news
مقالات

رمزية الطيور والنحلة وغيرهما في الأدب والفن

من الشائع في التقاليد الأدبية والفولكلورية عند معظم شعوب العالم الاهتمام بالمخلوقات ودلالتها ورمزيتها، ومن بين تلك المخلوقات الطيور والنحلة والفراشة والحسّون من حيث كونها تحلّق في الجو وإن اختلفت مهامها وأهداف خلقها، ولكنها وجدت لها مكانًا وشأنًا في مظاهرها الرمزية وعلاقتها الدلالية في عالم الأدب والميثولوجيا والطبيعة بشكل أو بآخر. وفي تناولنا لهذا الموضوع، نبدأ بالحديث عن الطيور التي عادةً ما تعتبر رموزًا للنفس البشرية، والتي احتلت تضمينات ودلالات ايجابية تقريبًا في جميع ثقافات العالم.

ومع أنّ الطيور في الغالب ترتبط عادةً بصور وأخيلة ايجابية، فإنّها في الخيال الميثولوجي الأسطوري أحيانًا تبدو كحاملة للحظ السيء. وفي القدم كان يسود الاعتقاد، على أية حال، أن الطيور، كالفراشات، بصورة عامة تمثّل النفس البشرية بهجرانها ومغادرتها الجسد لحظة الموت. وقد دعاها الروائي المسرحي اليوناني يوربيدس «رُسُل الآلهة»، بينما دأب الرومان على دراسة نماذج وأنماط طيرانها وتحليقها بهدف العرافة والتنبؤ.

وفي الموروث الرمزي القديم، ترى الثقافة المسيحية أيضًا في الطير كصورة للنفس. وفي هذا الدور يظهر الطير في لوحات العذراء والطفل، حيث غالبًا ما يُرى الطفل يسوع حاملًا طيرًا في يدهِ أو في المقوَد.

ووفقًا لبعض المفكّرين والباحثين، مع ذلك، فإنَّ الطير يشكِّل رمزًا مباشرًا للمسيح، وحينما يُرى في قفص أو في مقوَد، فإنّه يشير ضمنًا الى الحقيقة بأن المسيح قد أُلقي القبض عليهِ وتمّ تسليمه لينقذ الجنس البشري. وأخيرًا، واستنادًا الى تفسير وتأويل قطعة من سفر إرميا في الكتاب المقدّس، فإنَّ الطير المحبوس في قفص يرمز إلى الخداع والغش.

كذلك فإنَّ الطيور أيضًا تمثل الهواء في تجسيدها الرمزي للعناصر الأربعة (الهواء، الماء، التراب، النار). وبانتقالنا الى الترميز الذي يتعلق بالنحلة، فإنّه منذ القدم، كان للنحل اعتبار رفيع المكانة في الأهمية. فقد نُسبَ للنحل الكثير من الصفات البشرية، بما فيها التصنيع والاجتهاد، الانسجام والتناغم، الشجاعة، الطهارة والعفّة. 

وحسب الرومان القدماء، فإنَّ العسل قد اكْتُشِفَ مِن قِبَل باخوس، الذي بَيّنَ للانسان  كيف تُصنع خلايا النحل. وفي حَدَثٍ قصصي ميثولوجي مشهور، أحيانًا ما يُمَثّل في لوحة كيوبيد وهو قد تعرّض للسعات سرب من النحل بينما كان يحاول سرقة قرص عسل. وبعدها يذهب الولد كيوبيد الى أمهِ، ﭬينوس كي يشتكي لها، لكنّها توبّخه وتؤنبه، لائمةً إياه قائلة بأنَّ سهامه الخاصة به تُنزل بهِ كذلك جروح أكثر عُمقًا.

إنّ التقاليد المسيحية ليست حصينة وليست بمأمنٍ من السحر والإفتنان بهذه الحشرات الصغيرة. إنّها غالبًا ما تُشَبِّه الحياة الرهبانية الديرية، المتّسِمة بالنظام والاجتهاد، لخلايا النحل تلك. بعض القديسين يتم مقارنتهم بالنحل لأعمالهم الطيّبة الحسنة، أو لعذوبة كلماتهم وأقوالهم. إنّ النحل هو أحد الأشياء التي تُعْزى الى صفات القديس امبروسيوس، لأنّه كما يُقال أنه عندما كان في المهد، جاء سرب أو حشد من النحل ورسا على وجهه. وهناك البعض ممن يرون أنّ النحلة هي تمثيل للقديس برنارد، كتلميح واشارة ضمنيه الى فصاحتهِ وبلاغتهِ. وبفضل خاصية عذوبة وحلاوة العسل، يمكن أن نُرجِع النحلة الى صورة المسيح وغفرانه لخطايا الجنس البشري. علاوةً على ذلك، وبالاستناد الى الاعتقاد الذي كان شائعًا مرةً بأنَّ الحشرات التي تولَّد أو تستخرج من التوالد العذري أي الحمل من غير إخصاب، فإنّ النحل أيضًا قد استُخدم عادةً ليفيد ضمنًا معنى الطهارة والعفّة.

وفي تطرّقنا الى الفراشة ورمزيتها، فإنّه في العصور القديمة الكلاسيكية، كان يُعتقد أنّه عند الموت، تترك النفس البشرية الجسد من خلال الفم. وفي صيغة الجمع للكلمة، فإنّ النفس يرمز اليها بواسطة فراشة تترك شرنقتها.

إنّ صورة الفراشة، التي تولد كيسروع (يرقانة الفراشة)، وتتحول الى شرنقة، ولاحقًا تتطوّر الى حشرة ذات أجنحة، قد أحدثت دائمًا الإفتتان لدى الجنس البشري. إنّ هذه العملية كان يُنظر اليها كانعكاس لتحولنا الروحي الخاص بنا.

إنّ المصطلح اليوناني psyche` (النفس بالعربية)، والتي تشير الى النفس تعني أيضًا فراشة. لهذا السبب نرى أنَّ الصبيّة الشابة Psyche، محبوبة كيوبيد، أحيانًا تُصَوَّر بأجنحة أو مع أجنحة فراشة.

وبينما وفي فترة العصور القديمة، فإنَّ الفراشة/النفس يمكنها أحيانًا أن تكون استشرافًا أو تنبؤًا مسبقًا بالموت، فإنّهُ في الخيال المسيحي أصبحت رمزًا للبعث والانبعاث، بفضل رحلة الحشرة أثناء وخلال الحياة خصوصًا انبثاقها من الشرنقة. وعندما تُمثَّل في يدي الطفل المسيح أو العذراء، فإنّ الفراشة تشير ضمنًا مباشرةً الى النفس المنبعثة.

أما اذا اختتمنا هذه المداخلة بالحديث عن الحسّون، فإنّه أحيانًا يشير ضمنًا وتلميحًا الى النفس البشرية تطير بعيدًا بعد الموت. وهذه الرمزية تتعلق وتخصّ مجموعة من المعتقدات الوثنية القديمة التي تمّ تبنّيها لاحقًا مِم قِبَل المسيحية.

إنّ الحسّون يظهر عادةً في يد المسيح الطفل في مشاهدِه مع العذراء مريم. ووفقًا للقديس أسيدور من ﺳﻴﭬﻴﻠﻴﺎ، فإنّ طير الحسّون الصغير هذا، يشير ضمنًا الى الآم المسيح. وحقيقةً، فإنّ الاسم اللاتيني نفسه، carduelis، يؤكدِّ عادة الحسّون في تغذيته على الأشواك كطعام له، حيث أنّ نبات الشوك المستخدَم في علم دراسة الايقونات أو فن الصور وصور القديسين، يشير ضمنًا الى تاج الشوك أي اكليل الشوك.

وانعكاسًا لهذه الرمزية، فإنّ هذا الطير الصغير يظهر أحيانًا في حيوات ساكنة ومشاهد شجيرات نامية تحت أشجار كبيرة في الغابة، نموذجًيةً وعلى نمط لوحة شمال أوروبية من القرن السابع عشر. في هذه الحالات، فإنّها تشير ضمنًا وتلّمح الى الصراع بين الخير والشر.

إنّ الحسّون يمكننا أيضًا أن نراه أحيانًا في يدي طفل أو ولد في صورة بسيطة، لكون الأولاد يحبونه كثيرًا نظرًا لجمال ريشه الملوّن.

(كفر ياسيف)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب