news-details

ديمقراطية "العم سام" في مهب الريح | باسل ترجمان

مرة اخرى تهتز أسس الديمقراطية الامريكية، التي صدعت رؤوس العالم بأنها الاكثر مثالية وتعبيراً عن مصداقية العملية الانتخابية، التي تجمع بين نزاهة اجراء الانتخابات واعلى ما يمكن ان يصله التطور التكنولوجي في العالم، عبر تسخير كل الوسائل التكنولوجية التي قد لا يعرفها الكثيرون لضمان ذلك.


فبعد ما يقارب عشرين يوماً من انتهاء الانتخابات، مازالت الولايات المتحدة الامريكية عاجزة عن اعلان النتائج النهائية ومن الفائز، فيما سيكون الرئيس الجديد للولايات المتحدة في ظل استمرار المناكفات السياسية بين المرشحين، ونزول حشود مؤيدي الرئيس ترامب الى شوارع العاصمة واشنطن، رافضين هزيمته امام المرشح الديمقراطي جون بايدن.


الصورة التي تقدمها الديمقراطية الامريكية لنظامها الانتخابين تصلح لأن تكون صورة لانتخابات رئاسية في احدى دول العالم الثالث، التي تحاول اجراء انتخابات، ولكن تعوزها الشفافية والنزاهة وحرية الانتخاب. 


والعالم الحر الذي يسير في ركاب هذه الديمقراطية يقف مشدوهاً، ينتظر بقلق وحسرة ما ستؤول اليه نتائج الانتخابات، وكيف سيكون في حال الاقرار بهزيمة ترامب عملية تسليم السلطة في الدولة الاولى في العالم، والتي تملك اكبر مخزون استراتيجي من الاسلحة النووية، وتتحكم بسياسات واقتصاديات الكثير من دول العالم.


كيف ستتمكن امريكا من استعادة صورتها التي اهتزت امام العالم الديمقراطي الحر، ومن سيكون قادرا على اقناع هذا العالم، بأن حكايات ترامب والانتخابات ليست سوى فاصلة صغيرة في تاريخ ديمقراطيتها العظيمة، والتي تكرر فيها الحديث عن تزوير الانتخابات مرتين متتاليتين. أمريكا التي امتهنت تزييف الحقائق على نمط صناعة سيناريوهات سينما هوليود، والتي استنزفت بممارسة هذا التزييف مصداقيتها أمام العالم، وخاصة في السنوات الثلاثين الأخيرة، التي تحولت فيها الى زعيمة العالم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي.


الحروب التي دخلتها بكذب بان واضحاً وجلياً امام العالم، بدءا بغزو العراق ولا يعرف أحد أين سيقف بعد تورطها في حروب تدمير سوريا وليبيا، تظهر أن الولايات المتحدة تعيش حالة مخاض بين استمرار سيناريوهات التزييف الى ما لانهاية، مع ما سيقوده ذلك من انهيار قوتها الاقتصادية وتأثيرها الدولي، خارج مدى فعلها العسكري، والذي ظهر بوضوح انه فاشل في تحقيق اي انتصار، مهما كان العدو. 


منذ الغزو العراقي للكويت دخلت واشنطن في العديد من الحروب والمعارك، لكنها لم تستطع أن تحقق نصراً عسكرياً تحوله لمكاسب سياسية، بل فشلت حتى بعد تضامن عالمي غير مسبوق معها، إثر هجمات الحادي عشر من ايلول 2001 في تحقيقه، وعادت بعد عشرين سنة لتفاوض طالبان على كيفية الخروج من أفغانستان، شريطة عدم اعادة تحولها لقاعدة للجماعات الارهابية والمتطرفة.


الفشل السياسي للإدارات الامريكية التي كانت تسير بنهج الغاية تبرر الوسيلة في صراعها مع المعسكر الاشتراكي، الذي كان نداً حقيقياً لها ولحلفائها، صار علامة فارقة في رؤية العالم لها ولإداراتها، لما بعد السياسية الخارجية بانعكاس الفشل داخل منظوماتها، التي تحكم الشأن الداخلي الامريكي.


كيف سيكون تعاطي الادارة الجديدة في واشنطن مع العالم، واي صورة ستسعى لتمريرها بعد تراكم الفشل، واهتزاز المصداقية، فهل ستعود لتكرار سياسات المغامرات العسكرية الفاشلة التي ساهمت باهتزاز الاقتصاد الامريكي وانكفاءه، والخيارات التي تملكها تتجسد بين تكرار سياسيات اوباما ومن سبقه جورج بوش الابن، اللذان ورّطا الجيش الامريكي بالعديد من الحروب، أم بالسير عبر سياسة لا حروب جديدة، التي انتهجها ترامب، ام محاولة البحث عن رؤية ودور جديد لواشنطن بأن تكون دولة محبة للسلام والاستقرار، وتسعى برفقة المجموعة الدولية للحد من تفاقم النزاعات الدولية، والسعي لحلها بالطرق السلمية .


خيارات تتخبط بها واشنطن بين ضغوط من يريدون تصريف منتجات شركات صناعة الأسلحة، بخلق الحروب والازمات وتكاليفها الباهظة مادياً وبشرياً على الولايات المتحدة، وبين السير نحو انكفاء دورها وسحب قواتها من مناطق عدة في العالم، وهو المطلب الذي يجد رضى داخل المجتمع، أو ان تتحول ولأول مرة لدولة تسعى بصدق لصنع السلام وانهاء النزاعات، التي شاركت بشكل كبير في اذكائها في العالم، وستبقى صورة امريكا التي اكتشفناها مؤخراً، تهيمن على المشهد لمرحلة طويلة قادمة، وتهز مصداقيتها وقوتها في العالم بشكل كبير.

(تونس)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب