news
مقالات

حينما شيعت الاتحاد جمال عبد الناصر كأنها تطبع في القاهرة

قبل 50 عامًا في مثل هذا اليوم رحل عن الأمة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر. في العدد الأول الصادر بعد الرحيل، في 2 اكتوبر 1970 شيّعت ورثت صحيفتنا "الاتحاد" الزعيم عبد الناصر بكمّ سخيّ من الحزن والألم والحب والوفاء والتبجيل كأنها تصدر في القاهرة، كاسرة كل الحواجز التي تفرضها اعين الرقابة البوليسية الاسرائيلية في تلك الأيام، وحكومة القهر القومي والاحتلال التي كانت تعتبر ناصر ألد اعدائها ورحيله أكبر نصر لها.  واعتبرت الاتحاد جمال عبد النصار فقيد الامة العربية والانسانية التقدمية وعبرت باسم الشيوعيين عن حزنها بـ"فقدان رجل من أعظم رجال التاريخ في شرقنا" كما كتبت في افتتاحيتها، فهو "رجل التاريخ" الذي "حمل آلام أمته وجسّد نزوعها الى الحرية والاشتراكية والسلام والوحدة".

احتفت "الاتحاد" بمظاهر الحزن والجزع التي أظهرتها الجماهير العربية في اسرائيل على رحيل ناصر، ومشاركة هذه الجماهير في الناصرة وقرى الجليل والمثلث في المسيرات الحزينة على رحيله الى جانب الجماهير العربية في الاراضي المحتلة وفي القاهرة وفي العالم العربي من المحيط الى الخليج، والمعاني السياسية التي تحملها وتعبر عنها هذه المظاهر؛ من انتماء هذه الجماهير العربية الباقية في وطنها الى فضاء الأمة العربية وآمالها التحررية والى نضالات الشرق الذي يكافح ضد الاستعمار، هذا الكفاح الذي كان جمال عبد الناصر رائده. فـ"شريان الحياة الذي يربط بين كل اجزاء هذا الشعب اقوى من ان تقطمه عاتيات الزمان" كما كتبت "الاتحاد" معبرة عن معنى مشاركة الجماهير العربية في هذا التشييع غير المسبوق. فهذه المشاركة في الحزن  العميق على "هذا القائد الذي تبكيه الامة العربية من الخليج الى المحيط" هي مشاركة "صادقة مخلصة تسجل في مكانها في ركب الحرية وفي سجل التاريخ الذي تكتبه الشعوب".

وهكذا خطت "الاتحاد" في عنوانها الرئيسي في ذلك العدد: "الملايين تشيع جثمان الراحل العظيم جمال عبد الناصر في موكب لم يشهد العالم العربي نظيرًا له وقلّ ان عرف العالم شبيها به". وكتبت تحته: "اية حاضرة في العالم العربي وفي العالم أسره عاشت يومًا كالذي عاشته القاهرة امس؟ اية امة سكبت من الدموع ما سكبته امة العرب امس؟ واي موكب كموكب الملايين الذي شيع امس جثمان الراحل العظيم جمال عبد الناصر الى مثواه الاخير؟".

وتحت عنوان، "القلب الكبير في نبضاته الاخيرة"، كتبت الاتحاد: "ما اشبه حجة الوداع بمؤتمر القمة-قمة الوداع- عندما وقف جمال عبد الناصر في اخريات ايامه يسعى حتى الرمق الاخير ليحقن دماء سالت في الاردن". واضافت مشيرة الى جهوده الاخيرة في وقف المجزرة ضد الشعب الفلسطيني فيما عرف لاحقًا بـ"ايلول الاسود" في الأردن: "هب من مصحه في مرسى مطروح ليشهد مؤتمر الوداع قائلا: ان في الاردن رجلا ونساء واطفالا يموتون ونحن في صراع مع الموت." وتابعت الاتحاد: "أبى القائد ان يستريح والدم سيال وأبى ان ينام والفتنة يقظى، ولم يسترح ولم ينم، الا بعد ان تم الاتفاق على حقن الدماء.. وكانت الراحة الابدية والنومة الابدية". ثم كتبت معبرة عن ألم الفقدان واليتم الذي يشعر به الشعب الفلسطيني على رحيل القائد: "صاح اللاجئون في عمان وفي الضفة الغربية المحتلة: لقد مت من أجلنا.. مات من أجلنا وعاش يناضل من أجلنا".

وكتبت الصحيفة راصدةً للمسيرات والمظاهرات التي انطلقت بها الجماهير العربية في اسرائيل في تعبير عن الحزن والحداد على رحيل الزعيم الراحل: "في يوم الحزن والاسى بفقدان الرئيس جمال عبد الناصر: اضخم مسيرة عرفتها الناصرة". وكتبت ناقلة اجواء الالم والوفاء: "من الناصرة وقرى الجليل ومن المثلث وقراه...انطلقت جماهير الأهلين العرب في المسيرات الحزينة تخترق الشوارع والطرقات وتحمل اكاليل الزهور وصور جمال عبد الناصر مجللة في السواد، مشاركة منها مع كل الامة العربية في يوم حزنها واساها وفجيعتها بوفاة جمال عبد الناصر وعقدت هذه المسيرات في الناصرة والطيبة وطمرة وشفاعمرو وكفر ياسيف ودير حنا وفي اماكن اخرى كبيرة".

وكتبت "الاتحاد" واصفة الجنازة الرمزية التي خرجت فيها الناصرة عن بكرة ابيها وخطب فيها توفيق زياد واميل حبيبي راثين فقيد الأمة مبجلين دوره في قيادة كفاح الشعوب العربية ضد الاستعمار وصموده ضد العدوان الامبريالي: "شهدت الناصرة يوم أمس الخميس، يوم جنازة الفقيد الجليل، مسيرة جنائزية ضخمة اشترك فيها اهالي الناصرة رجالا ونساء حتى اربى عدد المشاركين فيها على 15 الفا وتعطلت المدارس واغلقت الحوانيت والمشاغل وانقطع العمال عن العمل حيث بكى الاذان واعول ناقوس الكنائس".

وفي مقال طويل في ذات العدد خصص لاستعراض مسيرة جمال الناصر وانجازاته التحررية ومحطاته النضالية وصولاته وجولاته في الحرب ضد هيمنة الاستعمار، افتتح بـ"اصبح من حكم التاريخ ان جمال عبد الناصر، زعيم العرب الراحل، هو واحد من ابرز رجالات العالم في القرن العشرين. وهو بلا شك، أعظم شخصية انجبتها الامة العربية في تاريخها الحديث.. لم يكن مجد عبد الناصر ميراثًا عن سلف ولم يولد جمال وفي فمه معلقة من ذهب. لقد صعد جبل العظماء حتى قمته، بفكره النير المقبوس من أعماق الجماهير المظلومة. ومنذ خطوته الاولى في غابة النشاط الاجتماعي والسياسي ربط جمال عبد الناصر مصيره بمصير الجماهير البسيطة الكادحة التي احبته بقدر ما احبها والتحمت به بقدر ما التحم بها..".

ومكان "كلمة الاتحاد" الاعتيادية في كل عدد، نشرت الصحيفة نعيًا لجمال عبد الناصر موقعًا باسم هيئة التحرير تحت عنوان، "ناصر رجل التاريخ-كان رائدًا ثوريًا ومقدامًا". وكتبت فيه: "عبرت الجماهير العربية في اسرائيل والمناطق المحتلة امس عن جزعها وحزنها الشديدين، جنبا الى جنب مع شعوب الأمة العربية وقوى التحرر كلها على فقيد العروبة والانسانية التقدمية، على فقيد الحرية والسلام، على رائد الوطن العربي الاول جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة. فشريان الحياة الذي يربط بين كل اجزاء هذا الشعب اقوى من ان تقطمه عاتيات الزمان.. ان مشاركة الجماهير العربية في هذه البلاد بالحزن العميق على هذا القائد الذي تبكيه الامة العربية من الخليج الى المحيط، هي مشاركة صادقة مخلصة تسجل في مكانها في ركب الحرية وفي سجل التاريخ الذي تكتبه الشعوب. وهو اعتراف بأن وفاة هذا الرجل الوطني الكبير المخلص لأمته اشد اخلاص ولقضية السلام العادل كانت خطبًا جللاً شعرت به كل الانسانية المتقدمة... وكان زعيم الامة الراحل عدوا عنيدًا للاستعمار وكان رجل سلام عاش للامة العربية والحرية والسلام بقدر ما عاش لمصر. لقد بذل آخر رمق في حياته في سبيل ايقاف مجزرة الشعب الفلسطيني واحباط المؤامرة الامبريالية الدنيئة في الاردن على حياة هذا الشعب ومقدرات السلام في المنطقة... ونحن الشيوعيين نقدر هذا الدور الكبير الذي اداه جمال عبد الناصر في خدمة قضية السلام وحقوق شعوب الشرق، ونحزن مع كل ابناء شعبنا وطلاب السلام جميعًا على فقدان رجل من أعظم رجال التاريخ في شرقنا... عبد الناصر هو رجل التاريخ، حمل الام امته وجسد نزوعها الى الحرية والاشتراكية والسلام والوحدة. وهذه الأمة التي بكت بطلها مرتين، مرة في حياته ومرة في مماته لم تُعدَم ابطال الكفاح الذين يواصلون المسيرة لتحقيق آماني التحرر والسلام والاشتراكية.".

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب