news-details
مقالات

صباح الخير: بقر الربيع وبنات العرس

 "عمرك ما تشتري من بقر الربيع ولا تتجوّز من بنات العرس". هذا مثل كنت قد سمعته مرّة. لا أذكر ممّن سمعته ومتى وأين... هذا العيد اجتمعنا كلنا في بيت عمي أبو راغب في ترشيحا. العدايل والنسوان والرجال... الكلّ. والكلام يجرّ الكلام رجعنا إلى تلك الأيام، ووصلنا إلى عادات الزواج وقتها. فتذكّرت هذا المثل. شقّة خرجي الأكبر المهندس محمود القباني (أبو إبراهيم) لم يعجبه المثل. وقال بتأفّف ما معناه هذا مثل ذكوري مرفوض لأنه يقارن بين البقر والبنات في سياق واحد..صحيح أنّ آباءنا وأجدادنا لم يُظهروا حساسية نسوية كافية في كلامهم أو في بعضه. هذا جائز ووارد. لكنهم كانوا يمارسون بصمت قدرًا معينًا من النسوية في كثير من مناحي حياتهم، نسوية فطرية طبيعية مقنعة. وهذه كلمة حقّ قولها واجب.

كنا مجتمعًا فلاحيًا. رزقنا ومعاشنا من الفلاحة. والفلاحة، علاوة على ذلك، هي فلسفة حياة. أنا عشت بعضًا من تلك الأيام التي كانت فيها المرأة تقوم بدور فاعل وحاسم في الفلاحة: في الزراعة والنكاش والتعشيب والتحطيب والحصيدة والزيتون وكروم العنب والتين وحليبة المعزى والطوابين... كانت المرأة مثل النحلة منطلقة لا تكنّ ولا تهدأ، من سهلة إلى جبلة ومن واد إلى حرش... وأنا شاهد على أنها كانت تتقدّم على الرجل في كثير من الأعمال المصيرية وقتها. حين كانت المرأة منتجة كانت عماد البيت وكانت تفرض احترامها بقوّة الإنتاج والعطاء على الجميع. ولمّا جاءت إسرائيل وحوّلتنا إلى مجتمع "مدني" بالقوّة وسرقت الأرض خرج الرجال إلى الشغل عند اليهود وتعطّلت النسوان وقبعت في البيوت وفقدت قدرتها على العطاء والإنتاج، وصارت مستهلكة في ظلّ الرجل. ظلّت المرأة على هذا الحال ثلاثة عقود تقريبًا. كانت عقودًا عجافًا في مسيرتها الإنتاجية. وحين بدأت تخرج للدراسة بأعداد كبيرة ومتزايدة، في سنوات الثمانين تقريبًا، صارت تعود باطراد إلى مكانتها الإنتاجية التي كانت عليها.. هذه هي المعادلة النسوية مثلما فهمتها والتي أشهد عليها. وكلمة السرّ فيها هي "الإنتاج".

لا أحد يقارن بين البقر والبنات، أو يجرؤ على ذلك. لكن دفاعًا عن آبائنا وأجدادنا الذين ربّونا لا بدّ من كلمة حقّ تنصفهم. كلّ الأمثلة كانت من حياة الناس أنفسهم. والناس فلاحون بالوراثة والقبول. ومن أين تريدهم أن يأتوا بأمثالهم، إن لم يكن من حياتهم يا أبو إبراهيم؟! لا أظنهم يقصدون الإساءة ولا أظنهم يقارنون أصلا. فهمت من المثل أنّ هناك حالتين منفصلتين لا يجوز للإنسان فيهما أن ينخدع بالمظاهر وعليه أن يتروّى. فمثلما لا يقدم الفلاح العارف والذكي على شراء البقر في الربيع هكذا لا يقدم، في زمان آخر ومكان آخر،على الزواج من فتاة رآها في عرس، وقد أخفت ملامحها الحقيقية بالطلاء، انطلاقًا من نفس المبدأ طبعًا، مبدأ التروّي والحذر من المظاهر الخادعة. مركز المثل هو الحرص على هذا المبدأ بالضبط وليس المقارنة لا بين طرفين ولا بين حالتين. وهو مركز تنفصل عنه حالتان مختلفتان، مثلما ترى، وقد تنفصل عنه حالات أخرى إضافية قد تضيفها أنت يا أبو إبراهيم أو غيرك.. ذكرتُ غير مرّة أنّ الجمع بين غير متكافئين في جملة واحدة أمر غير مستساغ في لغة العرب. لا يقول العرب "اشتريت جَمَلا وبيضة"، بل يقولون "اشتريت جملا واشتريت بيضة"... ألا ترى إذًا أنّ المثل يقوم على حالتين مختلفتين في جملتين مستقلّتين قد انفصلتا عن مركز واحد يا أبو إبراهيم؟

 

إبراهيم طه

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب