news-details
مقالات

سيرة ذاتية مُبَطّنة بسردٍ شبه روائي للأديب ابراهيم مالك

أصدر الأديب الشاعر ابراهيم مالك مؤخرًا عملاً نثريًا شبه روائي تحت عنوان « لن يتغَيَّر ما نحن فيه ما لم نغيِّر ما بأنفسنا » بفنيّة تحويرية تناصية مع الآية الكريمة «إنّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم». (الرعد : 11). وعندما أهداني الكاتب الكريم مشكورًا نسخةً من هذا الكتاب، تمنّى عليَّ أن أُدلي برأيي حول ما ورد فيه من خلال تعقيب أقوم بكتابته معبّرًا فيه عمّا تبلور لديّ من وجهات نظرٍ بشأن تقنية السرد ومضمون الكتاب.

بادئ ذي بدء يمكن القول انَّ الكاتب يميل الى الاعتقاد أنّ ما قام بهِ في كتابهِ هذا هو عمل شبه روائي، ولكننا نرى أنَّ الكتاب بتقنيتهِ ومحتواه أقرب الى السيرة الذاتية التاريخية المرتبطة أولاً بأسرتهِ وما مَرَّ عليها من أحداثٍ إنسانية واقعية الى حدٍ كبيرٍ جدًا، وفقًا للشواهد والذكريات التي يوردها الكاتب بأسلوب تمتزج فيه القصص مع المواعظ المستقاة من الفلسفة والميثولوجيا والتاريخ والمشاهير من العظماء في المسيرة البشرية على مدى العهود والعصور.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أنّ الحريّة في الخيال هي التي تضع الحد الفاصل بين القصة أو الرواية والسيرة، فالقصصي حرٌّ في الخلق والبناء، يملك أن يتخيّل مواقف ومحاورات، وله الحق في أن يصف التيار الداخلي في أنفس الشخصيات التي يرسمها، وقد يلجأ في بناء الشخصية الى بعض العناصر المستمدة من التاريخ، ككاتب السيرة أيضًا ولكنه كثيرًا ما يخلق العناصر التي يراها ملائمة لمواقف شخصياتهِ، فيتقمص هذا وذاك، ويبني عالمًا جديدًا ليس له من صلة بالواقع إلّا إنه شبيه به، وأنّ حدوثَهُ أمر محتمل ؛ أما كاتب السيرة فلا بد له من مذكرات ورسائل وشواهد وشهادات من الأحياء – أحيانًا ومن شهادات كان قد سمعها من أموات أحيانًا أخرى يعتمد عليها في كل خطوة، وكثيرًا ما تعوزه الشواهد في أدق المواقف، وهذه الأمور قد اعتمدها وتبناها الكاتب في عمله الأدبي هذا حيث كان من الأجدر أن يصنّف هذا العمل بأنّه سيرة ذاتية للكاتب يطغى عليها الجانب الأسري بقالبٍ سردي قصصي يفتقر الى العناصر الروائية، وإن كان يشتمل ولو بالنزر اليسير على بعض النفحات واللمسات القريبة الى الجو الروائي.

لقد اتخذَّ الكاتب ابراهيم مالك في كتابتهِ للسيرة الذاتية أسماء مستعارة له ولإخوتهِ ولوالده حيث يمكن للقارئ أن يستنتج هذه الحقيقة من خلال التفاصيل الواردة في الكتاب فيما يتعلق بجذور وأصول الكاتب ومكان ولادته الذي يجيء على ذكره دائمًا. ومن الطريف أنّ الكاتب قد أطلق على نفسهِ اسم سعيد وعلى أخويه مسعود وأسعد، وعلى والدهِ اسم الشيخ مطيع، وكأني به قد أراد التعبير عن أملِه بالسعادة في الحياة المقبله بعد معاناة أسرتهِ ووالده وجدوده بالتحديد في تاريخ مسيرتهم الحياتية القاسية في الجزائر موطنهم مرورًا بانتقالهم القسري الى الشام ومن بعدها الى فلسطين بفعل أحداث مريرة يرويها الوالد الشيخ مطيع لولدهِ سعيد الذي اتخذ له الكاتب هذا الاسم كنايةً ورمزًا لطاعتهِ للظروف التي مرّ بها على مدار الحياة المتقلبة. وقد رأينا في ذلك مفارقةً رمزيةً (symbolic irony)، علاوةً على أنَّ السعادة الحقيقية لم تعرف طريقها الى سعيد وإلى الأسرة التي يحمل أبناء الشيخ مطيع فيها أسماء مشتقة من صفات السعادة التي لم تطرق بابهم إلّا نادرًا من خلال السياق. وهنا مكمن المفارقة الساخرة الموحية.

ومن الأمور التي يتوجب علينا ذكرها أنَّ الأستاذ ابراهيم مالك يقدِّم لنا سيرة ذاتية مبطنّة يتوخى النجاح التام لها، لكن ما كان يلزمها وتحتاج إليهِ للوصول الى ذلك هو التعاون بين الحيوية الخارجية المتصلة بالمجتمع، والصراع النفسي الداخلي ؛ وهذا ما كانت تفتقر إليه هذه السيرة ولو جزئيًا ؛ أمّا ما يحقِّق لها جانبًا من التوفيق والنجاح المتواضع أنّها تتضمن بعض التقلبات والأعاصير التي اجتاحت حياة الشيخ مطيع والتي ذكرها بالتفصيل الى ولدهِ سعيد ممّا جعل من هذهِ الذكريات موضوعًا صالحًا للسيرة، مثيرًا لحب الاستطلاع.

إنَّ أهم ما نلحظه في هذه السيرة المُبطّنة النمو والتطوّر والتغيّر في شخصية الشيخ مطيع وهو يروي الذكريات لولده سعيد، مع مراحل التقدّم في السن، لذلك درج كاتب هذه السيرة الذاتية أن يتابع التدرج التاريخي للأحداث، وأن يلحظ بدقة تأثير الأحداث في الخارج والداخل على نفسية صاحبها الشيخ مطيع ومَنْ حوله مِمَنْ يمت لأسرته وعائلته بصلة.

ومن حيث ان كاتب السيرة عمومًا غير محتاج الى قوة كبيرة من الخيال الخالق، فإنَّ الاستاذ ابراهيم مالك ككاتب لهذهِ السيرة لم يستغنِ عن الاطلاع الواسع في ميادين شتى من عالم الثقافة والمعرفة والعقائد والأفكار الإنسانية بتشعباتها وتنوعاتها العلمانية والروحانية.

إنَّ شخصيات الكاتب لهذا النص تتصل بالمكان والزمان، ولا توجد إلّا بوجودهما، ومن ثمَّ كان في طريقتهِ ناجحًا في القدرة على التصنيف والتقسيم، فقد أنشأ سيرةً ذاتية أُسرية مبطنّة ووفّق في إنشائها محققًا غاية كالتي يحققها القصصي، وإن اختلفت عنهِ ببعض الجزيئات الأسلوبية والتركيبات التقنية فيما يخص إعادة الحياة كما عاشها أحد الناس القريبين كالشيخ مطيع في النص الذي نحن بصددهِ.

ليس من ريب أنَّ السيرة فن لا بمقدار صلتها بالخيال، وإنما لأنها تقوم على خطة أو رسم أو بناء، وعلى ذلك فهي ليست من الأدب المستمد من الخيال، وهذا ما كان مع نص الكاتب ابراهيم مالك الذي بين أيدينا، فالسيرة هي أدب تفسيري، وهذا النوع من الأدب كالأدب الذي يخلق خلقًا، من حيث انّ صاحبه معنيٌّ بغاية محدودة تهديه في اختياره وترتيبهِ للحقائق، وهو كالروائي والقاص أيضًا، يحاول أن يكشف عن الصراع بين بطل سيرته والطبيعة، وصراعه من الناس الآخرين ومع نفسه وهو يحاول أن ينقل الى القراء حقيقة ذات قبول عام، ونراه بدلاً من أن يقف موقف الخلّاق بخيالهِ، يقف موقف المستكشف المفسِّر لأشياء واشخاص وجدوا في الحقيقة كالشيخ مطيع والد بطل السيرة سعيد أي كاتب النص والجدود وغيرهم ممن لهم علاقة بأسرة سعيد.

إنَّ كتاب الأستاذ ابراهيم مالك هذا هو عبارة عن مزيج من الترجمة الذاتية والترجمة الغيرية – أي ترجمة حياة الآخرين كحياة الشيخ مطيع والد بطل السيرة المرتبط معه عضويًا في ذكرياتهِ التي ينقلها الكاتب بكونهِ الابن الحقيقي له. وفي هذه السيرة يصبح هذا الأمر تعبيرًا ذاتيًا عن نفس كاتبها وظروفه، وتكون الشخصية التي يتحدث عنها هي مثله الأعلى كالشيخ مطيع صاحب الشواهد التاريخية والذكريات الشخصية المرافقة بكلّ حيثياتها، وهنا نلمس أن ذاكرة الشيخ مطيع لا تنسى، ومن خلالها يفلسف الكاتب الأشياء الماضية، وينظر اليها من زوايا جديدة، ويجد التعليل لأشياء سابقة يبني عليها منظورًا حديثًا تقدميًا ذا نزعة انسانية، لأنه في عملية كشف دائم ؛ ومعنى ذلك أنّ الماضي شيء لا يمكن استرجاعه على حالهِ، ولا مناص من تغييره إلّا برؤىً وأفكار جديدة إنسانية في اجتهادها نحو حياة توفرِّ السعادة والاستقرار للأفراد والجماعات باتبّاع الصدق والمحبة بين البشر دون المغالطات في المفاهيم الصحيحة وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية وبموضوعية تامة بعيدة عن التحيُّز والغلو في الإتيان بأوصاف تناقض الواقع والحقيقة.

وخلاصة القول أنَّ كتاب « لن يتغَيَّر ما نحن فيه ما لم نغيِّر ما بأنفسنا » قد يشكّل سيرة ذاتية فنيّة، اذا تحولت عناصره بعض التحوّل لأنَّ في هذا الكتاب شيئًا غير قليل من العناصر الذاتية والترجمة الشخصية، مع أنّه موضوع في إناء قصصي الى درجةٍ ملموسة، ويلاحظ أنَّ الكتاب يحتوي دروسًا أخلاقية، بعضها يوحي الكاتب بها، والبعض الآخر يذكرها نصًا، ولقد كان من الأجدى أن تكون هذه الدروس الأخلاقية كلها بالإيحاء لأنّ خير السير ما أوحى بالدرس الخلقي، وإلّا حالت السيرة قطعة تعليمية باردة.

وقبل الانتهاء من هذه المداخلة، فإنّه من المفيد أن نذكِّر الكاتب بأنه قد وقعت في الكتاب بعضِ الهفوات والأخطاء اللغوية التي كان بإمكان الكاتب تداركها لو أعار الأمر انتباها خاصًا، ونحن على ثقة بذلك وبأنّه سيقدم على تصحيحها في الطبعة القادمة.

 وختامًا فللكاتب والشاعر الأستاذ ابراهيم مالك أطيب التمنيات بموفور الصحة والعمر المديد وبالتوفيق في المزيد من العطاء والابداع.

(كفر ياسيف)

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب