابهى حللها للعالم. وبقي امام من سعد بفوز بايدن، ومن حزن لخسارة ترامب، وخاصة في العالم العربي، تساؤلات لا أجوبة عليها لدى الجميع.

تختلف الرؤى بين داخل الولايات المتحدة وخارجها حول سياسات الادارة الامريكية الجديدة؛ فعلى المستوى المحلي هناك قضايا جوهرية تشغل بال الناخب الأمريكي، اهمها المحكمة العليا والتصدي للعنصرية المتصاعدة المهدد للسلم الاهلي، وقضايا البيئة والتلوث، ايضا يشكل ناخبي يسار الحزب الديمقراطي قوة متصاعدة ساهمت بقوة في فوز بايدن، وهذه القوى المعارضة لتكرار سياسات الرئيس الديمقراطي الاسبق اوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، سيشكلون قوة ضغط لمنع انزلاق اطراف في الحزب تسعى لتكرار توريط واشنطن عسكرياً في حروب بالوكالة، تسببت في اضعاف الولايات المتحدة اقتصادياً، وانكفاء قوتها التي استمرت دون توقف منذ الحرب في أفغانستان، نهاية سنة 2001.

في العالم العربي ينقسم التأييد لفوز بايدن بين من يعتبر هزيمة ترامب ذهبت بصفقة القرن ونتائجها الى نهايتها، ويعيد الامل بالعودة بعد ربع قرن من التفاوض بين الفلسطينيين والاسرائيليين عبر بوابة واشنطن، على امل الوصول لحل ينهي الصراع، ويطبق ما يمكن ان يسمى في هذه المرحلة "الباقي الممكن لحل الدولتين"، وهو أمل ضئيل جداً، لأن ما حققه ترامب لإسرائيل من نقل السفارة الامريكية والاعتراف بالقدس عاصمة لها، لن يلغيه بايدن.

والدول التي طبعت علاقاتها مع اسرائيل لن تتراجع عن خطواتها، واقصى ما يمكن ان يعيده هو فتح قناة العلاقات السياسية، واعادة الدعم المالي للسلطة الفلسطينية واجهزتها وخفض مستوى الصدام السياسي معها، الذي بدأ قبل وصل ترامب للحكم، حيث جمدت حينها العلاقات مع إدارة اوباما.

أما الاكثر سعادة، فهم من يتصورون ان الادارة الجديدة ستعيد تفعيل اليات برنامج "الربيع العربي"، واعادة الجماعات التي استعملتهم حينها، من إخوان مسلمين وتيارات جهادية، والدفع مجدداً بالدور القطري التركي لواجهة الاحداث، خاصة وأن بايدن اعاد تكرار نفس مصطلحات سلفه اوباما باستعمال كلمات بالعربية من المخزون اللغوي المرتبط بالإسلاميين كرسائل في فترة الانتخابات، مما يجعل احتمالات عودة التصعيد والصدام، في الدول التي لم تنجح الهجمة الاولى في تفتيتها تستعيد المبادرة، وتعيد ترتيب اوراقها للهجوم القادم الذي ينتظر تدخل واشنطن المباشر فيه لضمان بدايته.

العالم العربي يترقب الفاعل الجديد ماذا سيقرر لمستقبل المنطقة وشعوبها، هل ستكون بركات الديمقراطية برايات داعش، أم تفعيل عملية السلام في الشرق الأوسط، واطلاق مفاوضات السلام بين الفلسطينيين واسرائيل، أم سيعيد ترتيب الاوضاع بشكل مخالف لما سبق في جدلية العلاقة الامريكية مع الدول العربية.

امام كل ذلك يتناسى كثيرون أن الرئيس الامريكي جون بايدن مهمته الاولى خدمة مصالح دولته وشعبه وليس تحقيق احلام البعض في العالم العربي سواء المؤمنين بديمقراطية تفرض بالقوة على شاكلة الربيع العربي المكرر، او بتركيز جهده لإحلال السلام في المنطقة، او باستمرار تقليدي لسياسة العصا والجزرة التي تتبعها واشنطن مع من يدعون انهم اصدقائها.

والحقيقة أن لا أحد يعرف كيف وبماذا يفكر ساكن البيت الابيض الجديد، وطالما بقيت المنطقة حكاماً وشعوب عاجزة عن الفعل وتنتظر الفاعل الجديد المتغير في البيت الابيض فإن اي تغيير لن يكون أبدا من اجل مصالحها ولكن لخدمة مصالح الاخرين.

(تونس)

الصورة:

بايدن. طالما بقيت المنطقة حكاماً وشعوب عاجزة عن الفعل وتنتظر الفاعل الجديد فأي تغيير لن يكون في صالحها

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب