news
مقالات

حل السلطة الفلسطينية؟.. هل هو ممكن؟!

مواجهة "صفقة القرن" تنطلق من حيث يقف شعبنا وليس من فوق ذلك

السلطة الوطنية الفلسطينية هي وليدة مسار أوسلو، واليوم هي أقوى بنيويا ممن أقاموها بما في ذلك من م. ت. ف.، وبالتأكيد أقوى من رئاستها او حكومتها. السلطة الكيانية كما أية دولة بغض النظر عن سيادتها، تبدأ مع إقامتها بعملية انفصال واستقلالية عمّن أسسوها.

التنسيق الامني المرفوض شعبيا، هو في صلب منظومة وجود السلطة، ولا تستطيع إيقافه فعليا وبشكل مطلق، قد تستطيع المناورة لكنها مكشوفة للاحتلال.

بل حتى حالة الانقسام القيادي الفلسطيني والتحول الى واقع وجود سلطتين، غدت حالة بنيوية لا ضمانات لنجاح التخلص منها، رغم كل قرارات المصالحة في هذا الصدد.

إن تداول مفردات مثل "إعادة المفاتيح الى الاحتلال" او "حل السلطة" او "وقف التنسيق الأمني" او "إلغاء اتفاقيات اوسلو" هي خارج نطاق صلاحية وقدرة أطرافها. وهي أقرب الى مفهوم ثورة والاطاحة بنظام حكم وتغييره وليس اسقاط حكومة.

كل ما ورد لحد الآن هو باعتقادي معطيات يجدر أخذها بالاعتبار، وليست موقف، لكن التشخيص ضروري لمواجهة اسقاطاتها، ضمن الجهود لمواجهة المخطط الامريكي الاسرائيلي.

الجهة الوحيدة في البنية السياسية الحالية القادرة أن تكون محرّكا ذا نفوذ، للسعي نحو هذا الافق هي حركة التحرر الفلسطيني "فتح"، لكنها تتعثر بما تتعثر به حركات التحرر الوطني التي وصلت الى الحكم (امثلة على ذلك هي جبهة التحرير الجزائري، المؤتمر الوطني الافريقي، وجبهة تحرير زمبابوي وغيرها).

لكن الجهة الوحيدة المرشحة للقيام بذلك هي الشعب الفلسطيني، في ظروف استثنائية لا تستطيع السلطة او المنظومة السيادية الحاكمة مواصلة الحكم بأدوات اللعبة خاصتها. ولا اعتقد اننا في وضع تتمتع فيه جماهير شعبنا بجهوزية ولا ببنية كفاحية حاضرة للقيام بهذا الدور على المدى القريب بعد أن أن أستنزفته حالة التجزئة المتدحرجة. ولذلك نرى أن المؤسسة الأمنية الاسرائيلية تخشى من قيام القيادة الفلسطينية بإعطاء الضوء الأخضر للتحرك الشعبي، ولا تخاف التصريحات بوقف التنسيق الأمني.

الضعف لا يولّد القدرة على إفشال مخطط امريكي اسرائيلي استعماري هو أقرب الى تحصيل حاصل، إذ جاء النص وبنيته مطبّقة وجاهزة على الأرض.

الطريق الى إسقاط المخطط الاستعماري التصفوي، يبدأ بتقوية وتعزيز الذات، وفي حالات الشعوب ليس المقصود أن ننتظر حتى نكون أقوياء فلسطينيا وعربيا ودوليا ومعنا كل انصار ونصيرات الحق في العالم، بل أننا نقوى بالموقف الرافض للمخطط والمتصدي له ونسعى الى أن يصبح الموقف حقيقة على الأرض.

إن حركة مناهضة التطبيع في الوطن العربي تعود الى الصدارة من حيث أهميتها، فإذا كانت الخطة الاستعمارية قائمة على بنية التطبيع، فإن أوان هذه الحركة المجيدة يتجدد الآن. ويبدو أن الشعوب العربية رغم انشغالاتها بأوضاعها القطرية، فهناك مؤشرات بأنها أكثر أثراً من ذي قبل وصوتها أقوى وأكثر جرأة على مساءلة الحكام وردعهم، وهذا مبشر خير وأمل.

لقد كنت من المعارضين لاتفاقيات اوسلو منذ التوقيع عليه، واعتبرته كسراً للحلم الفلسطيني المبني على الحق الفلسطيني، وسعينا من مواقعنا الى وضع مشروع العودة في رأس سلّم الأولويات، كما وسعينا وبجهود كبيرة الى وضع قضايا الفلسطينيين في الداخل على جدول اعمال الراي العام العالمي والعربي والمحلي كجزء من القضية الفلسطينية والبعد العربي وليس خارجها وفي مواجهة التجزئة.

لكني لا استطيع القول أن أوسلو هو ما أوصلنا الى "صفقة القرن". لقد وصلنا الى أوسلو لأننا كشعب كنا فيما كنا عليه فلسطينيا وعربيا وعالمياً، إذ عبّر عن ذلك أحد أكبر المعادين لحقوق شعبنا وأقصد شمعون بيرس حين أعلن في محاججاته أوائل التسعينيات بأن المرحلة هي الفرصة الأفضل لإسرائيل للتفاض مع م. ت. ف. لأن الاخيرة في تعقيدات مراحل ضعفها وبالامكان ابتزازها. لكن المجرم الحقيقي في "صفقة القرن" هو المؤسستان الحاكمتان في الولايات المتحدة واسرائيل، والذي يزداد إيغالا في تصفية الحق الفلسطيني كلما ازدادت بؤسا الحالة العربية بما فيها الفلسطينية.

حتى أن القيادة الفلسطينية الحالية برئاسة محمود عباس والمتمسّكة بأوسلو، أصبحت معوّقا للمخطط ومستهدفة من اسرائيل والولايات المتحدة، وعليه ورغم النقاشات، فإن مساعيها الدولية ولفك الطوق العربي الرسمي على فلسطين (بعد أن كان تاريخيا ضد اسرائيل) لتعطيل المخطط وإسقاطه، جديرة. كذلك جدير وملفت اللقاء بين لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية بكل مركباتها مع القيادة الفلسطينية بكل فصائلها في رام الله هو ايضا رسالة، وهومسعى هام في تقاسم الهمّ الفلسطيني الواحد وعلى حساب التجزئة.

أعلان الموقف الرافض للخطة، وتعزيزه بالصمود والبقاء وإسماع صوتنا والتصدي لحالة التجزئة الفلسطينية التي تحول القضية الواحدة الى قضايا وجغرافيات ووضعيات متناثرة متنافرة، كما والسعي الى تصويب دور م ت ف الآيلة الى الاندثار، والانشغال بالجوهر وبأهداف أصحاب المشروع العدواني والسعي لافشالها، هي في صلب مواجهته حتى إسقاطه.

نحن بحاجة الى حوار شعبي محلي ودولي، اذ أن ناصية الحكمة هي ملك الشعب صاحب الشأن الأول وله القرار والفعل.

لسنا شعبا وحيدا في معركته، وليست هذه معركته وحده بل معركة الشعب في كل انحاء الوطن العربي ومعركة كل الحريصين والحريصات على الحق والقانون الدولي من شعوب وحركات وأنظمة في العالم. ونحن بحاجة الى تضامن العالم لا تعاطفه، لأن التضامن هو فعل سياسي وشعبي ذو أثر، ويتصاعد بقدر ما يناضل أصحاب الحق المباشرين ويتكامل مع نضالهم.

يجدر الالتفات الى حقيقة أخرى وهي أنه حتى اسرائيل نفسها قد لا تستطيع الاتفاق على "كرم ترامب" وذلك نتيجة لموقف النخب الجديدة المهيمنة على الحكم والمتمثلة بالتيار الديني القومي او الصهيوني الديني الذي لا يقبل حتى بدولة فلسطينية في لا-حدود ترامب نتنياهو.

القول الفصل لم يصدر بعد، وبالتأكيد لن يكون لأصحاب المخطط الاستعماري التصفوي، وحتى في ضعف وبؤس الحالة يبقى الشعب هو سيد الموقف..إن أراد.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب