news
مقالات

حارتنا ضيقة! | هديل كيّال

*كونوا معولا للبناء لا معولا للهدم! فلنبدأ بدائرتنا الصغيرة وصولا إلى الكبيرة


من الخاصّ إلى العام سأتناول الموضوع. موضوع الساعة وواجب الساعة. كيف لا، ونحن نعيش معا ونناضل معا لعيش كريم مشترك. يسكن الحزن روحي وأنا أتابع أخبار مجتمعنا العربيّ والعنف يكثر في ساحاته، يتفاقم بين شبابه وينمو بين صغاره. تكثر أسئلة المفكّرين، ورجالات التربية والتعليم وكلّ من يرى نفسه جزءا من هذا المجتمع الواحد. أسئلة تدور فيما نحن فاعلون إزاء أزمة تضرب بنا وبمصالحنا وبأبنائنا وتهدّد حاضرنا ومستقبلنا. 
لا شكّ أنّنا إذا ألقينا نظرة سريعة إلى العام لرأينا عالما يسود العنف لغته وتصرفاته، من قيادة حمقاء كتلك في الولايات المتحدة، وصولا إلى أنظمة حكم ظالمة فاسدة في كثير من البلدان. لا عدل نجده ولا حقّ ولا مساواة تليق بالإنسان. لا أرغب أن أُسقط ما يدور في العالم إلى ما يعيث خرابا في مجتمعي، لكنّه تعبير عن غضب يحاول البعض أن يشرّع التصرّف الوقح والكلام العنيف إلى عرض قوّة كمثل ما يعرض هؤلاء. فمن يقبل بالخطأ الصغير سيقبل بالخطأ الكبير. هذا ما يحدث في دائرتنا الصغيرة. تتكرّر الأخطاء، ونمرّ منها ولا نكترث ولا نعيرها اهتماما، لأنّها مقارنة بالأخطاء الكبيرة، في نظرنا، غير مهمّة وغير مضرّة، ثمّ نراها كرة الثلج تكبر وتكبر وتصيبنا لاحقا بما لا يسرّ عدّو ولا صديق. 
ما أرمي الوصول إليه هو تعامل سليم وتصرّف سليم يبدأ بالكلمة الطيّبة وصولا إلى الفعل الطيّب.
كيف لأبنائنا أن يتحدّثوا بصوت منخفض وصوتنا عال وصارخ ومزعج؟ كيف لطالب أن يقول كلاما مؤدّبا ومعلّمه سليط اللسان يهين ويشتم؟ كيف لمعلّم أن يزرع الثقة في نفوس طلّابه ومدير مدرسته يشكّ في عمله وعمل زملائه؟ كيف لموظّف أن يطوّر نفسه والمسؤول عنه يقمع إبداعه وشطارته؟ كيف لعامل أن يحسّن أداءه وصاحب العمل يحطّم آماله؟
كيف وألف كيف؟
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها!
حطّموا الشر الذي في داخلكم وأطلقوا العنان لخيركم ودعوه يظهر وينتشر ليبني لا ليهدم.
فلتتحوّل مياديننا المتنوّعة، بيوتنا وأسرنا، ومجموعات الصداقة التي نشارك فيها إلى ميادين خير، وكلّ من لا يمتّ إلى هذا الخير علينا معالجته لا معاداته. فلنرصد عناصر الشرّ في كلّ ميدان. لنأخذ مثالا ميدان المدرسة. مشاريع العنف نعرفها صغارا، فالتشخيص وأدوات التشخيص متاحة بحكم الجديد في هذا المجال. نرصدها، نؤطّرها لنرعاها ولنعالجها قبل نموّها ووصولها إلى الجريمة. لا تدعوا الطلّاب المستصعبين والمستضعفين في زوايا الصف. لا تحكموا عليهم بالتهميش. لا تنبذوهم ولا تقزّموهم. لا تزرعوا الحقد في قلوبهم. ما زالوا صغارا. حاولوا الوصول إلى نقطة الضوء في داخلهم، لأنّنا إذا آمنّا بنقطة الضوء سننقذ الكثيرين منهم. علينا احتواءهم ورعايتهم بمحبّة. المحبة لا توزّع بشكل مشروط. المحبّة هي المحبّة. نعطيها بذاتها لنستعيدها. امنحوا هؤلاء فرصة المشاركة في فعل العمل الخيّر. يستحضرني كلام السيّد المسيح ورسالته حين أوصانا أن نشفق عليهم في بؤسهم. صدّقوني لو كانوا قادرين لكانوا خيرا. أدرك أنّ بإمكاننا أن نربّي الخير والحبّ في بيوتنا وفي مدارسنا كي يصلنا فرد لا يحقد على أخيه الفرد الآخر. الدائرة الصغيرة تبدأ بشخصنا بالقدوة التي نكون، فاضرب بأناك مثلا يحتذى!
تعامل مع الآخر بحبّ وباحترام. امنحه الاهتمام وانظر إليه كما تنظر إلى نفسك. لا نظرة استعلاء ولا تعامل فوقيّ قد يوصل الآخر إلى تفكير عصبيّ وإلى تصرّف حاقد ليعيد إلى نفسه قليلا من كرامة أردت أن تمسّها بتصرّفك.
لا أبالغ إذا قلت إنّ العنف نربّيه بيننا.. في استخدام لغة عنيفة تتمثّل بمفردات نابية وبمفردات مهينة قاسية.. في متابعة برامج تلفزيونيّة سادية عنيفة.. في إنتاج فعاليّات ساخرة هابطة...  في دعم إعلام مجنّد لفكر محطّم.. لا نقدّر كبيرنا ولا نحافظ على كبارنا. 
هكذا نصنع العنف بأيدينا!! أيّ مجتمع نريد ونحن نحطّم بعضنا؟ من نلمس لديه صدقا وتفانيا ونجاحا وطموحا نسرع إلى وضع العراقيل والعقبات في طريقه. نخافه لأنّنا لا نستطيع أن نكونه. هذا هو الشرّ بعينه. كيف لشرّ إلا أن يولّد عنفا!!
عودوا إلى ذاتكم واسألوها أين أنتم من هذا؟
الخير في أمّتي إلى يوم القيامة..
لهذا ناشدتكم أن تكونوا معولا للبناء لا معولا للهدم. لن نحارب العنف بالعنف. نحارب الحقد بالودّ. من يرمنا بحجر نبتعد عنه. لا نحمل هذا الحجر ونضربه به، فلا يليق بشخصنا الطيب الّا الطيب. كم سمعت من كثيرين يحثّون أبناءهم الصغار أن يردّوا الصفعة بالصفعة والشتيمة بالشتيمة، ظنّا منهم أنّهم يمنحون أبناءهم القوّة ويعزّزون لديهم الدفاع عن النفس. لا نريدهم ضعفاء، هذا ما يقولون! وكأن من يترفّع عن الظلم ضعيف؟ 
لا وألف لا. علينا أن نتحلّى بالصبر، وأن نتعالى على جراحنا، علينا أن نتصرّف بمسؤوليّة اتّجاه تربية أبنائنا لأنّهم بذور المجتمع. علينا أن نرتقي بأخلاقنا ونسمو بتصرفاتنا ونبتعد عن هؤلاء لنتركهم يقلّون ويقلّون حتّى يختفون.
اعمل على تكثير الخير ليقلّ الشر.
هذه هي المعادلة!
أثق بشعبي، وأثق بمجتمعي وأثق كلّ الثقة برجالات الحقّ الذين يعملون ليل نهار لتهدئة الأوضاع في بلداتنا التي غزاها العنف مستشرسا لأنّه لم يجد رادا له ولا رادعا. 
ستمرّ سحابة العنف لا شكّ في ذلك. فلنعمل جاهدين لنسرّع مرورها لأنّنا نستحق ألا تدوم.
دعونا نربّي مجتمعنا على التقدير والاحترام والمحبّة، لعلّ تعملق هذه القيم الانسانيّة يقزّم من فعل الشر وأهل الشر.
حمى الله مجتمعنا وسدّد خطاه على درب الخير

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب